والمعاظلة: معاظلتان: لفظية، ومعنوية.
أما المعنوية: فسيأتي ذكرها في باب "التقديم والتأخير" من المقالة الثانية، فليؤخذ من هناك.
وأما المعاظلة اللفظية: فهي١ المخصوصة بالذكر ههنا في باب صناعة الألفاظ، وحقيقتها مأخوذة من قولهم: "تعاظلت الجرادتان"، إذا ركبت إحداهما الأخرى، فسمِّي الكلام المتراكب في ألفاظه أو في معانيه "المعاظلة" مأخوذًا من ذلك، وهو اسم لائق بمسماه.
ووصف عمر بن الخطاب -﵁- زهير بن أبي سلمى فقال: "كان لا يعاظل بين الكلام".
وقد اختلف علماء البيان في حقيقة المعاظلة، فقال قدامة بن جعفر الكاتب٢:
_________________
(١) ١ في الأصل "هي". ٢ هو قدامة بن جعفر بن قدامة الكاتب البغدادي، كان نصرانيًّا وأسلم على يد المكتفي بالله "٢٨٩-٢٩٥هـ"، وكان قدامة أحد البلغاء الفصحاء، والفلاسفة الفضلاء، وممن يشار إليه في علم المنطق، وقيل: هو أول من وضع الحساب، وله تصانيف كثيرة منها نقد الشعر، وكتاب الخراج، وصناعة الكتابة، وتوفي قدامة سنة ٣٣٧هـ. وللدكتور بدوي طبانة دراسة مفصَّلة في حياة قدامة ونقده، طبعت تحت عنوان: "قدامة بن جعفر والنقد الأدبي".
[ ١ / ٣٠٥ ]
التعاظل في الكلام هو أن يدخل بعض الكلام فيما ليس من جنسه، ولا أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة١، كقول أوس بن حجر:
وذات هدمٍ عارٍ نواشرها تُصْمِتُ بالماء تولبًا جَدِعَا٢
فسمَّى الظبي "تولبًا"، والتولب: ولد الحمار.
هذا ما ذكره قدامة بن جعفر، وهو خطأ؛ إذ لو كان ما ذهب إليه صوابًا لكانت حقيقة المعاظلة دخول الكلام فيما ليس من جنسه، وليست حقيقتها هذه، بل حقيقتها ما تقدَّم وهو التراكب، من قولهم: تعاظلت الجرادتان، إذا ركبت إحداهما الأخرى.
وهذا المثال -الذي مثَّل به قدامة- لا تراكب في ألفاظه ولا في معانيه.
وأما غير قدامة فإنه خالفه فيما ذهب إليه، إلّا أنه لم يقسِّم المعاظلة إلى لفظية ومعنوية، ولكنه ضرب لها مثالًا كقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلّا مملكًا أبو أمه حيٌ أبوه يقاربه٣
وهذا من القسم المعنوي، لا من القسم اللفظيّ، ألا ترى إلى تراكب معانيه بتقديم ما كان يجب تأخيره، وتأخير ما كان يجب تقديمه؛ لأن الأصل في معناه: "وما مثله في الناس حي يقاربه إلّا مملكًا أبو أمه أبوه"؟ وسيجيء شرح ذلك مستوفًى في بابه من المقالة الثانية، إن شاء الله تعالى.
