وهو من أشق هذه الصناعة مذهبًا، وأبعدها مسلكًا، وذاك لأنَّ مؤلفه يلتزم ما لا يلزمه، فإن اللازم في هذا الموضع وما جرى مجراه، إنما هو السجع الذي هو تساوي أجزاء الفواصل من الكلام المنثور في قوافيها، وهذا فيه زيادة على ذلك، وهو أن تكون الحروف التي قبل الفاصلة حرفًا واحدًا.
وهو في الشِّعر أن تتساوى الحروف التي قبل رويّ الأبيات الشعرية.
وقد جمع أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان١ في ذلك كتابًا، وسمَّاه كتاب "اللزوم"٢ فأتَى فيه بالجيد الذي يحمد، والرديء الذي يذمّ.
وسأذكر في كتابي هذا في هذا الموضع أمثلة من المنثور والمنظوم يهتدى بها.
فمن ذلك ما ذكرته في جملةٍ كتاب في فصل يتضمَّن ذمَّ جبان، فقلت:
"إذا نزل به خَطْبٌ ملكه الفَرَق، وإذا ضلَّ في أمرٍ لم يؤمن إلّا إذا أدركه الغرق".
ومن ذلك ما ذكرته في مبدأ كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت:
"الخادم يهدي من دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضًا، ويصون أحدهما نفسًا والآخر عرضًا، وأعجب ما فيهما أنها توأمان، غير أنَّ هذا مستنتج من ضمير القلب، وهذا من نطق اللسان".
فاللزوم ههنا في الراء والضاد.
_________________
(١) ١ هو أبو العلاء المعري. ٢ هذا اختصار لاسم الكتاب، كما يسميه بعضهم "اللزوميات"، والحقيقة أن اسمه كما سماه مؤلفه "لزوم ما لا يلزم". قال أبو العلاء في خطبته: وجمعت ذلك كله في كتاب لقَّبته "لزوم ما لا يلزم"، ومعنى هذا اللقب أن القافية تلزم لها لوازم لا يفتقر إليها حشو البيت إلخ -لزوم مالا يلزم: ج١ ص٣.
[ ١ / ٢٨١ ]
وكذلك ورد قولي في جملة كتابٍ إلى ديوان الخلافة فقلت:
"وقد عُلِمَ من شيم الديوان العزيز أنه يُسَرُّ بامتداد الأيدي إلى بابه، وإذا أغبَّ أحدها في المسألة نهاه عن إغبابه، حتى لا يخلو حرمه الكريم من المطاف، ولا يده الكريمة من الإسعاف".
فاللزوم ههنا في لفظتي "بابه" و"إغبابه".
ومن ذلك ما كتبته في جملة كتابٍ إلى ديوان الخلافة أيضًا، وهو:
"ومهما شد به عضد الخادم من الإنعام فإنه قوة لليد التي خولته، ولا يقوى تصعُّد السحب إلّا بكثرة غيثها الذي أنزلته، وغير خافٍ أن عبيد الدولة لها كالعمد من طِرَافِهَا١، ومركز الدائرة من أطرافها، ولا يؤيَّد السيف إلّا بقائمه، ولا ينهض الجناح إلّا بقوادمه".
فاللزوم في هذا الموضع في الراء والفاء في قولي "طراف" و"أطراف".
ومن ذلك ما كتبته في صدر كتاب إلى الملك علي بن يوسف أهنئه بملك مصر في سنة خمس وتسعين وخمسمائة، فقلت:
"المملوك يهنئُ مولانا بنعمة الله المؤذَنَة باستخلاصه واحتبائه، وتمكينه حتى بلغ أشدَّه، واستخرج كنز آياته، ولو أنصف لهنَّأ الأرض منه بوابلها، والأمة بكافلها، وخصوصًا أرض مصر التي خُصَّت بشرف سكناه، وغدت بين بحرين من فيض البحر وفيض يمناه".
