أما حلُّ آيات القرآن العزيز فليس كنثر المعاني الشعرية، لأنَّ ألفاظه ينبغي أن يحافظ عليها، لمكان فصاحتها، إلا أنه لا ينبغي أن يؤخذ لفظ الآية بجملته، فإن ذلك من باب "التضمين"، وإنما يؤخذ بعضه، فإمَّا أن يجعل أولًا لكلام أو آخرًا، على حسب ما يقتضيه موضعه، وكذلك تفعل الأخبار النبوية. على أنه قد يؤخذ معنى الآية والخبر، فيكسى لفظًا غير لفظه، وليس لذلك من الحسن ما للقسم الأول للفائدة التي أشرنا إليها.
وقد سلكت في ذلك طريقًا اخترعتها، وكنت أنا ابن عذرتها، وعند تأمّل ما أوردته منها في هذا الكتاب يظهر للمتأمِّل صحة دعاويَّ، ولئن كان من تقدَّمني أتى بشيء من ذلك، فإني ركبت ففيه جوادًا وركب جملًا، ونال من مورده نهلة واحدة، ونلت منه نهلًا وعللًا.
ومن آتاه الله في القرآن بصيرةً فإنه يسبك ألفاظه ومعانيه في كلامه، ويستغني به عن غيره، إلّا أنه ينبغي أن يكون فيه صوَّاغًا يخرج منه ضروب المصوغات، أو صرَّافًا يتجهبذ في نقوده المختلفة من الذهب المختلف الألوان، ولا أقول من الفضة، فإنه ليس فيه من الفضة شيء، وهو أعلى من ذلك، أو يكون فيه تاجرًا يديره على يده،
[ ١ / ١٣٤ ]
ويتصرَّف في أرباحه، ويخرج من الأمتعة المجلوبة من مناسجه كل غريبة عجيبة، وكل هذا يفهمه من عرف فلزم، وحكم بما علم:
وما كل من قال القريض بشاعرٍ ولا كل من عانى الهوى بمتيَّم
واعلم أن المتصدي لحل معاني القرآن يحتاج إلى كثرة الدرس، فإنه كلما ديم على درسه ظهر من معانيه ما لم يظهر من قبل.
وهذا شيء جرَّبته وخبرته، فإني كنت آخذ سورة من السور وأتلوها، وكلما مرَّ بي معنى أثبته في ورقة مفردة، حتى انتهي إلى آخرها، ثم آخذ في حلِّ تلك المعاني التي أثبتها واحدًا بعد واحد، ولا أقنع بذلك حتى أعاود تلاوة تلك السورة، وأفعل ما فعلته أولًا، وكلما صقلتها التلاوة مرة بعد مرة ظهر في كل مرة من المعاني ما لم يظهر لي في المرة التي قبلها.
وسأورد في هذا الموضع سورة من السور، ثم أردفها بآيات أخرى من سور متفرقة، حتى يتبين لك أيها المتعلِّم ما فعلته فتحذو حذوه، وقد بدأت بالسورة أولًا، وهي سورة يوسف -﵇- لأنها قصة مفردة برأسها، وفيها معانٍ كثيرة.
فالأول: ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب، وهو:
"وصل كتاب الحضرة السامية أحسن الله أثرها، وأعلى خطرها، وقضى من العلياء وطرها، وأظهر على يدها آيات المكارم وسورها، وأسجد لها كواكب السيادة وشمسها وقمرها".
وهذا أول معنى في السورة، وقد نقلته عن قصة المنام إلى الدعاء.
ثم أبرزت هذا المعنى في صورة أخرى، وهو:
"أكرم النعم ما كان فيها ذكرى للعابدين، وتقدَّمه أنِّي رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، فهذه النعمة هي التي تأتي بتيسير العسير، وتجلو ظلمة الخطب بالصباح المنير، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها، إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير".