وإذا حقَّقْت القول في بيان المعاظلة، والكشف عن حقيقتها، فإني أتبع ذلك بتقسيم
_________________
(١) ١ جعل قدامة "المعاظلة" من عيوب اللفظ، قال: وهي التي وصف عمر بن الخطاب زهيرًا بمجانبته لها أيضًا، فقال: وكان لا يعاظل بين الكلام، وسألت أحمد بن يحيى عن "المعاظلة" فقال: مداخلة الشيء في الشيء، يقال: تعاظلت الجرادتان، وعاظل الرجل المرأة، إذا ركب أحدهما الآخر، وإذا كان الأمر كذلك فمحال أن ينكر مداخلة بعض الكلام فيما يشبهه، أو فيما كان من جنسه، وبقي النكير إنما هو في أن يدخل بعضه فيما ليس من جنسه، وما هو غير لائق به، وما أعرف ذلك إلّا فاحش الاستعارة.. [انظر نقد الشعر ١٠٣-طبعة بريل، ليدن]، وانظر "قدامة بن جعفر والنقد الأدبي ٢٠٤-٢١٥ من الطبعة الثانية". ٢ الهدم: الثوب البالي أو المرقَّع، والنواشر: جمع ناشرة، وهي عصب في الذراع، تصمَّت: تسكت ولدها، والجدع: السيئ الغذاء. والبيت من قصيدة لأوس في رثاء فضالة بن كلدة ومطلعها: أيتها النفس أجملي جزعًا إن الذي تحذرين قد وقعا ٣ ديوان الفرزدق ١/ ١٠٨ في مدح إبراهيم بن هشام المخزوميّ خال هشام بن عبد الملك.
[ ١ / ٣٠٦ ]
القسم اللفظيّ منها الذي أنا بصدد ذكره ههنا فأقول: إني تأمَّلت بالاستقراء من الأشعار قديمها ومحدثها، ومن النظر في حقيقتها نفسها، فوجدتها تنقسم إلى خمسة أقسام:
الأول منها: [ما يختص بالأدوات]
يختص بأدوات الكلام نحو: من، وإلى، وعن، وعلى، وأشباهها، فإن منها ما يسهل النطق به إذا ورد مع أخواته، ومنها ما لا يسهل، بل يرد ثقيلًا على اللسان، ولكلِّ موضع يخصه من السبك.
فمما جاء منه قول أبي تمام:
إلى خالدٍ راحت بنا أرحبيَّةٌ مرافقها مِنْ عَنْ كراكرها نكب١
فقوله: "مِنْ عَنْ كراكرها" من الكلام المتعاظل الذي يثقل النطق به.
على أنه قد وردت هاتان اللفظتان، وهما "من" و"عن"، في موضع آخر، فلم يثقل النطق بهما، كقول القائل: "مِنْ عَنْ يمين الطريق"، والسبب في ذلك أنهما وردتا في بيت أبي تمام مضافتين إلى لفظة "الكراكر"، فثقلت منهما، وجعلتهما مكروهتين كما ترى، وإلّا فقد وردتا في شعر قطري بن الفجاءة٢ فكانتا خفيفتين، كقوله:
ولقد أراني للرماح دريئةً من عن يميني مرةً وأمامي٣
والأصل في ذلك راجع إلى السبك، فإذا سبكت هاتان اللفظتان أو ما يجري مجراهما مع ألفاظ تسهل منهما، لم يكن بهما من ثِقَل، كما جاءتا في بيت قطريّ، وإذا سبكتا مع ألفاظ تثقل منهما جاءتا كما جاءتا في بيت أبي تمام.
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ٣٠ من قصيدة في مدح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، ومطلعها: لقد أخذت من دار ماوية الحقب أنحل المغاني للبلى هي أم نهب والأرحبيّة: ناقة منسوبة إلى أرحب، وهو فحل كريم، كراكرها -جمع كركرة: رحى صدرها وخواصرها، نكب -جمع نكباء: مائلة. ٢ هو قطريّ بن الفجاءة المازنيّ، من زعماء الخوارج الشعراء والخطباء، قضى مدة طويلة في حروب مع الأمويين، حتى قتل بطبرستان سنة ٧٩هـ. ٣ الدريئة: الحلقة يتعلم الطعن والرمي عليها، والبيت من قصيدة مطلعها: لا يركننَّ أحد إلى الإحجام يوم الوغى متخوفًا لحمام
[ ١ / ٣٠٧ ]
ومن هذا القسم قول أبي تمام أيضًا:
كأنَّه لاجتماع الروح فيه له في كلِّ جارحةٍ من جسمه روح١
فقوله: "في" بعد قوله: "فيه له" مما لا يحسن وروده.
وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي:
وتسعدني في غمرةٍ بعد غمرةٍ سَبُوحٌ لها منها عليها شواهد٢
فقوله: "لها منها عليها" من الثقيل الثقيل الثقيل.
وكذلك قوله:
تبيت وفودهم تسري إليه وجدواه التي سألوه اغتفار
فخلفهم برد البيض عنهم وهامهم له معهم معار٣
وقوله: "وهامهم له معهم" مما يثقُل النطق به، ويتعثَّر اللسان فيه، لكنَّه أقرب حالًا من الأول.
ومن الحسن في هذا الموضع قول أبي تمام:
دارٌ أجلُّ الهوى عن أن ألِمَّ بها في الركب إلّا وعيني من منائحها٤
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ٧١ من قصيدة في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف الثغرى، وأولها: قل للأمير لقد قلدتني نعمًا فت الثناء بها ما هبَّت الريح وفي الديوان "في اجتماع" موضع "لا جتماع"، والجارحة: العضو. ٢ ديوان المتنبي ١/ ٢٧٠ من قصيدة أولها: عواذل ذات الخال فيّ حواسد وإن ضجيع الخود بنى لماجد والغمرة: الشدة، والسبوح: الفرس الشديد الجري. ٣ ديوان المتنبي ٢/ ١٠٠ من قصيدة قالها لما أوقع سيف الدولة ببني عقيل وتشير وبنى العجلان وبنى كلاب، حين عاثوا في عمله، وخالفوا عليه، ويذكر إجفالهم بين يديه، وظفره بهم، وأولها: طوال قنا تطاعنا قصار وقطرك في ندى ووغى بحار ومعنى البيتين: إنهم وفدوا عليه لم يطلبوا منه شيئًا سوى العفو عنهم، وأنه استبقاهم برد سيوفه عنهم، وجعل رءوسهم معهم عارية متى شاء أخذها. ٤ ديوان أبي تمام ٧٢ من قصيدة في مدح الفضل بن صالح الهاشمي مطلعها: أهدى الدموع إلى دار وما صحها فللمنازل سهم من سوافحها وما صحها: دارسها، وسوافحها: سواكبها، وألِمَّ: أنزل، ومناتحها: عطاياها.
[ ١ / ٣٠٨ ]
فقوله: "عن أن" في هذا البيت من الخفيف الحسن الذي لا بأس به.
القسم الثاني من المعاظلة اللفظية:
تختص بتكرير الحروف، وليس ذلك مما يتعلّق بتكرير الألفاظ، ولا بتكرير المعاني -مما يأتي ذكره في باب التكرير في المقالة الثانية- وإنما هو تكرير حرف واحد أو حرفين في كل لفظة من ألفاظ الكلام المنثور أو المنظوم، فيثقل حينئذ النطق به، فمن ذلك قول بعضهم:
وقبر حربٍ بمكانٍ قفر وليس قرب قبر حربٍ قبر١
فهذه القافات والراءات كأنها في تتابعها سلسلة، ولا خفاء بما في ذلك من الثقل، وكذا ورد قول الحريري في مقاماته:
وازوَّر من كان له زائرًا وعافَ عافي العُرف عرفانه٢
فقوله: "وعافَ عافي العرف عرفانه" من التكرير المشار إليه.
وكذلك ورد قوله أيضًا في رسالتيه اللتين صاغهما على حرف السين٣ والشين٤، فإنه أتى في إحداهما بالسين في كل لفظة من ألفاظها، وأتى في الأخرى بالشين في كل لفظة من ألفاظها، فجاءتا كأنهما رُقَى العقارب، أو خذروفة العزائم، وما أعلم كيف خفي ما فيهما من قبحٍ على مثل الحريري مع معرفته بالجيد والرديء من الكلام؟
ويُحْكَى عن بعض الوعَّاظ أنه قال في جملة كلام أورده: "جنى جنات وجنات الحبيب"، فصاح رجل من الحاضرين في المجلس، وماد وتغاشى، فقال له رجل كان إلى جانبه: ما الذي سمعته حتى حدث بك هذا؟ فقال: "سمعت جيمًا في جيم في جيم فصحت"!!.
