إن قيل في هذا الموضع: إن الضمائر مذكورة في كتب النحو، فأي حاجة إلى ذكرها ههنا، ولم نعلم أن النحاة لا يذكرون ما ذكرته؟
قلت: إن هذا يختص بفصاحة وبلاغة، وأولئك لا يتعرضون إليه، وإنما يذكرون عدد الضمائر، وأن المنفصل منها كذا، والمتصل كذا، ولا يتجاوزون ذلك، وأما أنا فإني في هذا النوع أمرا خارجا عن الأمر النحوي.
وأعني بقولي: "توكيد الضميرين" أن يؤكد المتصل بالمنفصل، كقولك: "إنك أنت"، أو يؤكد المنفصل بمنفصل مثله، كقولك: "أنت أنت"، أو يؤكد المتصل بمتصل مثله، كقولك: "إنك إنك لعالم"، أو"إنك إنك لجواد".
وإنما يؤتى بمثل هذه الأقوال في معرض المبالغة، وهو من أسرار علم البيان.
ولنقدم في ذلك قولا يحصره، ويجمع أطرافه، فنقول:
إذا كان المعنى المقصود معلوما ثابتا في النفوس، فأنت بالخيار في توكيد أحد الضميرين فيه بالآخر، وإذا كان غير معلوم، وهو مما يشك فيه، فالأولى حينئذ أن يؤكد أحد الضميرين بالآخر في الدلالة عليه، لتقرره وتثبته.
فما جاء من ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ ١.
فإن أراد السحرة الإلقاء قبل موسى لم تكن معلومة عنده؛ لأنهم لم يصرحوا بما في أنفسهم من ذلك، لكنهم لما عدلوا عن مقابلة خطابهم موسى بمثله إلى توكيد ما هو لهم بالضميرين اللذين هما: ﴿نَكُونَ﴾، و﴿نَحْنُ﴾، دل ذلك على أنهم يريدون التقدم عليه،
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: الآية ١١٥.
[ ٢ / ١٥١ ]
والإلقاء قبله؛ لأن من شأن مقابلة خطابهم موسى بمثله أن كانوا قالوا: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾، وإما أن تلقي وإما أن تلقى، لتكون الجملتان متقابلتين، فحيث قالوا عن أنفسهم: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾، استدل بهذا القول على رغبتهم في الإلقاء قبله.
توكيد المتصل بالمتصل:
وأما توكيد المتصل بالمتصل، فكقوله تعالى في سورة الكهف: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ١.
وهذا بخلاف قصة السفينة، فإنه قال فيها: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ٢.
والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى٣، فقال في الأولى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ ﴾ وقال في الثانية: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾ .
وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة على مرة، والوسم بعدم الصبر.
وهذا كما لو أتى إنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته، ثم أتى ذلك مرة ثانية، أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه؟
وكذلك فعل ههنا، فإنه قيل في الملامة أولا: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾، ثم قيل ثانيا: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾، وهذا موضع يدق عن العثور عليه ببادرة النظر، ما لم يعط التأمل فيه حقه.
_________________
(١) ١ سورة الكهف: الآيتان ٧٤ و٧٥. ٢ سورة الكهف: الآيتان ٧٢. ٣ أي أكد الضمير في قصة الغلام، ولم يؤكد في قصة السفينة التي هي الأول في الترتيب القرآني.
[ ٢ / ١٥٢ ]
توكيد المتصل بالمنفصل:
وأما توكيد المتصل بالمنفصل، فنحو قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى، قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ١، فتوكيد الضميرين ههنا في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾، أنفى للخوف من قلب موسى، وأثبت في نفسه للغلبة والقهر، ولو قال: "لا تخف إنك الأعلى" أو"فأنت الأعلى" لم يكن له من التقرير، والإثبات لنفي الخوف ما لقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ .
وفي هذه الكلمات الثلاث، وهي قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾، ست فوائد:
الأولى: "إن" المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها، كقولك: "زيد قائم"، ثم تقول: "إن زيدا قائم"، ففي قولك: "إن زيدًا قائم" من الإثبات لقيام زيد ما ليس في قولك: "زيد قائم".
الثانية: تكرير الضمير في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾، ولو اقتصر على أحد الضميرين لما كان بهذه المكانة في التقرير لغلبة موسى، والإثبات لقهره.
الثالثة: لام التعريف في قوله: ﴿الْأَعْلَى﴾، ولم يقل: "أعلى" ولا "عال"؛ لأنه لو قال ذلك لكان قد نكره، وكان صالحا لكل واحد من جنسه، كقولك: "رجل"، فإنه يصلح أن يقع على كل واحد من الرجال، وإذا قلت: الرجل، فقد خصصته من بين الرجال بالتعريف، وجعلته علما فيهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾، أي دون غيرك.
الرابعة: لفظ "أفعل" الذي من شأنه التفضيل، ولم يقل "العالي".
الخامسة: إثبات الغلبة له من العلو؛ لأن الغرض من قوله: ﴿الْأَعْلَى﴾، أي: الأغلب، إلا أن في الأعلى زيادة، وهي الغلبة من عال.
السادسة: الاستئناف، وهو قوله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾، ولم يقل:
_________________
(١) ١ سورة طه: الآيتان ٦٧ و٦٨.