[ ١ / ١٣٥ ]
ثم تصرفت في هذا المعنى فأخرجته في معرض آخر، وهو فصل من جملة تقليد يكتب من ديوان الخلافة لبعض الوزراء، فقلت:
وقد علمه أمير المؤمنين، فأدنى مجلسه من سمائه، وآنسه على وحدة الانفراد بحفل نعمائه، وذلك مقام لا تستطيع الجدود أن ترقى إلى رتبته، ولا الآمال تطوف حول كعبته، ولا الشفاه أن تتشرف بتقبيل تربته، فليزد إعجابًا بما نالته مواطئ أقدامه، ولينظر إلى سجود الكواكب له في يقظته لا في منامه".
ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل، وهو:
"لم أرَ كمواهب فلان ملأت أملي بطمع وعودها، وفرغت يدي من نيل وجودها،. فلم أحظ إلا بلامع سرابها، وكانت كدم القميص في كِذَابِها".
ومن ذلك ما ذكرته في تزكية إنسان مما رُمِيَ به، وهو:
"لم تُرْمَ بذنب إلا نابت البراءة له مناب الشهود، وجيء من أهلها بشهادة القميص المقدود".
ومن ذلك ما ذكرته في عذر الهوى، وهو:
"لم يهو حبيبًا إلا كان لأهل التقى فيه أسوة، ولا ليم من أجله إلا اعتذر عذر امرأة العزيز إلى النسوة".
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من جواب كتاب إلى بعض الإخوان، وهو:
"إن كان الكلام كما قيل ذكرًا والجواب أنثى، فجوابي هذا عروس تجلَّى في حللها المحبرة، وعقودها المشذرة، وتزهى بما آتاها الله من الحسن الذي ليس بالمجلوب، ولا ترضى بتقطيع الأيدي دون تقطيع القلوب، وها قد أرسلتها إلى سيدنا حتى يعلم أنَّ نتائج خاطري على الفطرة، وأنها معشوقة الصور فكل الناس في هواها بنو عُذرَة".
وفي هذا الفصل معنى الآية والخبر والنبوي والبيت من الشعر.
[ ١ / ١٣٦ ]
ومن ذلك ما ذكرت في تقلُّب الأيام، وهو:
"لقينا أيامًا ضاحكات، وليتها أيام عابسات، فكانت كسبع سنبلاتٍ خضرٍ وأخر يابساتٍ".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، وهو:
"ليس ممن يرقب عجف الزمان فيذر الحب في سنبله، ولكنه يستأنف الصبر في آخره، ويستهلك المال في أوله، فلا يبقى من يومه لغده، ولا يُتَّهم ربه فيما بيده".
ومن ذلك ما ذكرته في حب الرشوة، وهو:
"الرشوة تحلُّ عقد القلوب، وتهوّن فراق المحبوب، ألا ترى أن رد البضاعة حكم على أخي يوسف بالإضاعة؟ ".
ومن ذلك ما ذكرته في الاستسلام لحكم الأقدار، وهو:
"لا تحترس من جنود الأقدار بالآراء المتعمقة، وسواء عندها الباب الواحد والأبواب المتفرقة".
ومن ذلك ما ذكرته في تتابع الإساءة، وهو:
"لم يزل يرشقني بقوارصه حتى تكاثر النبل، واستحكم التَّبْل١، ولم يكفه الإلقاء في غيابة الجب حتى قال: إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل".
ومن ذلك ما ذكرته في التوكل، وهو:
"إذا طلب أمرًا أجمل في المطلوب، ووكله إلى الذي بيده مفاتيح الغيوب، وتأسَّى في حاجته منه بالحاجة التي كانت في نفس يعقوب".
_________________
(١) ١ من معاني التَّبل: العداوة، والذحل، والإسقام، وتبلَّه: ذهب بعقله، وتبله الدهر القوم: رماهم بصروفه وأفناهم، وكل هذه المعاني تصح.
[ ١ / ١٣٧ ]
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الكيد، وهو:
"لم يأت أمرًا إلا أخفى أسباب أواخيه، وبدأ فيه بالأوعية قبل وعاء أخيه".
وهذه ثلاثة عشرة معنى من سورة يوسف -﵇.