وكل هذه الفصول المذكورة من هذه المكتوبات التي أنشأتها لا كلفة على كلمات اللزوم فيها.
وقرأت في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج أن لقيط بن زرارة تزوَّج بنت قيس بن خالد بن ذي الجدين، فحظيت عنده، وحظي عندها، ثم قُتِلَ فآمت بعده، وتزوجت غيره، فكانت كثيرًا ما تذكر لقيطًا، فلامها على ذلك، فقالت:
_________________
(١) ١ الطراف: البيت من أدم.
[ ١ / ٢٨٢ ]
"إنه خرج في يوم دَجْن، وقد تطيب وشرب فطرد البقر فصرع منها، ثم أتاني وبه نضح دم، فضمَّني ضمًّا، وشمَّني شمَّة، فليتني متَّ ثمة، فلم أر منظرًا كان أحسن من لقيط".
فقولها: "ضمَّني ضمَّة، وشمَّني شمة، فليتني متُّ ثمة" من الكلام الحلو في باب اللزوم ولا كلفة عليه.
وهكذا فليكن، فإن الكلفة وحشة تذهب برونق الصنعة، وما ينبغي لمؤلف الكلام أن يستعمل هذا النوع حتى يجيء به متلكفًا، ومثاله في هذا المقام كمن أخذ موضوعًا رديئًا فأجاد فيه صنعته، فإنه يكون عند ذلك قد راعى الفرع وأهمل الأصل، فأضاع جودة الصنع في رداءة الموضوع.
وقد سلك ذلك أبو العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان، فمِمَّا جاء من ذلك قوله في حرف التاء مع الخاء١:
بنتُ عن الدنيا ولا بنتَ لي فيها ولا عِرسٌ ولا أخت
وقد تحملْتُ من الوزر ما تعجز أن تحمله البُخْت٢
إن مدحوني ساءني مدحهم وخلت إني في الثرى سخت
وله من ذلك الجيد، كقوله:
لا تطلبنَّ بآلةٍ لك حاجةً قلم البليغ بغير جدٍّ مغزل
سكن السَّما كان٣ السماء كلاهما هذا له رمحٌ وهذا أعزل
وهذا بين الاسترسال وبين الكلفة.
وأمَّا ما تكلف له تكلّفًا ظاهرًا -وإن أجاد- فقوله٤:
تنازع في الدنيا سواك وما له ولا لك شيء في الحقيقة فيها
_________________
(١) ١ لزوم ما لا يلزم ١/ ١٤٠. ٢ البخت: الإبل الخراسانية المولدة، من عربية وفالج، والفالج: الجمل الضخم ذو السنامين يحمل من السند للفحلة. ٣ السماكان الأعزل والرامح: نجمان نيران، والأعزل لأنه لا سلاح معه، أو لأنه إذا طلع لا يكون في أيامه ريح ولا برد، والرامح نجم يكون قدَّام الفكة يقدمه كوكب يقولون هو رمحه، والفكة: كوكب مستديرة خلف السماك الرامح. ٤ لزوم ما لا يلزم ٢/ ٤١٠.
