وهذا النوع ما يليه١ هو خلاصة علم البيان التي حولها يدندن، وإليها تستند البلاغة، وعنها يعنعن.
وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا.
وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة؛ لأنه ينتقل فيه عن صيغة، كانتقال من خطاب حاضر إلى غائب، أو من خطاب غائب إلى حاضر، أو من فعل ماض إلى مستقبل، أو من مستقبل إلى ماض، أو غير ذلك مما يأتي ذكره مفصلا.
يسمى أيضًا "شجاعة العربية"، وإنما سمي بذلك؛ لأن الشجاعة هي الإقدام، وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه، وكذلك هذا الالتفات في الكلام، فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات.
وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة
اعلم أن عامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى الخطاب، وعن الخطاب إلى الغيبة، قالوا: كذلك كانت عادة العرب في أساليب كلامها، وهذا القول هو عكاز العميان، كما يقال، ونحن إنما نسأل عن السبب الذي قصدت العرب ذلك من أجله.
_________________
(١) ١ هو النوع الخامس "توكيد الضميرين"، وسيأتي.
[ ٢ / ١٣٥ ]
وقال الزمخشري١ ﵀: إن الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنما يستعمل للتفنن في الكلام، والانتقال من أسلوب إلى أسلوب، تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه.
وليس الأمر كما ذكره؛ لأن الانتقال في الكلام من أسلوب إلى أسلوب إذا لم يكن إلا تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه، فإن ذلك دليل على أن السامع يمل من أسلوب واحد، فينتقل إلى غيره؛ ليجد نشاطًا للاستماع، وهذا قدح في الكلام، لا وصف له؛ لأنه لو كان حسنا لما مل.
ولو سلمنا إلى الزمخشري ما ذهب إليه لكان إنما يوجد ذلك في الكلام المطول، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك؛ لأنه قد ورد الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ويكون مجموع الجانبين معا يبلغ عشرة ألفاظ، أو أقل من ذلك.
ومفهوم قول الزمخشري في الانتقال من أسلوب إلى أسلوب إنما يستعمل قصدًا للمخالفة بين المنتقل عنه والمنتقل إليه، لا قصدًا لاستعمال الأحسن: وعلى هذا فإذا وجدنا كلاما قد استعمل في جميعه الإيجاز، ولم ينتقل عنه، أو استعمل فيه جميعه الإطناب ولم ينتقل عنه، وكان كلا الطرفين واقعا في موقعه، قلنا: هذا ليس بحسن، إذ لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب، وهذا القول فيه ما فيه.
وما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشري مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة؟
والذي عندي في ذلك أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، أو من الغيبة إلى الخطاب، لا يكون إلا لفائدة اقتضتها، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحد بحد، ولا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع منها، ليقاس عليها
_________________
(١) ١ هو جار الله أبو القاسم محمود بن عمر بن أحمد الزمخشري، وكان إماما في التفسير والنحو واللغة، والأدب واسع العلم كبير الفضل، متفننا في علوم شتى. معتزلي المذهب متجاهرًا بذلك، ولد بزمخشر من أعمال خوارزم سنة ٤٦٧، وتوفى بقصبة خوارزم ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.
[ ٢ / ١٣٦ ]
غيرها، فإنا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب، ثم رأينا ذلك بعينه -وهو ضد الأول- قد استعمل في الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، فعلمنا حينئذ أن الغرض الموجب لاستعمال هذا النوع من الكلام لا يجري على وتيرة واحدة، وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود، وذلك المعنى يتشعب شعبا كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه.
وسأوضح ذلك في ضرب من الأمثلة الآتي ذكرها:
فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، فكقوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ .
هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب، وبما يختص الكلام من الفوائد قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فإنه إنما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب؛ لأن الحمد دون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك، ولا تعبده؟، فلما كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة في الخبر، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ولم يقل: "الحمد لك"، ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى الطاعات قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فخاطب بالعبادة إصراحا بها، وتقربا منه عز اسمه بالانتهاء إلى محدود منها.
وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة، فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأصرح الخطاب لما ذكر النعمة، ثم قال: "غير المغضوب عليهم" عطفًا على الأول؛ لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب، فأسند النعمة إليه لفظا وزوى عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا.