وأما الآيات التي هي من سور متفرقة، فأولها ما كتبته في صدر كتاب إلى بعض الإخوان جوابًا عن كتابه، وهو: "ورد كتابه عشية يوم كذا فعرض علي عرض الجياد على سليمان، وتساوينا في الاشتغال منه ومنها بالاستحسان، غير أن الجياد وإن حسنت فإنها لا تبلغ في الحسن مبلغ الكتاب، لكن قلت كما قال: إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب، ولئن قضي الاشتغال هناك بمسح سوقٍ وأعناق، فإنه لم يقض ههنا بمسح سطور ولا أوراق، وإنما اشتغلت عن عبادة بعبادة، ولو شئت لقلت: عن إفادة بإفادة".
وهذا مأخوذ من قصة سليمان -﵇- في سورة "ص"، وهي قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ ١.
فانظر كيف أخذت هذه القصة، وقابلت بينها وبين الكتاب، ثم إني تصرَّفت فيها بالموافقة بينهما تارة والمخالفة بينهما أخرى.
وهكذا ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله.
ومن ذلك ما كتبته عن الملك الأفضل علي بن يوسف:
إلى الديوان العزيز النبويِّ ببغداد في فصل من كتاب، وهو:
"وقد علم أنَّ المال الذي يختزن، كالماء الذي يحتقن، فكما أن هذا يأجن بتعطيل الأيدي عن امتياح مشاربه، فكذلك يأجن هذا بتعطيل الأيدي عن امتياح مواهبه،
_________________
(١) ١ سورة ص: الآيات ٣٠-٣٣.
[ ١ / ١٣٨ ]
وأيّ فرق بين وجوده وعدمه لولا أن تملك به القلوب، وتقل به الخطوب، ويركب به ظهر العزم الذي ليس بركوب، ومن بسط الله يده فيه، ثم قبضها بخله، فإنه يقف دون الرجال مغمورًا، ويقعد عن نيل المعالي ملومًا محسورًا، وإذا أدركته منية مضى وكأنه لم يكن شيئًا مذكورًا.
ومذ ناط الله بيد الخادم ما ناطه من أمر بلاده، لم يدخر منها إلا مربط أشقره، ومركز أسمره١، وما عداهما فإنه مصروف إلى قوة الإسلام في سد ثغوره، وتكثير جنوده، وإيقاد حرب عدوه بعد خمودها، واستباحة جمرها عند وقوده، وما يفضل عن ذلك فإنه للناس يشتركون في وشله وغمره٢، والمسلم أخو المسلم يساويه في حقه من بيت المال، وإن كان خالفه في مزية قدره، ولا سبيل على الخادم وهو يفعل ما يفعله أن يدلس من هذا المال بتبعة المطلوب، أو يلتحق بالقوم الذين يكنزونه فيجزي عليه بكي الجباه والظهور والجنوب، ولم يأت به الله على فترة من مثله إلا ليمحو به سيئات الدين ويعيد به الإسلام إلى وطنه بعد أن طال عهده بمفارقة الوطن، ولا يكون حسنة من حسنات أمير المؤمنين ترقمها الدنيا في ديوانه، وتثقل بها في الآخرة كفة ميزانه".
وفي هذا الفصل معنى آيتين: إحداهما: في سورة "هل أتى"، والأخرى في سورة "براءة".
ومن ذلك ما كتبته عنه:
إلى عمِّه الملك العادل أبي بكر بن أيوب من كتاب يتضمَّن استعطافه والتنصل إليه، وهو:
"من شيمة الأقدار أن تذهب ببصائر ذوي الألباب، وتمثل لهم الخطأ في مثال الصواب، ولولا ذلك لما زلَّ الحكيم واعوجَّ المستقيم، والمملوك يُقَبِّل اليد الكريمة المولويَّة الملكية العادلية، لا زال عرفها مأمولًا، وإحسانها عند الله مقبولًا، وفعلها في المكرمات مبتدعًا إذا كان فعل الأيادي مفعولًا، ونستغيث إلى عفوها الذي يكفي فيه لفظة
_________________
(١) ١ المراد بالأشقر الفرس وبالأسمر الريح. ٢ الوشل: الماء القليل، والغمر: الماء الكثير.