[ ١ / ٢٨٣ ]
ولكنها مِلكٌ لربٍ مقدِّرٍ يعير جنوب الأرض مرتد فيها١
ولم تحظ من ذاك النزاع بطائلٍ من الأمر إلّا أن تُعَدّ سفيهًا
فيا نفس لا تعظم عليك خطوبها فمتَّفقوها مثل مختلفيها
تداعوا إلى النَّزر القليل فجالدوا عليه وخلَّوها لمغترفيها
وما أمُّ صلٍّ أو حليلةٌ ضيغمٍ بأظلم من دنياك فاعترفيها٢
تُلاقِي الوفود القادميها بفرحةٍ وتبكي على آثار منصرفيها
وما هي إلّا شوكةٌ ليس عندها وجدك إرطابٌ لمخترفيها٣
كما نبذت للطير والوحش رازمٌ فألقت شرورًا بين مختطفيها٤
تناؤت عن الإنصاف من ضيم لم يجد سبيلًا إلى غايات منتصفيها
فأطبق فمًا عنها وكفًّا ومقلقَ وقل لغويّ الناس فاك لفيها٥
ومن ذلك٦:
أرى الدنيا وما وصفت ببرٍّ إذا أغنت فقيرًا أرهقته٧
إذا خشيت لشرٍّ عجَّلته وإن رُجِيتَ لخيرٍ عوَّقته
حياة كالحبالة ذات مكرٍ ونفس المرء صيدٌ أعلقته
فلا يخدع بحيلتها أريبٌ وإن هي سوَّرته ونطقته
أذاقته شهيًّا من جناها وصدَّت فاه عمَّا ذوَّقته
_________________
(١) ١ الجنوب: جمع جنب، وهو شق الشيء، وارتدفه: تبعه. ٢ أمّ صلٍّ: الحية، وحليلة الضيغم: لبؤة الأسد، أي: زوجته، وقوله: فاعترفيها، أي: فاعرفيها. ٣ في الديوان "شاكة" موضع "شوكة"، والشاكة الكثيرة الشوكة، والإرطاب: مصدر أرطب النخل، حان أوان رطبه، واخترف الثمار: جناها. ٤ الرازم: البعير لا يقوم هزالًا، وإنما الضمير والفعل لتأويله بمؤنث أو خبر عن الطير. ٥ هذه كلمة تستعملها العرب عند الدعاء بالمكروه والشماتة به، والمعنى: جعل الله فم الداهية مقابلًا لفيك، وأصل ذلك أن السباع إذا تهارشت صرفت أفواهها بعضها لبعض، فكأنهم يدعون على من يقال له ذلك أن يكون مكابدًا للدواهي. ٦ لزوم ما لا يلزم ٢/ ٤٠٠. ٧ في الديوان "أوهقته" أي: جعلت الوهق -وهو الحبل- في عنقه.
[ ١ / ٢٨٤ ]
وقد ورد للعرب شيء من ذلك إلّا أنَّه قليل، فممَّا جاء منه قول بعضهم في أبيات الحماسة١:
إنَّ التي زعمت فؤادك ملها خلُقِتَ هواك كما خلقت هوىً لها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها بلباقةٍ فأدقها وأجلَّها
حجبت تحيَّتها فقلت لصاحبي ما كان أكثرها لنا وأقلَّها
وإذا وجدت لها وساوس سلوةٍ شفع الضمير إلى الفؤاد فسلَّها
وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه.
ومما يجري هذا المجرى قول حجر بن حيَّة العبسي من شعراء الحماسة أيضًا٢:
ولا أدوم قدري بعدما نضجت بخلًا فتمنع ما فيها أثافيها٣
حتى تُقَسَّمَ شتَّى بين ما وسعت ولا يؤنّب تحت الليل عافيها٤
ومما ورد من ذلك أيضًا قول طرفة بن العبد البكري:
ألم تر أن المال يكسب أهله فضوحًا إذا لم يعط منه نواسبه
أرى كل مالٍ لا محالة ذاهبًا وأفضله ما ورَّث الحمد كاسبه
وكذلك قول الفرزدق:
وغيَّر لون راحلتي ولوني تردِّي الهواجر واعتمامي
أقول لها إذا ضجرت وغصَّت بموركة الوراك مع الزمام
علام تلفتين وأنت تحتي وخير الناس كلهم أمامي
_________________
(١) ١ مضى الكلام في هذا الشعر في ص١٩٠ من هذا الكتاب. ٢ ديوان الحماسة ٢/ ٢٨٩، والواقع أنه لا التزام في هذا الشعر إلّا في هذين البيتين، وبعدهما بيتان لا التزام فيهما وهما: لا أحرم الجارة الدنيا إذا اقتربت ولا أقوم بها في الحي أخزيها ولا أكلمها إلّا علانية ولا أخبرها إلّا أناديها ٣ رواية الحماسة "لتمنع" موضع "فتمنع"، والأثافيّ الحجارة التي توضع عليها القدر. والمعنى: لا أدع قدري بعد نضجها على الأثافي بخلًا بما فيها، بل أنزلها عنها، وأطعم منها الأضياف، وكان من عادة البخيل أن يترك القدر منصوبة على الأثافي، ليرى غيره أن القدر لم تنضج. ٤ لا يؤنّب أي: لا يلام، والعافي في طالب المعروف.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وكذلك قوله أيضًا:
منع الحياة من الرجال ونفعها حدقٌ تقلبها النساء مِرَاض
وكأنَّ أفئدة الرجال إذا رأوا حَدَقَ النِّساء لنبلها أغراض
وإذا شئت أن تعلم مقادير الكلام، وكان لك ذوق صحيح فانظر إلى هذا العربيّ في كلامه السهل الذي كأنه ماء جارٍ، وانظر إلى ما أوردته لأبي العلاء المعرّي، فإن أثر الكلفة عليه باد ظاهر.
