اعلم أن هذا النوع لا يعمد إلى استعماله إلا لضرب من المبالغة، فإذا جيء به في كلام، فإنما يفعل ذلك لتفخيم أمر مبهم وإعظامه؛ لأنه هو الذي يطرق السمع أولًا، فيذهب بالسامع كل مذهب كقول تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ١.
ففسر ذلك الأمر بقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾، وفي إبهامه أولًا، وتفسيره بعد
ذلك تفخيم للأمر، وتعظيم لشأنه، فإنه لو قال: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، لما كان بهذه المكانة من الفخامة، فإن الإبهام أولًا يوقع السامع في حيرة وتفكر، واستعظام لما قرع سمعه، وتشوف إلى معرفته، والاطلاع على كنهه.
وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى، وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى، إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى، أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ ٢.
ففسر: ﴿مَا يُوحَى﴾، بقوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾، وهذا كالأول في إيهامه أولًا وتفسيره ثانيًا.
ومثال هذا ورد قوله تعالى في سورة أم الكتاب: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم لما في الأول من التنبيه، والإشعار بأن الصراط المستقيم هو صراط المؤمنين، فدل عليه بأبلغ وجه، كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم؟ ثم تقول: فلان، فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم، والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم
_________________
(١) ١ سورة الحجر الآية: ٦٦. ٢ سورة طه: الآيات ٣٦ و٣٧ و٣٨ و٣٩.
[ ٢ / ١٦٠ ]
الأفضل؟ لأنك تثبت ذكره مجملا ومفصلا، فجعلته علما في الكرم والفضل، كأنك قلت: من أراد رجلا جامعا للخصلتين جميعًا فعليه بفلان!
فإن قيل: ما الفرق بين عطف المظهر على ضميره، وبين التفسير بعد الإيهام، فإن المضمر كالمبهم؟
فالجواب عن ذلك أني أقول: إن كان سؤالك عن فائدتهما، فإنهما في الفائدة سواء، وذلك أنهما إنما يرادان لتعظيم الحال، والإعلام بفخامة شأنهما.
وإن كان سؤالك عن الفرق بينهما في العبارة، فإني أقول:
المضمر يأتي بعد مظهر تقدم ذكره أولا، ثم يعطف المظهر على ضميره، أي ضمير نفسه، كالمثال الذي ضربناه في بني تميم.
وأما التفسير بعد الإبهام فإن المبهم يقدم أولا، وهو أن يذكر شيء يقع عليه محتملات كثيرة، ثم يفسر بإيقاعه على واحد منها، وليس كذلك عطف المظهر على ضميره.
ومما جاء في التفسير بعد الإبهام قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١.
ألا ترى كيف قال: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، فأبهم سبيل الرشاد، ولم يبين أي سبيل هو، ثم فسر ذلك فافتتح كلامه بذم الدنيا وتصغير شأنها، ثم ثنى ذلك بتعظيم الآخرة، والاطلاع على حقيقتها، ثم ثلث بذكر الأعمال سيئها، وحسنها وعاقبة كل منهما، ليثبط عما يتلف، وينشط لما يزلف، كأنه قال: سبيل الرشاد هو الإعراض عن الدنيا،
_________________
(١) ١ سورة المؤمن: الآيات ٣٨، ٣٩، ٤٠.
[ ٢ / ١٦١ ]
والرغبة في الآخرة، والامتناع من الأعمال السيئة خوف المقابلة عليها، والمسارعة إلى الأعمال الصالحة رجاء المجازاة عليها.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ ١.
فإنه إنما قال: ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، ولم يقل: قواعد البيت لما في إبهام القواعد أولًا، وتبيينها بعد ذلك من تفخيم حال المبين ما ليس في الإضافة.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ ٢.
فإنه أراد تفخيم ما أمل فرعون من بلوغه أسباب السموات أبهمها أولًا، ثم فسرها ثانيا؛ ولأنه لما كان بلوغها أمرا عجيبًا أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه، ليعطيه السامع حقه من التعجب، فأبهمه ليشوف إليه نفس هامان، ثم أوضحه بعد ذلك.
وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٣.
فإنه قال أولًا: ﴿أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾، ثم فسرها بقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ ٤.
وهذا في القرآن الكريم كثير الاستعمال:
وأما الإبهام من غير تفسير فكثير شائع في القرآن الكريم أيضًا، كقول تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: الآية ١٢٧. ٢ سورة المؤمن: الآيتان ٣٦ و٣٧. ٣ سورة سبأ: الآية ٤٦. ٤ في الأصل: "وأن" موضع "ثم". ٥ سورة الشعراء: الآية ١٩.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ١، أي للطريقة، أو الحالة، أو الملة التي هي أقومها وأسدها، وأي ذلك قدرت لم تجد له مع الإفصاح ذوق البلاغة التي تجده مع الإبهام، وذلك لذهاب الوهم فيه كل مذهب، وإيقاعه على محتملات كثيرة.