[ ١ / ١٣٩ ]
الاعتذار، ولا ينفد بمواظبة الآصرار، ولو عرف ذنبه باديًا لقرع له سنّ الندامة، وعاد على نفسه بالملامة، ولما كان عجيبًا أن يكون مُليمًا١، وأن يكون مولانا كريمًا، لكنه حمل آصرة الذنب وهو بريء من حملها، وخاف أن تكون هذه كأخواتها التي سلفت من قبلها، والأمور المتشابهة يقاس البعض منها على البعض، والملسوع لا يستطيع أن يرى مجرَّ حبلٍ على الأرض، ولم يجترم الملوك الآن جريمةً سوى أن فَرَّ إلى الاعتصام، وألقى بيده إلى أقوام لم يكونوا له بأقوام، وإذا ضاق على المرء أقربه كان الأبعد له من ذوي الأرحام، وليس بأول من ذهب هذا المذهب، ولا بأوّل من حمل نفسه على ركوب هذا المركب.
ولئن قال بعض الناس: إنه عجَّل في اعتصامه وفراره، وإنه لو صبر لحمد مغبة اصطباره، فهذا قول من لم يعرف حال الملوك فيقيم له عذرًا، ولا ابتلي بما ابتُليِ به من قوارص مولانا مرة بعد أخرى، ولقد تكاثرت عليه هذه الأقوال المؤنّبة حتى ملأت طرفه كحل السُّهاد، وجنبه شوك القتاد، وأصبح وهو يرى أنه زلق في خطيئته زلقًا، وغصَّ بندمه من أجلها شرقًا، وبدت له سوأته حتى طفق يخصف عليها ورقًا٢، ومع هذا فإنه واثقٌ أن حلم مولانا لا يؤتى من الزلل، وأن حصاة الذنوب لا تَخِفّ بوزن ذلك الجبل، وها هو جاء نازعًا، وللنَّازع العتبى، وعاد مستشفعًا، ولا شفيع أكرم من القربى".
ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب.
وفي الذي أوردته من هذا الفصل معنى آية من القرآن في سورة "الأعراف"، وهي قوله تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ المليم: الداخل في الملامة. ٢ يجعل على عورته ورقة فوق ورقة، ليستتر بها، كما تخصف النعل. ٣ سورة الأعراف: الآية ٢٢، وفي الأصل "فبدت" وصحة الآية ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ .
[ ١ / ١٤٠ ]
ومن ذلك ما كتبته عن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان بن مسعود صاحب الموصل:
إلى الديوان العزيز ببغداد بعد وفاة والده يسأل في التقليد، وكان عمره إذ ذاك ست عشرة سنةً.
فمما جاء في صدر الكتاب بعد الدعاء قولي، وهو:
"إذا تُوفِّي وليٌّ من أولياء الدولة فمن السُّنَّة أن يعزَّى بفقده، ويستَخْرَج إذنُها في سليله القائم من بعده، حتى لا تخلو أرضها من رواسي الجبال، ولا سماؤها من مطالع الكواكب التي تجلو ظلمة الليال، وقد مضى والد العبد إلى رحمة الله، وهو متزود من الطاعة خير زاد، غير خائف من إحصاء الرقيب والعتيد إذ جعلها له من العتاد، وما عليه وقد ثقلت كفة ميزانه ما كان في الكفة الأخرى من السجلات الكثيرة الأعداد، ومضمون وصيته التي عهدتها أن نمشي في الطاعة على أثره، ونهتدي بالأوامر الشريفة في مورد الأمر ومصدره، وقد جعلها العبد نجيَّ فكره إذا قام وإذا قعد، وسُبْحَة صلاته إذا ركع وإذا سجد، وهو يرى أنه لم يمض والده حتى أبقى للدولة من يثبِّت قدمه موضع قدمه، وعند ذلك يقال: إن غصن الشجرة كالشجرة في نبات أصله، وقوة معجمه، وهذا مقام لا تمتاز فيه الآباء عن الأبناء، وليست المزية لاكتهال السن إنما هي لشبيبة الغناء، وقد أوتي يحيى الحُكْمَ قبل أن يجري القلم في كتابه، وشهد له بالتزكية قبل أن ينتصب في محرابه، وكذلك قد أمر رسول الله -ﷺ- أسامة على فتاء عمره، وشهد أنه خليق بما أسند إليه من أمره، والعبد وإن بسط الاستحقاق لسانه، فإنه الأدب يحكم بانقباضه، ويريه أن التفويض إلى إنعام الديوان العزيز أسرع في نجح أغراضه، ولا شك أن منتهى الآمال لا يبلغ أدنى تلك المواهب، ولو جمعت في صعيدٍ واحد، ثم سألت مطالبها لما نقصت خزائن العطايا من تلك المطالب".