_________________
(١) ١ ذكروا أنه من شعر الجن، وأنه لا يتهيأ لأحد أن ينشده ثلاث مرات فلا يتتعتع، وذكروا أن جنيًّا صاح على حرب بن أمية فمات في فلاة، ويسمَّى نوع هذا الجني هاتفًا. ٢ مقامات الحريري ٣٦٥ من المقامة التفليسية، رازور: مال وأعرض، وعاف: استقذر، والعافي: طالب العطاء. ٣ الرسالة السينية: مقامات الحرير ٦٠٣. ٤ الرسالة الشينية: مقامات الحريري ٦٠٧.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وهذا من أقبح عيوب الألفاظ.
ومِمَّا جاء منه قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي مطلعها:
أتُرَاها لكثرة العشَّاق١
كيف ترثي التي كلَّ جفنٍ راءها غير جفنها غَيْرَ راقي٢
وهذا وأمثاله إنما يعرض لقائله في نوبة الصَّرع التي تنوب في بعض الأيام!
ومن هذا القسم قول الشاعر المعروف بكشاجم٣ في قصيدته التي مطلعها:
داو خُمَارِي بكأس خَمْرٍ
والزَّهر والقطر في رباها ما بين نظمٍ وبين نثر
حدائقٌ كَفُّ كلِّ ريحٍ حلَّ بها خيط كلِّ قطر
وهذا الباب يحتاج الناطق به إلى بَرْكار يضعه في شدقه حتى يديره له.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم، وهو البيت المشهور الذي يتذاكره الناس:
مَلِلْتُ مِطَالَ مولودٍ مُفدَّى مليحٍ مانعٍ منِّي مرادي
وهذه الميمات كأنَّها عقد متصلة بعضها ببعض.
وكان بعض أهل الأدب من أهل مصرنا هذا يستعمل هذا القسم في ألفاظه كثيرًا في كلامه نثرًا ونظمًا، وذلك لعدم معرفته بسلوك الطريق.
وأنا أذكر نبذة من ذلك، كقوله في وصف رجل سخيّ: "أنت المديح، كبدًا تريح، والمليح إن تجهم المليح بالتَّكليح، عند سائلٍ تلوح، بل يفوق إذ يروق مرأى لوح، يا مغبوق كأس الحمد يا مصبوح، ضاق عن نداك الّلوح، وببابك المفتوح تستريح، وتريح ذا التبريح، وترفِّه الطليح".
_________________
(١) ١ وعجز البيت: تحسب الدمع خلقة في المآقي وهي في مدح أبي العشائر الحسين بن علي بن حمدان. ٢ ديوان المتنبي ٢/ ٣٦٢، راءها: رآها، والمعنى: هذه المحبوبة لا ترحم باكيًا، وكيف ترحمه وهي ترى كل جفن من النظر إلّا جفنها غير راقٍ بالبكاء، يريد غير منقطع من البكاء، فهي لا ترحم أحدًا؛ لأنها تحسب الدمع في أجفان العشاق خلقة. ٣ كشاجم: هو محمود بن الحسين الكاتب الشاعر، أحد وصَّافي الطبيعة، وكان من خدَّام سيف الدولة، توفي سنة ٣٢٠هـ.