وممن قصَّد من العرب قصيدة كله من اللزوم كُثَيِّر عزَّة، وهي القصيدة التي أولها:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا قلوصيكما ثم احللا حيث حلَّت١
وهذه القصيدة تزيد على عشرين بيتًا، وهي مع ذلك سهلة لينة، تكاد تترقرق من لينها وسهولتها، وليس عليها من أثر الكلفة شيء، ولولا خوف الإطالة لأوردتها بجملتها.
وقد ذكر بعضهم من هذا النوع ما ورد في أبيات الحماسة٢ وهو:
وفيشةٍ ليست كهذي الفيش قد ملئت من ترف وطيش٣
إذا بدت قلت أمير الجيش من ذاقها يعرف طعم العيش
وهذا ليس من باب اللزوم؛ لأنَّ اللزوم هو أن يلتزم الناظم والناثر ما لا يلزمه، كقولنا: "شرق"، و"فرق"، مثلًا، فإنه لو قيل بدلًا من ذلك "شرق" و"حنق" لجاز ذلك.
وفي هذه الأبيات لا يقع الأمر كذلك؛ لأنَّه لو قيل: "طيش" و"عرش" لما جاز، وهذا يقال له الردف في الشعر وهو الياء والواو قبل حرف الرويّ، وإذا جيء
_________________
(١) ١ رواية لزوم ما لا يلزم "١/ ١٧" "ثم ابكيا حيث حلت" وكذلك في سرِّ الفصاحة "٢١١" قال الخفاجي: وكان شيخنا -يقصد أبا العلاء- يذهب إلى أن قصيدة كُثَيِّر التي أولها "خليلي " قد لزم اللام في جميعها، فلمَّا سألناه عن البيت الذي يروي فيها، وهو: أصاب الردى من كان يهوى لك الردى وجنَّ اللواتي قلن عزَّة جنت قال: هذا البيت ليس من هذه القصيدة. ٢ ديوان الحماسة ٢/ ٣٧١. ٣ رواية الحماسة: قد ملئت من خرق وطيش
[ ١ / ٢٨٦ ]
بذلك في الشعر وفي الكلام المنثور لا يقال إنه التزام؛ لأنَّ المتلزم ما لا يلزم له مندوحة في العدول إلى غيره، وههنا لا مندوحة.