وهذا الفصل من أول الكتاب، وفيه معنى آيتين من سورة مريم -﵍، أما
[ ١ / ١٤١ ]
الأولى فقوله تعالى عند ذكر يحيى -﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ١ وأما الثانية: فقوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ ٢.
وفي هذا الفصل أيضًا معاني ثلاثة من الأخبار النبوية، وليس هذا موضعها، وإنما جاءت ضمنًا وتبعًا.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الغبار في الحرب، وهو:
"وعقد العجاج شفَقًا فانعقد، وأرانا كيف رفع السماء بغير عمد، غير أنها سماء بنيت بسنابك٣ الجياد، وزينت بنجوم الصعاد٤، ففيها مما يوعد من المنايا لا ما يوعد من الأرزاق، ومنها تُقْذَفُ شياطين الحرب لا شياطين الاستراق".
وهذه المعاني مأخوذة من سورة "الرعد٥" وسورة "الصافات٦" وسورة "الذاريات٧".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف طعام، وهو فصل من كتاب فقلت:
"طعام لا يُمَلُّ إذا شينت الأطعمة بمللها، وكأنما تولَّتْهُ يد الخلقة ولم تباشره الأيدي بعملها، فهو من بقايا المائدة التي نزلت من السماء، وقد طاب حتى لا يحتاج من بعده إلى استعمال الماء، وما رآه ذو شبعٍ إلا تركه غبنًا، وودَّ لو زيد إلى بطنه بطنًا".
وبعض هذا مأخوذ من سورة "المائدة"٨.
_________________
(١) ١ سورة مريم: الآية ١٢. ٢ سورة مريم: الآية ١٣. ٣ السنابك: جمع سنبك، على وزن قنفذ، ضرب من العدو، وطرف الحافر. ٤ الصعاد: الرماح. ٥ انظر سورة الرعد: الآية ٢ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ . ٦ انظر سورة الصافات: الآيات ٨-١٠. ٧ انظر سورة الذاريات: الآية ٢٢ ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ . ٨ انظر سورة المائدة: الآية ١١٤ ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ .
[ ١ / ١٤٢ ]
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو:
"قد تكاثرت وسائل الخادم حتى لا يدري ما يجعله لطلابه سفيرًا، وما منها إلا ما يقال: إنه أولٌ وليس فيها ما يُجْعَلُ أخيرًا، غير أنه لا يذكر منها إلّا ما هو توأم إيمانه، والذي لا ينظر الله من ابن آدم إلا إلى مكانه، وفي ذلك كافٍ عن الوسائل التليدة والطريفة، وقول: "لا إلى إلا الله" لا يعدله شيء من الحسنات المودعة في الصحيفة، وقد تجدد الآن للخادم مطلب هو بالنسبة إلى مواهب الديوان العزيز يسير، ولو قامت مطالب الناس في صعيد واحد لأعطي كلًا منها مرامه ولم يقل ذلك كثير، وكتابه هذا سائر إلى تلك المواهب التي يضيق عنها صدر الأرض باتساعه، وليس الذي يسأله ممنعًا فيحال على النظر إلى الجبل في امتناعه، وكما أن عبيد الديوان العزيز أطوار، فكذلك مطالبهم أطوار، وقد جعل الله الأشياء متفاوتة في مراتبها، وكل شيء عنده بمقدار".