[ ١ / ٣١٠ ]
فانظر إلى حرف الحاء كيف قد لزمه في كل لفظة من هذه الألفاظ، فجاء كما تراه من الثقل والغثاثة؟
واعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عَدَلُوا عن تكرير الحروف في كثير من كلامهم، وذاك أنه إذا تكرَّر الحرف عندهم أدغموه استحسانًا، فقالوا في "جعل لك"، "جعلَّك"، وفي "تضربونني"، "تضربونِّي"، وكذلك قالوا: "استعدَّ فلان للأمر"، إذا تأهَّب له، والأصل فيه "استعدد" و"استتبَّ الأمر"، إذا تهيأ، والأصل فيه "استتبب"، وأشباه ذلك كثير في كلامهم، حتى إنهم لشدة كراهتهم لتكرير الحروف أبدلوا أحد الحرفين المكررين حرفًا آخر غيره، فقالوا: "أمليت الكتاب"، والأصل فيه "أمللت"، فأبدلوا اللام ياء طلبًا للخفة، وفرارًا من الثقل، وإذا كان قد فعلوا ذلك في اللفظة الواحدة، فما ظنُّك بالألفاظ الكثيرة التي يتبع بعضها بعضًا؟
القسم الثالث من المعاظلة:
أن ترد ألفاظ على صيغة الفعل يتبع بعضها بعضًا.
فمما ما يختلف بين ماض ومستقبل، ومنها ما لا يختلف.
فالأول: كقول القاضي الأرجاني١ في أبيات يصف فيها الشمعة، وفيها معنًى هو له مبتدع، ولم يسمع من غيره، وذلك أنه قال عن لسان الشمع، إنه ألَّف العسل وهو أخوه الذي رُبِّيَ معه في بيت واحد، وإن النار فرَّقت بينه وبينه، وإنه نذر أن يقتل نفسه بالنار أيضًا من ألم الفراق، إلا أنَّه أساء العبارة فقال:
بالنار فرَّقَت الحوادث بيننا وبها نذرت أعود أقتل روحي
_________________
(١) ١ هو أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني، الملقَّب: ناصح الدين، وكان قاضي تستر وعسكر مكرم، وله شعر رائق في نهاية الحسن، ذكره العماد الكاتب في الجريدة، فقال: كان الأرجاني في عنفوان عمره بالمدرسة النظامية بأصبهان، وشعره من آخر عهد نظام الملك منذ سنة نيف وثمانين وأربعمائة، إلى آخر عهده وهو سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ولم يزل نائب القاضي بعسكر مكرم وهو مبجل مكرم، وشعره كثير، والذي جمع منه لا يكون عشره.
[ ١ / ٣١١ ]
فقوله: "نذرت أعود [أقتل] " من المعاظلة إليها.
وأمَّا ما يرد على نهج واحد من الصيغة الفعلية فكقول أبي الطيب المتنبي:
أقِل أنِل أقْطِع احمِلْ على سل أعد زِدْ هَشَّ بَشَّ تفضَّل ادنِ سُرَّ صِلِ١
فهذه الألفاظ جاءت على صيغة واحدة، وهي صيغة الأمر، كأنه قال: "افعل افعل ، هكذا إلى آخر البيت" وهذا تكرير للصيغة، وإن لم يكن تكريرًا للحروف، إلّا أنه أخوه ولا أقول ابن عمه.
وهذه الألفاظ متراكبة متداخلة، ولو عطفها بالواو كانت أقرب حالًا كما قال عبد السلام بن رغبان٢:
فَسَدَ الناس فاطلب الرزق بالسيـ ـف وإلّا فمُتْ شديد الهزال
أحلُ وامررْ وضرَّ وانفعْ ولِنْ واخـ ـشُنْ وأبْرِزْ ثم انتدب للمعالي
ألا ترى أنه لما عطف ههنا بالواو لم تتراكب الألفاظ كتراكبها في بيت أبي الطيب المتقدَّم ذكره؟
فإن قيل: إنك جعلت ما كان ورادًا على صيغة واحدة على سبيل التكرار معاظلةً، وقد ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ٣ ولو كان معاظلة لما ورد في القرآن الكريم مثله؟
فالجواب عن ذلك أني أقول: هذه الآية ليست كالذي أنكرته، فإن هذا الموضع ينظر فيه إلى الكثير والقليل، فإذا كثر كان تعاظلًا لتراكبه وثقله على النطق، وقد
_________________
(١) ١ ديوان المتنبي ٣/ ٨٥ من قصيدة مطلعها: أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل دعا فلبَّاه قبل الركب والإبل وقد أمره بأربعة عشر أمرًا في بيت واحد "أقل" من الإقالة، يقال: أقلته من عثرته، و"أنل" من الإنالة، و"أقطع" من الإقطاع، و"احمل" من قولهم: حملته على فرس، وقوله "عل" من العلوِّ والرفعة، و"سل" من السلوّ، و"أعد" من الإعادة، و"زد" من الزيادة، و"هش" من قولهم: هنشت إلى كذا، وهو التهلُّل نحو الشيء، و"بشَّ" من البشاشة وهي الطلاقة، و"تفضَّل" من الإفضال، و"ادن" من الدنوّ، و"سرَّ" من السرور، و"سل" من الصلة، وهي العطية. ٢ هو المعروف بديك الجن الحمصي. ٣ سورة التوبة: الآية ٥.