فانظر إلى هذا الموضع، وتناسب هذه المعاني الشريفة التي لا تكاد تطؤها، الأفهام تدركها مع قربها.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وهذه السورة قد انتقل في أولها من الغيبة إلى الخطاب، لتعظيم شأن المخاطب، ثم انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة، لتلك العلة بعينها، وهي تعظيم شأن المخاطب أيضا؛ لأن مخاطبة الرب ﵎ بإسناد النعمة إليه تعظيم لخطابه، وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيم لخطابه.
فانبغى أن يكون صاحب هذا الفن من الفصاحة، والبلاغة عالما بوضع أنواعه في مواضعها على اشتباهها.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ ١ وإنما قيل: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾، وهو خطاب بعد قوله: ﴿وَقَالُوا﴾، وهو خطاب للغائب لفائدة حسنة، وهي زيادة التسجيل عليهم بالجراءة على الله تعالى، والتعرض لسخطه، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه، كأنه يخاطب قوما حاضرين بين يديه منكرا عليهم، وموبخًا لهم.
ومما جاء من الالتفات مرارًا على قصر متنه، وتقارب طرفيه قوله تعالى أول سورة بني إسرائيل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
فقال أولا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ بلفظ الواحد ثم قال: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا﴾ بلفظ الجمع، ثم قال: ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وهو خطاب غائب، ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير، وهذا جميعه معطوفا "على أسرى"، فلما خولف بين المعطوف، والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا، وتفننا في أساليب الكلام، ولمقصد آخر معنوي هو أعلى وأبلغ.
_________________
(١) ١ سورة مريم الآيتان: ٨٨، ٨٩.
[ ٢ / ١٣٨ ]
وسأذكر ما سنح لي فيه فأقول:
لما بدأ الكلام بسبحان ردفه بقوله: ﴿الَّذِي أَسْرَى﴾، إذ لا يجوز أن يقال: الذي أسرينا، فلما جاء بلفظ الواحد والله تعالى أعظم العظماء، وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع، استدرك الأول بالثاني، فقال: ﴿بَارَكْنَا﴾ ثم قال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، فجاء بذلك على نسق: ﴿بَارَكْنَا﴾، ثم قال: ﴿إِنَّه هُوَ﴾، عطفًا على أسرى، وذلك موضع متوسط الصفة؛ لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، وتلك حال متوسطة، فخرج بهما عن خطاب العظيم، في نفسه إلى خطاب غائب.
فانظر إلى هذه الالتفاتات المترادفة في هذه الآية الواحدة التي جاءت لمعان اختصت بها، يعرفها من يعرفها، ويجهلها من يجهلها.
ومما ينخرط في هذا السلك الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس، كقول تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ١.
وهذا رجوع من الغيبة إلى خطاب النفس، فإنه قال: ﴿وَزَيَّنَّا﴾، بعد قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾، وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾، ﴿وَأَوْحَى﴾، والفائدة في ذلك أن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا.
وأنها ليست حفظا ولا رجومًا، فلما صار الكلام إلى ههنا عدل به عن خطاب الغائب إلى خطاب النفس؛ لأنه مهم من مهمات الاعتقاد، وفيه تكذيب للفرقة المكذبة المعتقدة بطلانه، وفي خلاف هذا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الغيبة.
ومما ينخرط في هذا السلك أيضًا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة فصلت: الآيتان: ١١، ١٢. ٢ سورة يس: الآية ٢٢.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم؛ لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم؛ لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، وقد وضع قوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾، مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم؟، ألا ترى إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ ١.
فانظر أيها المتأمل إلى هذه النكت الدقيقة التي تمر عليها في آيات القرآن الكريم، وأنت تظن أنك فهمت فحواها، واستنبطت رموزها.
وعلى هذا الأسلوب يجري الحكم في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد، كقوله تعالى: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢.
والفائدة ههنا في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد تخصيص النبي -ﷺ: "بالذكر، والإشارة بأن إنزال الكتاب إنما هو إليه، وإن لم يكن ذلك صريحًا، لكن مفهوم الكلام يدل عليه".
وإذا تأملت مطاوي القرآن الكريم، وجدت فيه من هذا وأمثاله أشياء كثيرة، وإنما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها ما يجري على أسلوبها.