وهذا الفصل من أحسن ما يكتب في استنجاز المطلوب، وفيه معاني ثلاثة: أخبار نبوية، ومعنى آيتين من القرآن الكريم، وليس هذا موضع الأخبار، وإنما جاء ضمنًا وتبعًا، فالآية الأولى في سورة "الأعراف" والآية الثانية في سورة "الرعد١".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب، وهو:
"إذا دجا ليل قلمه، وطلعت فيه نجوم كلمه، لم يقعد لها شيطان بلاغة مقعدًا، إلا وجد له شهابًا مُرْصَدًا، فأسرارها مصونة عن كل خاطف، مطوية عن كل قائف".
وهذا المعنى مأخوذ من سورة "الجن"٢.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب أيضًا، فقلت:
"له بنت فكرٍ ما تمخَّضَت بمعنى إلّا أنتجته من غير ما تهمله، وأتت به قومها
_________________
(١) ١ سورة الرعد: الآية ٨. ٢ انظر سورة الجن: الآية ٩.
[ ١ / ١٤٣ ]
تحمله، ولم يعرض على ملأٍ من البلغاء إلا ألقوا أقلامهم أيهم يستعيره، لا أيهم يكفله".
وفي هذين السطرين آيتان من القرآن الكريم: الأولى في سورة "مريم"، وقصتها وقصة ولدها -﵉، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ ١ والثانية في سورة "آل عمران" في قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ٢.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن وصف القلم، فقلت:
"وقد أوحى الله تعالى إلى قلمه ما أوحاه إلى النحل، غير أنها تأوي إلى المكان الوعر، وهو يأوي إلى البيان السهل، ومن شأنه أن يجتني من ثمراتٍ ذات أرواح لا ذات أكمام، ويخرج من نفثاته شرابٌ مختلفٌ طعمه فيه شفاء للأفهام، وأين ما تنبته كثافة الخشب مما تنبته لطافة المعنى، ولا تستوي نضارة هذا الثمر وهذا الثمر، ولا طيب هذا المجنَى وهذا المجنَى، وقد أرخص الله ما يكثر وجوده فيذهب في لهوات الأفواه، وأغلى ما يعزُّ وجوده، فيبقى خالدًا على ألسنة الرواة، وكل هذه الأوصاف لا تصح إلا في قلم سيدنا الذي إذا خلا بخاطره امتلأت بحديثه المحافل، وإذا حلا كتابه وحدت الكتب الحالية من قبله وهي عواطل، فله حينئذ أن ينظر إلى غيره بعين الاحتقار، ولواصفه أن يسهب وهو قائم مقام الاختصار".
هذا الفصل غريب عجيب، وقد جمع بين الأضداد، فمناله بعيد، وفهمه قريب، وهو مأخوذ من سورة "النحل".
ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل، وهو:
"له شيمةٌ في الجود لا يشام نائلها، وإذا هزَّها سائلها قال: إنها كلمة هو قائلها".
وهذا مأخوذ من سورة "المؤمنين"٣.
_________________
(١) ١ سورة مريم: الآية ٢٧. ٢ سورة آل عمران: الآية ٤٤. ٣ سورة "المؤمنون": الآية ١٠٠.
[ ١ / ١٤٤ ]
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب، وهو:
"وصل كتابه فوقف منه على اللفظ الرخيم، والمعنى الذي هو في كل وادٍ يهيم، وقال: يا أيها الملأ إني ألقي إليَّ كتابٌ كريم، ثم أخذ إعلاء قدره، وتنويه ذكره، ولم يستفت الملأ في الإذعان لأمره، ولا أهدى في قبالته سوى هديَّة لسانه وصدره، لا جرم أنها تُقْبَلُ ولا تُرَدّ، ويعتد بها ولا تعدّ، فإنها مال لا ينفده الإنفاق، وجوهر تتحلَّى به الأخلاق لا الأعناق".