ومن لطيف ذلك ما يروى لامرأة من البصرة مَجَنَت بأبي نواس، فقالت:
إنَّ حِرى حزنبل حزابيه إذا قعدت فوقه نبابيه١
كالأرنب الجاثم فوق الرابيه
وكذلك ورد قول أبي تمام، وهو٢:
خدم العلا فخَدَمنه وهي التي لا تخدم الأقوام ما لم تُخْدَم
فإذا ارتقى في قلةٍ من سؤددٍ قالت له الأخرى بلغت تقدَّم
وعلى هذا الأسلوب قوله أيضًا٣:
ولو جرَّبتني٤ لوجدت خرقًا يصافي الأكرمين ولا يصادي
جديرًا أن يكر الطَّرف شزرًا إلى بعض الموارد وهو صاد
وله من أبيات تتضمَّن مرثية٥:
لقد فُجِعَت عتَّابه وزُهَيْرَه وتغلِبُه٦ أخرى الليالي ووائله
ومبتدر المعروف تسرى هباته إليهم ولا تسرى إليهم٧ غوائله
طواه الردَّى طي الرداء وغيبت فضائله عن قومه وفواضله
طوى شيمًا كانت تروح وتغتدي وسائل من أعيت عليه وسائله
_________________
(١) ١ الحزنبل: المشرف، والحزابية: الغليظ. ٢ ديوان أبي تمام ٣١٣ من قصيدة يمدح بها أبا الحسين محمد بن الهيثم، ومطلعها: نثرت فريد مدامع لم تنظم والدمع يحمل بعض شجو المغرم ٣ ديوان أبي تمام ٨١ من قصيدة يمدح بها أبا عبد الله أحمد بن أبي داود، ويعتذر إليه ومطلعها: سقى عهد الحمى سبلي العهاد وروض حاضر منه وباد ٤ رواية الديوان "ولو كشفتني"، والخرق: السخي، ويصادي: يعارض. ٥ ديوان أبي تمام ٣٧٧ من قصيدة يرثي بها القاسم بن طوق، ومطلعها: جوى ساور الأحشاء والقلب واغله ودمع يضيم العين والجفن هامله ٦ في الأصل "وثعلبة" والصواب عن الديوان، وفجعت أصيبت، وعتاب وزهير وتغلب ووائل قبائل. ٧ المبتدر: المسرع، الغوائل: المهلكات.
[ ١ / ٢٨٧ ]
فيا عارضًا للعرف أقلع مُزْنُهُ ويا واديًا للجود جفَّت مسايله
ألم تراني أنزفت عيني على أبي محمدٍ النجم المغيَّب١ آفله
وأخضلتها فيه كما لو أتيته طريد الليالي أخضلتني٢ نوافله
وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب، وليس بمتكلف كشعر أبي العلاء، فإن حسن هذا مطبوع، وحسن ذاك مصنوع.
وكذلك أقول في غير اللزوم من الأنواع المذكورة أولًا، فإن الألفاظ إذا صدرت فيها عن سهولة خاطر وسلاسة طبع، وكانت غير مستجلبة ولا متكلفة، جاءت غير محتاجة إلى التأنُّق، ولا شكّ أن صورة الخلقة غير صورة التخلق.
فإن قيل: ما الفرق بين المتكلَّف من هذا الأنواع وغير المتكلف؟
قلت في الجواب:
أما المتكلَّف فهو الذي يأتي بالفكرة والرويَّة، وذلك أن ينضى الخاطر في طلبه، ويبعث على تتبعه واقتصاص أثره، وغير المتكلَّف يأتي مستريحًا من ذلك كله، وهو أن يكون الشاعر في نظم قصيدته، أو الخطيب أو الكاتب في إنشاء خطبته أو كتابته، فبينا هو كذلك إذا سنَحَ له نوع من هذه الأنواع بالاتفاق لا بالسعي والطلب، ألا ترى أن قول أبي نواس٣ في مثل هذا الموضع:
أترك الأطلال لا تعبأ بها إنها من كل بؤسٍ دانيه
وانعت الراح على تحريمها إنما دنياك دارٌ فانيه
من عُقَارِ من رآها قال لي صيدت الشَّمس لنا في آنيه٤
وعلى هذه السهولة واللطافة ورد قوله أيضًا:
كم من غلامٍ ذي تحاسين أفسده ناطف ياسين٥
_________________
(١) ١ في الأصل "المشرق". ٢ في الأصل "أخلصتها" و"أخلصتني"، ومعنى أخضلتها: بللتها، والنوافل: العطايا. ٣ ديوان أبي نواس ٣٥١. ٤ رواية الديوان "في باطية"، والباطية: الناجود؛ وهو الخمر وإناؤها. ٥ الناطف: ضرب من الحلوى يصنع من الجوز واللوز والفستق.