وقد ورد في فصيح الشعر شيء من ذلك، كقول أبي تمام٣:
وركب يساقون الركاب زجاجة من السير لم تقصد لها كف قاطب٤
_________________
(١) ١ سورة يس، الآية ٢٥. ٢ سورة الدخان الآيات: ١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦. ٣ ديوان أبي تمام ٤١ من قصيدة يمدح فيها أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي، ومطلعها: على مثلها من أربع وملاعب أذيلت مصنوعات الدموع السواكب ٤ قاطب مازج الخمر بالماء.
[ ٢ / ١٤٠ ]
فقد أكلوا منها الغوارب بالسرى وصارت لهم أشباحهم كالغوارب١
يصرف مسراها جذيل مشارق إذا آبه هم عذيق مغارب٢
يرى بالكعاب الرود طلعة ثائر وبالعرمس الوجناء غرة آئب٣
كأن بها ضغنا على كل جانب من الأرض أو شوقا إلى كل جانب٤
إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد تقطع ما بيني وبين النوائب٥
هنالك تلقى الجود من حيث قطعت تمائمه والمجد مرخى الذوائب٦
ألا ترى أنه قال في الأول: "يصرف مسراها" مخاطبة للغائب، ثم قال بعد ذلك: "إذا العيس لاقت بي" مخاطبا نفسه، وهي هذا من الفائدة أنه لما صار إلى مشافهة للممدوح، والتصريح باسمه خاطب عند ذلك نفسه مبشرًا لها بالبعد عن المكروه، والقرب من المحبوب، ثم جاء بالبيت الذي يليه معدولًا به عن خطاب نفسه إلى خطاب غيره، وهو أيضًا خطاب لحاضر، فقال: "هنالك نلقى الجود"، والفائدة بذلك أنه يخبر غيره بما شهده، كأنه يصف له جود الممدوح، وما لاقاه منه، إشادة بذكره، وتنويها باسمه، وحملا لغيره على قصده، وفي صفته جود الممدوح بتلك الصفة الغريبة البليغة، وهي قوله: "حيث قطعت تمائمه" ما يقتضي له الرجوع إلى خطاب الحاضر، والمراد بذلك أن محل الممدوح هو مألف الجود، ومنشؤه ووطنه، وقد يراد به
_________________
(١) ١ رواية الديوان "لها" موضع "لهم"، والغوارب الكواهل. ٢ الجذيل تصغير جذل، وهو عود ينصب للجربي لتحتك به، ومنه "أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب" على سبيل الافتخار، أبه أتاه ليلا، والعذيق تصغير عذق، وهو الفرع من النخلة. ٣ الكعاب بارزة النهد، الرود اللينة، الثائر طالب الثأر، العرمس الناقة الشديدة، الوجناء عظيمة الوجنتين. ٤ رواية الديوان "كأن به" موضع "كأن بها". ٥ العبس: الإبل البيض بشقرة. ٦ رواية الديوان: هنالك تلقى المجد حيث تقطعت تمائمه والجود مرخى الذوائب والتمائم: خرزات تعلق في عنق الصبي لدفع العين عنه، والمفرد تميمة.
[ ٢ / ١٤١ ]
معنى آخر وهو أن هذا الجود قد أمن عليه الآفات العارضة لغيره من المن، والمطل والاعتذار، وغير ذلك إذ التمائم لا تقطع إلا عمن أمنت عليه المخاوف.
على هذا النهج ورد قول أبي الطيب المتنبي في قصيدة يمدح به ابن العميد في النوروز١، ومن عادة الفرس في ذلك اليوم حمل الهدايا إلى ملوكهم، فقال في آخر القصيدة:
كثر الفكر كيف تهدي كما أه دت إلى ربها المليك عباده٢
والذي عندنا من المال والخيل فمنه هباته وقياده
فبعثنا بأربعين مهارا كل مهر ميدانه إنشاده٣
عدد عشته يرى الجسم فيه أربا لا يراه فيما يزاده٤
فارتبطها فإن قلبًا نماها مربط تسبق الجياد جياده
وهذا من إحسان أبي الطيب المعروف، وهو رجوع عن خطاب الغائب إلى الحاضر، واحتج أبو الطيب عن تخصيص أبياته بالأربعين دون غيرها من العدد بحجة غريبة، وهي أنه جعلها كعدد السنين التي يرى الإنسان فيها من القوة، والشباب وقضاء الأوطار ما لا يراه في الزيادة عليها، فاعتذر بألطف اعتذار في أنه لم يزد القصيدة على هذه العدة، وهذا حسن غريب.