وهذا مأخوذ من قصة سليمان -﵇- في كتابه إلى بلقيس، وهي مذكورة في سورة "النمل"١، وفي هذا من شرف الصَّنعة أنه خولف بين معانيه ومعاني ما أتى به في القرآن الكريم.
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمَّن ذكر معركة حرب بين المسلمين والكفار، وهو:
"إذا خطب القلم عن الرمح الذي هو نديده قام محتفلًا، وأسهب مترويًا ومرتجلًا، حتى يأتي في خطابته بالمعاني الأخائر، وأصدق القول ما صدر عن شهادة الضرائر للضرائر، وكتابنا هذا يصف معركةً احمرت ضبابتها، وضاقت بالأسود غابتها، فالطعن بها محتضر، والموت محتقر، والنصر من كلا الفريقين مقتسر، وكان الإسلام هناك زجر السنيح٢، وفوز القدح المنيح٣، وليس الذي يرقب المعونة من الله الذي هو رب المسيح كمن يرقبها من المسيح، ولقد نفذت الرماح في أعداء الله حتى اعتدلت من جانبي الصدور والظهور، وتركت النَّاجي منهم وهو لا ينظر إلى الصليب إلا نظر الخائف المذعور، فليس لهم من بعدها جيش يجمع، ولا
_________________
(١) ١ سورة النمل: انظر الآية "٢٩" وما بعدها من الآيات. ٢ السنيح والسانح: ما ولاك ميامنه، وكانوا يتفاءلون به، ومنه قولهم: "من لي بالسانح بعد البارح" أي: بالمبارك بعد الشؤم. ٣ المنيح على وزن أمير: قدح بلا نصيب، قد يستعار تيمنا بفوزه، أو قدح له سهم "انظر القاموس المحيط ١/ ٢٥١".
[ ١ / ١٤٥ ]
لواء يرفع، وقد كانت بلادهم من قبل مانعة، وهي الآن لا تذب عنها ولا تمنع، وهذه المعركة قَلَّت بها الرقاب المأسورة، وكثرت النفوس المقتولة، وقربت بها القرابين التي تأكلها النار، لا لأنها مقبولة".
ومعنى الآية في هذا الفصل مأخوذ من سورة "آل عمران"، إلا أنها تخالفه، وذاك أن القربان كان يقبل فتنزل النار تأكله، وأجساد هؤلاء الكفار قربان تأكله النار، لكنها لا تأكله لأنه مقبول، وباقي الفصل يتضمَّن معنى حسنًا رقيقًا.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمَّن الشكوى من خلق بعض الإخوان، وهو:
"ولقد صبرت على أخلاقه العائثة، وعاملته بالخليقة الرائثة، وعالجته بضروب المعالجات فلم تنفع فيه رَقْىُ الراقية، ولا نفث النافثة، ولما أعيا علي إصلاحه أخذت بمقالة الخضر لموسى في المرة الثالثة".
وهذا مأخوذ من قصة موسى -﵇- وقصة الخضر في سورة "الكهف"١.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب، وهو:
"تجمَّعوا في نار الندم يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا، وصار الأمر الذي كانوا يرجونه مخشيًّا، وأضحوا كأهل النار الذين صاروا أعداء وكانوا شيعًا، وقال ضعفاؤهم للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعًا".
وهذا مأخوذ من سورة "حم المؤمن٢"، ومن سورة "سبأ٣".
_________________
(١) ١ لعله يشير إلى قوله تعالى: ﴿ فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ الآية ٧٦ من سورة الكهف، وكان ذلك بعد المرة الثانية؛ بعد سؤاله عن خرق السفينة، وعن قتل الغلام. ٢ سورة غافر: الآية ٤٦ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ . ٣ انظر سورة سبأ: الآيات ٣١-٣٣.
[ ١ / ١٤٦ ]
ومن ذلك ما ذكرته في ذمِّ غلامٍ أبله:
كنت أقاسي من بلهه نكدًا، فكتبت يومًا من الأيام إلى بعض إخواني كتابًا، وعرضت فيه بذكره، فقلت: ولقد ملكه النسيان، حتى كأنه يقظٌ في صورة نائم، وحتى حقَّق قول التناسخ في نقل أرواح الأناسي إلى البهائم، فما أرسل في حاجة إلا ذهبت عن قلبه يمنةً ويسرة، ولا طلب منه ما استحفظه إلا قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة.