[ ٢ / ١٥٣ ]
"لأنك أنت الأعلى"؛ لأنه لم يجعل علة انتفاء الخوف عنه كونه عاليا، وإنما نفى الخوف عنه أولًا بقوله: ﴿لَا تَخَفْ﴾، ثم استأنف الكلام، فقال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾، فكان ذلك أبلغ في إيقان موسى ﵇ بالغلبة والاستعلاء، وأثبت لذلك في نفسه.
وربما وقع لبعض الأغمار أن يعترض على ما ذكرناه في توكيد أحد الضميرين بالآخر، فيقول: لو كان توكيدهما أبلغ من الاقتصار على أحدهما لورد ذلك عند ذكر الله تعالى نفسه، حيث هو أولى بما هو أبلغ وأوكد من القول، وقد رأينا في القرآن الكريم مواضع تختص بذكر الله تعالى، وقد ورد فيها أحد الضميرين دون الآخر، كقوله عز اسمه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، ولم يقل: إنك أنت على كل شيء قدير، فما الموجب لذلك إن كان توكيد أحد الضميرين بالآخر أبلغ من الاقتصار على أحدهما!؟
الجواب عن ذلك أنا نقول: قد قدمنا القول في أول هذا النوع أنه إذا كان المعنى المقصود معلوما ثابتا، فصاحب الكلام مخير في توكيد أحد الضميرين بالآخر، فإن أكد فقد أتى بفضل بيان، وإن لم يؤكد؛ فلأن ذلك المعنى ثابت لا يفتقر في تقريره إلى زيادة تأكيد، كهذه الآية المشار إليها، وهي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، فإن العلم بأن الله على كل شيء قدير لا يفتقر إلى تأكيد يقرره.
وقد ورد ما يجري مجرى هذا الآية مؤكدًا، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ٢.
فأكد هذه الآية، ولم يؤكد في الآية الأخرى، وقد عرفتك الطريق في ذلك.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: الآية ٢٦. ٢ سورة المائدة: الآية ١١٦.
[ ٢ / ١٥٤ ]
وأما ما إذا كان المعنى المقصود غير معلوم، وهو مما يشك فيه فالأولى أن يؤكد بالضميرين في الدلالة عليه، كقوله تعالى: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾، فإن موسى لم يكن متيقنا أنه غالب للسحرة، فلذلك أكد خطابه بالضميرين، ليكون أبلغ في تقرير ذلك في نفسه.
توكيد المنفصل بمنفصل:
وأما توكيد المفصل بمنفصل مثله؛ فكقول أبي تمام١:
لا أنت أنت ولا الديار ديار خف الهوى وتولت الأوطار
فقوله: "لا أنت أنت ولا الديار ديار" من المليح النادر في هذا الموضع؛ لأنه هو والديار الديار، وإنما البواعث التي كانت تبعث على قضاء الأوطار زالت، فبقي ذلك الرجل، وليس هو على الحقيقة، ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار.
وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي٢:
قبيل أنت أنت وأنت منهم وجدك بشر الملك الهمام
فقوله: "أنت أنت" من توكيد الضميرين المشار إليهما، وفائدته المبالغة في مدحه، ولو مدحه بما شاء لما سد مسد قوله: "أنت أنت"، أي أنك المشار إليه بالفضل دون غيرك.
وأما قوله: "وأنت منهم"، فخارج عن هذا الباب، وهو كلام مستأنف لا يتعلق بتوكيد الضميرين، كأنه قال: أنت الموصوف بكذا وكذا، وأنت من هذا القبيل، يريد بذلك مدح قبيله به.
وهذا البيت لم أمثل به اختيارًا له واستجادة، وإنما مثلت به ليعلم مكان توكيد
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ١٤٤، وهذا البيت مطلع قصيدة في مدح أبي سعيد الثغري. ٢ ديوان المتنبي ٤-٧٩ من قصيدة يمدح فيها المغيث بن علي العجلي، مطلعها: فؤاد ما تسليه المدام وعمر مثل ما تهب اللثام
[ ٢ / ١٥٥ ]
المنفصل بالمنفصل، وإلا فالبيت ليس من المرضي؛ لأن سبكه سبك عار من الحسن، وفيه تقديم وتأخير.
وقرأت في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج أن عمرو بن ربيعة، قال لزياد بن الهبولة١: "يا خير الفتيان، اردد علي ما أخذته من إبلي"، فردها عليه، وفيها فحلها، فنازعه الفحل إلى الإبل، فصرعه عمرو، فقال له زياد: "لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم"، فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا، وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا"، فقوله له: "لكنتم أنتم أنتم"، أي: أنتم الأشداء، أو الشجعان، أو ذوو النجدة والبأس، أو ما جرى هذا المجرى، إلا أن في "أنتم" الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم، كأنه قال: لكنتم
أنتم الشجعان دون غيركم، ولو مدحهم بأي شيء مدحهم من وصف البأس، والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة، أعني "أنتم" الثانية.
وهذا موضع من علم البيان تتكاثر محاسنه، فأعرفه.
_________________
(١) ١ في القاموس المحيط "٤-٦٧" أن ابن هبولة، أو الهبولة، أو الهبول: ملك ملوكهم.
[ ٢ / ١٥٦ ]