[ ١ / ٣١٢ ]
عرَّفتك أن ما يفصل بين صيغه بواو العطف يكون أقل ثقلًا مما لا يفصل، والذي أنكرته من ذلك هو أن يأتي ألفاظ مكررة على صيغة واحدة كأنها عُقَدٌ متصلة، فحينئذ يثقل النُّطْق بها، ويكره موقعها من السمع كبيت أبي الطيب المتنبي.
وأمَّا هذه الآية المشار إليها فإنها خارجة عن هذا الحكم.
ألا ترى أنها لما وردت ألفاظها على صيغة واحدة فُرِّق بينها بواو العطف، ثم مع التفريق بينها بواو العطف لم يرد التكرير فيها إلّا بين ثنتين، وهما "خذوهم" "واحصروهم".
وأما الصيغة الأولى فإنها أضيف إليها كلام آخر، فقيل: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ولم يقل: اقتلوا المشركين وخذوهم، ثم لما جاءت الصيغة الرابعة أضيف إليها كلام آخر أيضًا فقيل: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ .
لا جرم أن الآية جاءت غير ثقيلة على النطق مع توارد صيغة صيغة الأمر فيها أربع مرار.
وهذه رموز ينبغي أن يتنبّه لها في استعمال الألفاظ إذا جاءت هكذا.
القسم الرابع من المعاظلة:
وهو الذي يتضمن مضافات كثيرة كقولهم: "سَرْجُ فَرَسِ غُلَامِ زَيْدٍ"، وإن زيد على ذلك قيل: "لِبْدُ سَرْجِ فَرَسِ غُلَامِ زَيْدٍ"، وهكذا أشدّ قبحًا وأثقل على اللسان، وعليه ورد قول ابن بابك١ الشاعر في مفتتح قصيدة له:
حمامة جَرْعَا حومَة الجندل اسجَعِي فأنت بمرأًى من سُعَاد ومَسْمَعِ
القسم الخامس من المعاظلة:
أن ترد صفات متعددة على نحوٍ واحد، كقول أبي تمام في قصيدته التي مطلعها:
ما لكثيب الحِمَى إلى عَقَدِه٢
_________________
(١) هو أبو القاسم عبد الصمد بن بابك، ذكره الثعالبي في اليتيمة ٣/ ٢٧٤ في جملة الشعراء الطارئين على الصاحب من الآفاق، وقال في نعته: شاعر شعاره إحسان السبك، وإحكام الرصف، وإبداع الوصف، يشبه كلامه مرة في الجزالة والفصاحة كلام المفلقين من الشعراء المتقدمين، ويناسب تارة في الرشاقة والملاحة قول المجيد بن المحدثين والمولدين. ٢ ديوان أبي تمام ٩١، وهو مطلع قصيدة في مدح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، وعجز البيت: ما بآل جرعائه إلى جرده والكثيب تل الرمل، والعقد الرمل المنعقد، والجرعاء الوعر يعلوه رمل، والجرد سهل بلا نبات.
[ ١ / ٣١٣ ]
فقال يصف جملًا:
سأخرق الخرق بابن خرقاء كالهيـ ـق إذا ما استحمَّ من نجده١
مقابَلٌ في الجديل صُلْبُ القَرَا لو حُكَّ من عجبه إلى كَنَدِه٢
تامكه نهده مداخله ملمومه محْزَئِلَّه أجده٣
فالبيت الثالث من المعاظلة التي قلع الأسنان دون إيرادها.