وهذا فصل يشتمل على عدة معانٍ، منها ما هو مأخوذ من القرآن الكريم من سورة "الكهف"١.
ومن ذلك ما ذكرته في تقليد قاضٍ، وهو فصل منه، فقلت:
"والفضائل ما بقيت موجودةٌ ولم تفقد، وهي حية وإن أودى أربابها، ولا يموت من لم يولد، ومن أكرم ما أوتيه منها فضيلة التقوى التي الكرم من شعارها، والعاقبة والحسنى كلاهما من آثارها، وما نقول إلا أنه اتخذها حارسًا يمنع الخصم من تسوّر محرابه، ويؤمن قلبه من الفتنة الداعية إلى استغفاره ومتابه، وقد قرن الله له هذه الفضيلة بالعلم الذي أعلمه بعلامته، ووسمه بوسامته، وقذف في روعه ما لا يسأل معه عن السفينة وخرقها، والغلام وقتله، والجدار وإقامته، وعلى ما بلغه منه فإنه فيه أحد المنهومين اللذين لا يشبعان٢، وإذا كان لغيره فيه نظر واحد ومسمع، فله فيه نظران ومسمعان".
وفي هذا الفصل المختصر معاني عدة آيات، وخبر من الأخبار النبوية:
أما الآية الأولى فقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر سورة الكهف: الآية ٦٣. ٢ إشارة إلى الخبر المأثور: "منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال". ٣ سورة الحجرات: الآية ١٣.
[ ١ / ١٤٧ ]
وأما الآية الثانية فقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ ١.
وأما الثالثة فقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ ٢.
وأما الآية الرابعة فقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ ٣. وكذلك إلى آخر القصة، وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب.
ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمَّن عناية ببعض الفقراء، فقلت بعد الابتداء بصدر الكتاب:
"وقد عُلِمَ منه أنه يَعُدُّ لطالب فضله فضلًا، ويرى التبرع بمعروفه فرضًا، إذا رآه غيره مع المساءلة نفلًا، وما ذاك إلا لمزية خلق توجد بطيب التربة، وشرف الرتبة، وأوتي من كنوز الكرم ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة، ولهذا خرج على قومه من الأخلاق في زينته، وفضل الخلق بطينة غير طينته، ومن فضله أنه يسأل عن السائلين، ويحتال في استنباط أمل الآملين".
ثم مضيت على هذا النهج حتى أنهيت الكتاب.
والغرض أن تعلم أيها المتعلم كيف تضع يدك على أخذ ما تأخذه من بعض الآية، ثم تضيف إليه كلامًا من عندك، وتجعله مسجوعًا كما قد فعلت أنا في هذا الموضع، ألا ترى أني أخذت بعض هذه الآية في قصة من سورة "القصص"، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ٤. فهذه الآية أخذت بعضها وأضفت إليه كلامًا من عندي حتى جاء كما تراه مسجوعًا.
وكذلك فعلت بالآية الأخرى من هذه السورة أيضًا، وهي قوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى
_________________
(١) ١ سورة طه: الآية ١٣٢. ٢ سورة ص: الآية ٢١. ٣ سورة الكهف: الآية ٧١. ٤ سورة القصص: الآية ٧٦.
[ ١ / ١٤٨ ]
قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ١.
وهكذا ينبغي لك إذا أردت أن تسلك هذه الطريق، وقدرت على سلوكها، وهي من محاسن الصناعة البلاغية، وليس فوقها من الكلام ما هو أعلى درجة منها؛ لأنها ممزوجة بالقرآن لا على وجه التضمين بل على وجه الانتظام به، والله يختص بها من يشاء من عباده.
وفيما ذكرته من نثر هذه الآيات كفاية للمتعلم.
_________________
(١) ١ سورة القصص: الآية ٧٩.
[ ١ / ١٤٩ ]