_________________
(١) ١ ديوان المتنبي ٢-٤٧، والقصيدة في مدح أبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد، وتهنئته بعيد النيروز، وأولها: جاء نيروزنا وأنت مراده وورت بالذي أراد زناده ٢ رواية الديوان "الرئيس" موضع "المليك". ٣ يروى "بأربعين مهار" بالجر، على أنه بدل أو صفة على التأويل، وبالنصب صفة على الموضع، تقديره بعثنا أربعين، والبدل أيضا على الموضع، ليس نصبه على التمييز؛ لأن تمييز "الأربعين" مفرد، والمهار جمع مهر، وهو الفتى من أولاد الخيل. ٤ أي: الأربعون عدد عشته، دعاء له بأن يعيش هذا العدد من السنين على ما عاش، وكان ابن العميد قد جاوز السبعين، وناهز الثمانين في هذا الوقت، والمعنى: زاد الله في عمرك هذا العدد، والجسم لا يرى من أرب العيش فيما زاد على الأربعين ما كان يراه فيما دونه، فلهذا اختار هذا العدد، فجعل القصيدة أربعين بيتا، قال أبو الفتح: الأربعون إذا تجاوزها الإنسان نقص عما يعهد من أحواله في جسمه وتصرفه.
[ ٢ / ١٤٢ ]
وأما الرجوع من الخطاب إلى الغيبة كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١.
فإنه إنما صرف الكلام ههنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة، وهي أنه ذكر لغيرهم حالهم، ليعجبهم منها كالمخبر لهم، ويستدعي منهم الإنكار عليهم، ولو قال: حتى إذا كنتم في الفلك، وجرين بكم بريح طيبة فرحتم بها، وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية، لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة، وليس ذلك بخاف عن نقدة الكلام.
ومما ينخرط في هذا السلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ ٢.
الأصل في "تقطعوا" تقطعتم، عطفًا على الأول، إلا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة "الالتفات"، كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين، ويقبح عندهم ما فعلوه، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى، فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا؟، وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم، ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو مجازيهم على ما فعلوا.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة يونس: الآية ٢٢. ٢ سورة الأنبياء: الآيتان٩٢ و٩٣. ٣ سورة الأعراف: الآية ١٥٨.
[ ٢ / ١٤٣ ]
فإنه إنما قال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ولم يقل: فآمنوا بالله وبي، عطفًا على قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾؛ لكي تجري عليه الصفات التي أجريت عليه، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به، والاتباع له هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله، وبكلماته كائنا من كان أنا أو غيري، إظهارًا للنصفة، وبعدا من التعصب لنفسه، فقدر أولًا في صدر الآية أنه رسول الله إلى الناس، ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين.
الأول منهما: إجراء تلك الصفات عليه.
والثاني: الخروج من تهمة التعصب لنفسه.
القسم الثاني: في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر
وهذا القسم كالذي قبله في أنه ليس الانتقال فيه من صيغة إلى صيغة طلبا للتوسع في أساليب الكلام فقط، بل لأمر وراء ذلك، وإنما يقصد إليه تعظيما لحال من أجري عليه الفعل المستقبل، وتفخيما لأمره، وبالضد من ذلك فيمن أجري عليه فعل الأمر.
فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ١.
فإنه إنما قال: ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا﴾، ولم يقل: "وأشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه؛ لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بهم، ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم، ولذلك عدل به لفظ الأول
_________________
(١) ١ سورة هود: الآيتان ٥٣ و٥٤.
[ ٢ / ١٤٤ ]
لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه: "أشهد علي أني أحبك"، تهكما به، واستهانة بحاله.
وكذلك يرجع عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر، إلا أنه ليس كالأول، بل إنما يفعل ذلك توكيدا لما أجري عليه فعل الأمر، لمكان العناية بتحقيقه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ١.
وكان تقدير الكلام: أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد، فعدل عن ذلك إلى فعل الأمر، للعناية بتوكيده في نفوسهم، فإن الصلاة من أوكد فرائض الله على عباده، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب، إذ عمل الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية، ولهذا قال النبي -ﷺ: "الأعمال بالنيات".