وهذا كقول القائل: "لو رأيت عليا بين الصفين"، فإنه لو وصفه مهما وصف من نجدة وشجاعة وثبات وإقدام وأطال القول في ذلك لم يكن بمثابة ما يترامى إليه الوهم مع الإبهام، وهذا للعارف برموز هذه الصناعة وأسرارها.
وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ٢.
وأبلغ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى، فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ ٣.
فإنه قال في تلك الآية: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، فذكر: ﴿الْيَمِّ﴾، وهو البحر، فصار الذي غشيهم إنما هو منه خاصة، وقال في هذا الآية: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾، فأبهم الأمر الذي غشاها به وجعله عاما وذلك أبلغ؛ لأن السامع يذهب وهمه فيه كل مذهب.
وأما ما جاء من ذلك شعرًا، فكقول البحتري٤:
بعيد مقيل الصدر لا يقبل التي يحاولها منه الأريب المخادع٥
فقوله: "التي يحاولها" من الإبهام المقدم ذكره في الآية.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: الآية ٩. ٢ سورة طه: الآية ٧٨. ٣ سورة النجم: الآيتان ٥٣ و٥٤. ٤ ديوان البحتري ٢/ ٤٦ من قصيدة له في مدح الفتح بن خاقان، مطلعها: ألمت وهل إلمامها لك نافع وزارت خيالا والعيون هواجع ٥ رواية الديوان لصدر البيت هكذا: مبيد مقيل السر لا يدرك الذي
[ ٢ / ١٦٣ ]
ومما ينتظم بذلك قول الشاعر في أبيات الحماسة١:
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه فلما علاه قال للباطل ابعد٢
فقوله: "صبا ما صبا" من الإبهام الذي لو قدرت ما قدرت تفسيره لم تجد له من فضيلة البيان ما تجد له مع الإبهام.
وعليه ورد قول أبي النواس:
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم وأسمت سرح اللحظ حين أساموا
وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه فإذا عصارة كل ذاك أثام
فقوله: "وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه" من هذا النمط المشار إليه، وهو من المليح النادر.
ومما يجري على هذا النهج قول الآخر في وصف الخمر:
مضى بها ما مضى من عقل شاربها وفي الزجاجة باق يطلب الباقي
والكلام على هذا البيت كالكلام على البيت الذي قبله.
ومثله ورد قول بعض المتأخرين: "فؤاد فيه ما فيه".
وعلى هذا ورد قولي في فصل من تقليد لبعض الوزراء، فقلت:
"وأنت مؤهل لواحدة متخلق لها غرر الجياد، وتناديها العلياء بلسان الإحماد، وتفخر بها سمر الأقلام على سمر الصعاد، فابسط يدك لأخذ كتابها، واسمع لطيب ذكرها بعد سعيك في طلابها، واعلم أن الخطاب إليها كثير لكنها صدت بك عن خطابها، ولقد مضى عليها زمن وهي تفور، حتى استقادها تأنيسك، ولم تسبق الأقدار باسمك إلا لتكون سليمانها، وهي بلقيسك".
_________________
(١) ١ هو دريد بن الصمة، من قصيدة قالها في رثاء أخيه عبد الله بن الصمة، وأول المذكور منها في ديوان الحماسة ١-٣٤٢: نصحت لعارض وأصحاب عارض، ورهط بني السوداء والقوم شهدي. ٢ صبا الأول من الميل، والثاني من الصباء، وهو حداثة السن، والمعنى أنه مال إلى اللهو مدة صغر سنه، فلما شاب ترك الملاهي، هكذا شرحه التبريزي "١/ ٣٤٥" ديوانه الحماسة.
[ ٢ / ١٦٤ ]
وهذا الوزير كان اسمه "سليمان"، فسقت المعنى إليه، فجاء كما تراه من الحسن واللطافة.
أما قولي: "وأنت مؤهل لواحدة"، فإنه من الإبهام من غير تفسير، وذلك بخلاف ما ورد في الآية المقدم ذكرها؛ لأن تلك من التفسير بعد الإبهام.
ومما ينتظم في هذا السلك "الاستثناء العددي"، وهو ضرب من المبالغة لطيف المأخذ، وفائدته أن أول ما يطرق سمع المخاطب ذكر العقد من العدد، فكثير موقع ذلك عنده، وهو شبيه بما ذكره من الإبهام أولًا ثم التفسير بعده ثانيا، وذلك كقول القائل: أعطيته مائة إلا عشرة أو أعطيته ألفا إلا مائة، فإن ذلك أبلغ من أن لو قال: أعطيته تسعين، أو تسعمائة.
وعليه ورد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ ١، ولم يقل: تسعمائة وخمسين عامًا، لفائدة حسنة، وهي ذكر ما ابتلي به نوح من أمته، وما كابده من طول المصابرة، ليكون ذلك تسلية لرسول الله -ﷺ: "فيما يلقاه من أمته وتثبيتا له"، فإن ذكر رأس العدد الذي هو منتهى العقود، وأعظمها أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره، وما لاقاه من قومه.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت: الآية ١٤.
[ ٢ / ١٦٥ ]