[ ١ / ٢٨٨ ]
وهذا "ياسين" كان يبيع الناطف ببغداد.
وحكى إبراهيم البندنيجي قال: رأيت شيخًا يبيع ناطفًا، فقلت له: يا شيخ أما زلت في الصناعة؟ قال: مذ كنت، ولكن الحال كانت واسعة والسلعة نافقة، وكنت ممن يشار إلي، حتى قال أبو نواس في، وأنشد هذا البيت.
فانظر أيها المتأمّل ما أحلى لفظ أبي نواس في لزومه، وما أعراه عن الكلفة!
وكذلك فلتكن الألفاظ في اللزوم وغيره.
ما يلحق باللزوم:
واعلم أنه إذا صغِّرت الكلمة الأخيرة من الشعر أو من فواصل الكلام المنثور، فإن ذلك ملحق باللزوم، ويكون التصغير عوضًا عن تساوي الحروف التي قبل رويّ الأبيات الشعرية، والحروف التي قبل الفاصلة من النثر.
فمن ذلك قول بعضهم:
عزَّ على ليلى بذي سُدَيْر سوء مبيتي ليلة الغُمَيْر١
مقضبًا نفسي في طُمَيْر تنتهز الرعدة في ظُهَيْري
يهفو إلي الزور من صُدَيْري ظمآن في ريحٍ وفي مُطَيْر
وازر قُرٍّ ليس بالغُرَيْر من لَدُ ما ظهرٍ إلى سُحَيْر
حتى بدت لي جبهة القُمَيْر لأربع خلون من شُهَيْر
وهذا من محاسن الصنعة في هذا الباب، فاعرفه.
وأحسن منه ما ورد عن أبي نواس وعن عنان جارية النَّطَّاف، وله معها حكايات كثيرة غير هذه، فقال أبو نواس٢:
أما ترقي لصب يكفيه منك قُطَيْره
_________________
(١) ١ رواية لسان العرب "٦/ ٢١" "سوء مبيتي بلد الغمير" قال ابن منظور: يجوز أن يريد بذي سدر، فصغَّر وقيل: ذو سُدَيْر موضع بعينه. ٢ أخبار أبي نواس لابن منظور المصري: ٣٥.
[ ١ / ٢٨٩ ]
فقالت عنان:
إياي تَعْنَى بهذا عليك فاجلد عُمَيْره
فقال أبو نواس:
أخاف إن رمت هذا على يدي منك غَيْرَه
فالبيتان الأوَّل والثاني من هذا الباب، والثالث جاء تبعًا.
وقد ورد في القرآن الكريم شيء من اللزوم إلّا أنه يسير جدًّا.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ ٢، وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ، أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ٣.
وربما وقع بعض الجهَّال في هذا الموضع، فأدخل فيه ما ليس منه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ، فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ٤. وهذا لا يدخل في باب اللزوم؛ لأن الأصل فيه "نعم" و"جحم". والياء هي من حروف المد واللين، فلا يُعْتَدُّ بها ههنا.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ ٥.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة العلق: الآيتان ١، ٢. ٢ سورة الطور: الآيتان ١، ٢. ٣ سورة الطور: الآيتان ٢٩، ٣٠. ٤ سورة الطوف: الآيتان ١٧، ١٨. ٥ سورة الواقعة: الآيات ٢٧-٢٩. ٦ سورة الأنفال: الآيتان ٣٩، ٤٠.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وعلى هذا الأسلوب جاء قوله تعالى في قصة إبراهيم -﵇: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ١.
وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ، قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ ٢، ولا تجد أمثال ذلك في القرآن إلّا قليلًا.
_________________
(١) ١ سورة مريم: الآيتان ٤٠، ٤٦. ٢ سورة ق: الآيتان ٢٧، ٢٨.
[ ١ / ٢٩١ ]