واعلم أيها المتوشح لمعرفة علم البيان، أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهو لا يتوخاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة والبلاغة، الذي اطلع على أسرارها، وفتش عن دفائنها، ولا تجد ذلك في كل كلام، فإنه من أشكل ضروب علم البيان، وأدقها فهما، وأغمضها طريقا.
القسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالماضي:
فالأول: الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي
اعلم أن الفعل المستقبل إذا أتي به في حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي، وذاك؛ لأن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة، حتى كأن السامع يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي، وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه جعلا بمكانه، فإنه ليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض بجار هذا المجرى:
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: الآية ٢٩.
[ ٢ / ١٤٥ ]
وسأبين ذلك فأقول: عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين:
أحدهما بلاغي: وهو إخبار عن ماض بمستقبل، وهو الذي أنا بصدد ذكره في كتابي هذا الذي هو موضوع لتفصيل ضروب الفصاحة والبلاغة.
والآخر: غير بلاغي، وليس إخبار بمستقبل عن ماض، وإنما هو مستقبل دل على معنى مستقبل غير ماض، ويراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض.
فالضرب الأول كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ١.
فإنه إنما قيل: ﴿فَتُثِيْرُ﴾، مستقبلا وما قبله وما بعده ماض، لذلك المعنى الذي أشرنا إليه، وهو حكاية الحبل التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة.
وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تمييز، وخصوصية كحال تستغرب، أو تهم المخاطب، أو غير ذلك.
وعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوام -﵁- في غزوة بدر، فإنه قال: لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو على فرس، وعليه لأمة٢ كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: أنا أبو ذات الكئوس، وفي يدي عنزة٣ فأطعن بها في عينه، فوقع وأطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة متعقفة٤.
فقوله: "فأطعن بها في عينه، وأطأ برجلي" معدول به عن لفظ الماضي إلى المستقبل، ليمثل للسامع الصورة التي فعل فيها ما فعل من الإقدام، والجراءة على قتل ذلك الفارس المستلئم.
_________________
(١) ١ سورة فاطر: الآية ٩. ٢ اللأمة، وقد تخفف، الدرع، أو السلاح، أو أداة الحرب. ٣ العنزة -بفتحتين- مثل نصف الرمح أو أكبر، وفيها سنان كسنان الرمح. ٤ متعقفة ملوية.
[ ٢ / ١٤٦ ]
ألا ترى أنه قال أولًا: "لقيت عبيدة" بلفظ الماضي، ثم قال بعد ذلك: "فأطعن بها في عينه"، ولو عطف كلامه على أوله لقال: فطعنت بها في عينه!
وعلى هذا ورد قول تأبَّطَ شرًّا١:
بأبي قد لقيت الغول تهوي بسهب كالصحيفة صحصحان٢
فأضربها بلا دهش فخرت صريعا لليدين وللجران٣
فإنه قصد أن يصور لقومه الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها مشاهدة، للتعجب من جراءته على ذلك الهول، ولو قال: "فضربتها" عطفًا على الأول لزالت هذه الفائدة المذكورة.
فإن قيل: إن الفعل الماضي أيضًا يتخيل منه السامع ما يتخيله من المستقبل!
قلت في الجواب: إن التخيل يقع في الفعلين معًا، لكنه في أحدهما -وهو المستقبل- أوكد وأشد تخيلا؛ لأنه يستحضر صورة الفعل، حتى كأن السامع ينظر إلى فاعلها في حال وجود الفعل منه.
ألا ترى أنه لما قال تأبط شرا: "فأضربها" تخيل السامع أنه مباشر للفعل، وأنه قائم بإزاء الغول، وقد رفع سيفه ليضربها، وهذا لا يوجد في الفعل الماضي؛ لأنه لا يتخيل السامع منه إلا فعلًا قد مضى من غير إحضار للصورة في حالة سماع الكلام الدال عليه، وهذا لا خلاف فيه.
وهكذا يجري الحكم في جميع الأبيات المذكورة، وفي الأثر عن الزبير ﵁ وفي الأبيات الشعرية.