وكذلك قال من هذه القصيدة يصف رمحًا:
ومَرَّ تهفو ذؤابتاه على أسمر مَتْنٍ يوم الوغى جسده٤
مارنه لدنه مثقَّفِه عِرَاضِه في الأكُفِّ مُطَّرِده٥
وهذا كالأوّل في قبحه وثقله، فقاتله الله! ما أمتن شعره! وما أسخفه في بعض الأحوال!
وعلى هذا جاء من هذه القصيدة أيضًا يصف الممدوح:
إليك عن سيل عارضٍ خضل الـ ـشؤ بوب يأتي الحمام من نضده٦
مُسفِّه ثَرّه مُسَحْسَحِه وابله مُسْتَهله جرده٧
ولو لم يكن لأبي تمام من القبيح الشنيع إلّا هذه الأبيات لحطَّت من قدره.
_________________
(١) ١ الخرق: الفلاة، الخرقاء: الناقة، الهيق: ذكر النعام، النجد: العرق. ٢ الجديل: المفود المجدول، القرا: الظهر، العجب: أصل الذنب، الكتد: مجتمع الكتفين. ٣ تامكه: حدبته، نهده: ثديه، محزئله: مرتفع سيره، أجده: فقار ظهره. ٤ تهفو: تخفق، الذوابة: ضفيرة الشعر المرسلة، الجسد المصبوغ بالجسد وهو الزعفران. ٥ المارن: الصلب اللين، اللدن: اللين، المثقف: المقوم، عراضه: صفحته، مطرده يقال: رمح مطرد الأنابيب، أي: متناسقها. ٦ العارض: السحاب، الخضل: الندى، الشؤبوب: المطر، الحمام: الموت، النضد: المتراكم. ٧ المسف: القريب من الأرض، الثر: الكثير الماء، السحسح: السائل من فوق، الوابل: الشديد، المستهل: المتلألئ.
[ ١ / ٣١٤ ]
وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي١:
دانٍ بعيدٍ مبغضٍ بهجٍ أغرّ حلو مُمِرّ ليِّنٍ شرس٢
ندٍ أبيٍّ غرٍ وافٍ أخي ثقةٍ جعدٍ سريٍّ ندبٍ رضًى نَدُس٣
وهذا كأنه سلسلة بلا شك، وقليلًا ما يوجد في أشعار الشعراء، ولم أجده كثيرًا إلّا في شعر الفرزدق، وتلك معاظلة معنوية، وسيأتي بيانها في بابها، وهذه معاظلة لفظية، وهي توجد في شعر أبي الطيب كثيرًا.
_________________
(١) ١ ديوانه ٢/ ١٨٩ من قصيدة في مدح عبيد الله بن خراسان الطرابلسي، ومطلعها: أظبية الوحش لولا ظبية الأنس لما غدوت مجد في الهوى تعس ٢ البهج الفرح، والشرس هنا الصعب، ومعنى البيت: هو قريب ممن يقصده، بعيد ممن ينازعه، محب للفضل وأهله، مبغَّض للنقض وأهله، يبهج بالقصاد، حلو لأوليائه، مر على أعدائه، لين حسن الخلق على الأولياء، شرس صعب على الأعداء، يريد أنه جامع لهذه الأوصاف، كذا قال أبو الفتح بن جني، ونقله الواحدي حرفًا حرفًا، وانظر البيتين في شرح الديوان. ٣ ند: جواد، يريد ندى الكفِّ، والأبيّ: الذي يأبى الدنايا، غر: أي مغرى يفعل الجميل جمد ماض في الأمر، والسرى: الشريف، وأنه: أي ذو نهية وهي العقل، والندب: السريع في الأمر إذا ندب إليه، والندس: العارف بالأمور البحاث عنها، وهو بضم الدال وكسرها.
[ ١ / ٣١٥ ]