وهذا إنما يعمد إليه لفائدة، وهي تعظيم شأن الأمر الذي أظهر عنده الاسم المضمر أولا.
ومثال ذلك قول القائل: "ولما تلاقينا وبنو تميم أقبلوا نحونا يركضون، فرأينا منهم أسودا ثكلا تسابق الأسنة إلى الورود، ولا ترتد على أعقابها إذا ارتدت أمثالها من الأسود، وتناجد بنو تميم علينا بحملة، فلذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار"، فإنه إنما قيل: "وتناجد بنو تميم" مصرحا باسمهم، ولم يقل وتناجدوا كما قيل: "أقبلوا" للدلالة على التعجب من إقدامهم عند الحملة، وثباتهم عند الصدمة، لا سيما وقد أردف ذلك بقوله: "لذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار"، كأنه قال: وتناجد أولئك الفرسان المشاهير، والكماة المناكير، وحملوا علينا حملة واحدة، فولينا مدبرين منهزمين".
ومما جاء من ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ ١، ألا ترى كيف صرح باسمه في قوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾، مع إيقاعه المبتدأ في قوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾، وقد كان القياس أن يقول: كيف يبدئ الله الخلق، ثم ينشئ النشأة الآخرة.
والفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة، وكان صدر الكلام واقعا معهم في الإبداء، وقررهم أن ذلك من الله، احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء،
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت: الآيتان: ١٩ و٢٠.
[ ٢ / ١٥٧ ]
فوجب أن لا تعجزه الإعادة، فللدلالة والتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الإعادة أبرز اسمه تعالى، وأوقعه مبتدأ ثانيا.
وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ ١.
ألا ترى أنه قال أولا: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، فذكر مضمرا تقدم الكلام فيه، ثم عطف المظهر الذي هو له، وهو قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وكان العطف لو أضمر كما أضمر الأول لقيل: ثم أنزل الله سكينته عليكم، وأنزل جنودا لم تروها.
وفائدة الإظهار ههنا للمعطوف بعد إضماره أولًا التنويه بذكر رسول الله -ﷺ- وذكر المؤمنين، أو؛ لأن الأمر عظيم، وهو الانتصار بعد الفرار، فأي الأمرين قدر كان لإظهار المعطوف مناسبًا.
وهكذا يكون عطف المظهر على ضميره، فإنه يستند إلى فائدة يهم ذكرها، فإن يكن هناك٢ مثل هذه الفائدة، وإلا فلا يحسن الإظها ر بعد الإضمار.
وكذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٣، فإنه إنما قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولم يقل: وقالوا كالذي قبله للدلالة على صدور ذلك عن إنكار عظيم، وغضب شديد، وتعجب من كفرهم بليغ، لا سيما وقد انضاف إليه قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، وما فيه من الإشارة إلى القائلين، والمقول فيه، وما في ذلك من المبادهة، كأنه قال: وقال
_________________
(١) ١ سورة التوبة: الآيتان ٢٥ و٢٦. ٢ في الأصل "فإن لم يكن هناك"، وسياق المعنى حذف "لم" والتقدير: إن يكن هناك مثل هذه الفائدة حسن الإظهار، وإلا فلا يحسن الإظهار. ٣ سورة: سبأ الآية ٤٣.
[ ٢ / ١٥٨ ]
أولئك الكفرة المتمردون بجزاءتهم على الله، ومكابرتهم لمثل ذلك الحق المبين قبل أن يتدبروه: إن هذا إلا سحر مبين.
وعلى نحو من ذلك ورد قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ، كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ، وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ١.
وكان القياس أن يقال: وقالوا: هذا ساحر كذاب، عطفًا على: ﴿وَعَجِبُوا﴾، وإنما أتى باسم الكافرين -مظهرا بعد إضماره- للإشعار بتعظيم ما اجترءوا عليه من القول في أمر النبي -ﷺ-، أو؛ لأن هذا القول كان أهم عندهم، وأرسخ في نفوسهم، فصرح باسم قائله دلالة على ما كان في أنفسهم منه.
_________________
(١) ١ سورة ص: الآيات ١ و٢ و٣ و٤.
[ ٢ / ١٥٩ ]