_________________
(١) ١ اسمه ثابت، وكنيته أبو زهير، وهو من بني فهم، وفهم وعدوان أخوان. وكان أحد العدائين، وإنما لقب؛ تأبط شرا؛ لأنه تأبط سكينا ذات يوم وخرج، فسئلت عنه أمه، فقالت: لا أدري إنه تأبط شرا وخرج! والبيتان في الأغاني "١٨-٢١٠" من جملة أبيات أولها: ألا من مبلغ فتيان فهم بما لاقيت عند رحى بطان ٢ في الأصل "بشهب" وهو تصحيف، والسهب الأرض المستوية والصحصحان، الأرض المستوية الواسعة. ٣ الجران: جران البعير، وكذا الفرس: مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره.
[ ٢ / ١٤٧ ]
وعليه ورد قوله تعالى أيضًا وهو: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ، حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ١.
فقال أولا: ﴿خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بلفظ الماضي، ثم عطف عليه المستقبل الذي هو ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾، و﴿تَهْوِي﴾، وإنما عدل في ذلك إلى المستقبل لاستحضار صورة خطف الطير إياه، وهوي الريح به، والفائدة في ذلك ما أشرت إليه فيما تقدم، وكثيرًا ما يراعي أمثال هذا في القرآن.
وأما الضرب الثاني -الذي هو مستقبل- فكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢.
فإنه إنما عطف المستقبل على الماضي؛ لأن كفرهم كان ووجد، ولم يستجدوا بعده كفرا ثانيا، وصدهم متجدد على الأيام لم يمض كونه، وإنما هو مستمر، يستأنف في كل حين.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ٣.
ألا ترى كيف عدل عن لفظ الماضي ههنا إلى المستقبل، فقال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾، ولم يقل: فأصبحت عطفًا على: ﴿أَنْزَلَ﴾، وذلك لإفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان، فإنزال الماء مضى وجوده، واخضرار الأرض باق لم يمض، وهذا كما تقول:
_________________
(١) ١ سورة الحج: الآيتان ٣٠ و٣١. ٢ سورة الحج: الآية ٢٥. ٣ سورة الحج: الآية ٦٣.
[ ٢ / ١٤٨ ]
"أنعم علي فلان، فأروح وأغدوا شاكرا له"، ولو قلت: فرحت وغدوت شاكرا له، لم يقع الموقع؛ لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى.
وهذا موضع حسن ينبغي أن يتأمل.
وأما الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل، فهو عكس ما تقدم ذكره، وفائدته أن الفعل الماضي إذا أخبر به عن الفعل المستقبل الذي لم يوجد بعد كان ذلك أبلغ، وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده؛ لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان ووجد، وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة التي يستعظم وجودها.
والفرق بينه وبين الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذاك تبيين هيئة الفعل: واستحضار صورته، ليكون السامع كأنه يشاهدها، والغرض بهذا هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد بعد.
فمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ١.
فإنه إنما قال: ﴿فَفَزِعَ﴾، بلفظ الماضي بعد قوله: ﴿يُنْفَخُ﴾ -وهو مستقبل- للإشعار بتحقيق الفزع، وأنه كائن لا محالة؛ لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل، وكونه مقطوعًا به.
وكذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٢.
وإنما قيل: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾، ماضيا بعد: ﴿نُسَيِّرُ﴾، و﴿وَتَرَى﴾ -وهما مستقبلان- للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير، والبروز ليشاهدوا تلك الأحوال، كأنه
_________________
(١) ١ سورة النمل: الآية ٨٧. ٢ سورة الكهف: الآية ٤٧.
[ ٢ / ١٤٩ ]
قال: وحشرناهم قبل ذلك؛ لأن الحشر هو المهم؛ لأن من الناس من ينكره كالفلاسفة وغيرهم، ومن أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي.
ومما يجري هذا المجرى الإخبار باسم المفعول عن الفعل المستقبل، وإنما يفعل ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضي، وقد سبق الكلام عليه.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ١.
فإنه إنما آثر اسم المفعول الذي هو: ﴿مَجْمُوعٌ﴾، على الفعل المستقبل الذي هو "يجمع" لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه الموصوف بهذه الصفة، وإن شئت فوازن بين قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ ٢، فإنك تعثر على صحة ما قلت.
_________________
(١) ١ سورة هود: الآية ١٠٣. ٢ سورة التغابن: الآية ٩.
[ ٢ / ١٥٠ ]