وأما الأخبار النبوية فكالقرآن العزيز في حلِّ معانيها.
فإن قلت: إن الأخبار النبوية لا يجري فيها الأمر مجرى القرآن، إذ القرآن له حاصرٌ وضابط، وكل آياته تدخل في الاستعمال، كما قال بعضهم: لو ضاع مني عقال لوجدته في القرآن الكريم، وأما الأخبار فليست كذلك؛ لأنها كثيرة لا تنحصر، ولو انحصرت لكان منها ما يدخل في الاستعمال ومنها ما لا يدخل، ولا بُدَّ من بيان يمكن الإحاطة به، والوقوف عنده.
قلت في الجواب عن هذا: إنك أول ما تحفظه من الأخبار هو كتاب "الشهاب"، فإنه كتاب مختصر، وجميع ما فيه يستعمل؛ لأنه يتضمَّن حكمًا وآدابًا، فإذا حفظته وتدربت باستعماله كما أريتك ههنا حصل عندك قوة على التصرف والمعرفة بما يدخل في الاستعمال وما لا يدخله، وعند ذلك تتصفح كتاب صحيح البخاري ومسلم والموطأ والترمذي وسنن أبي داود وسنن النسائي، وغيرها من كتب الحديث، وتأخذ ما يحتاج إليه، وأهل مكة أخبر بشعابها، والذي تأخذه إن أمكنك حفظه والدرس عليه فهو المراد؛ لأن ما لا تحفظه فلست منه على ثقة، وإن كان لك محفوظات كثيرة كالقرآن الكريم، ودواوين كثيرة من الشعر، وما ورد من الأمثال السائرة، وغير ذلك مما أشرنا إليه، فعليك بمداومة المطالعة للأخبار، والإكثار من استعمالها في كلامك حتى ترقم على خاطرك، فتكون إذا احتجت منها إلى شيء وجدته، وسهل عليك أن تأتي به ارتجالًا، فتأمل ما أوردته عليك، واعمل به.
[ ١ / ١٤٩ ]
وكنت جردت من الأخبار النبوية كتابًا يشتمل على ثلاثة آلاف خبر، كلها تدخل في الاستعمال، وما زلت أواظب على مطالعته مدة تزيد على عشر سنين، فكنت أنهي مطالعته في كل أسبوع مرة، حتى دار على ناظري وخاطري ما يزيد على خمسمائة مرة، وصار محفوظًا لا يشذّ عنِّي منه شيء، وهذا الذي أوردته ههنا في حلِّ معاني الأخبار هو من هناك.
وسأذكر ما دار بيني وبين بعض علماء الأدب في هذا الأسلوب الذي أنا بصدده ههنا.
وذاك أنه استوعره وأنكره، وقال: هذا لا يتهيأ إلا في الشيء اليسير من الأخبار النبوية.
فقلت: لا، بل يتهيأ في الأكثر منها.
فقال: قد ورد عن النبي -ﷺ- أنه اختصم إليه في جنين، فقضى على من أسقطه بغرة: عبدٍ أو أمةٍ، فأين يستعمل هذا؟
فأفكرت فيما ذكره، ثم أنشأت هذا الفصل من الكلام، وأودعته فيه:
"قد كثر الجهل حتى لا يقال: فلان عالم وفلان جاهل، وضرب المثل بباقل١، وكم في هذه الصورة الممثلة من باقل، ولو عرف كل إنسان قدره لما مشى بدن إلا تحت رأسه، ولا انتصب رأس إلا على بدنه، ولكان صاحب العمامة أحق بعمامته، وصاحب الرسن أحق برسنه، وكنت سمعت بكاتب من الكتاب كلَّمَه إلى غثاثة، وقلمه بغاثة لا يستنسر٢، وأيّ بطش لبغاثة، وإذا وجب الوضوء على غيره بالخارج من السبيلين وجب عليه من سُبُلٍ ثلاثة، هذا وهو يدَّعي أنه في الفصاحة أمة وحده، ومن قس إيادٍ٣ وسحبان وائل٤ عنده، وإذا كشف عن خاطره وجد بليدًا لا يخرج
_________________
(١) ١ رجل مشهور عندهم بالعي، قالوا: إنه اشترى ظبيًا بأحد عشر درهمًا، فسُئِلَ عن شرائه، ففتح كفيه وأخرج لسانه يشير إلى ثمنه، فانفلت الظبي، وضرب به المثل في العي. ٢ البغاث من الطير: ما لا يصيد ولا يرغب في صيده؛ لأنه لا يؤكل، وهو بطيء الطيران، واستنسر البغاث صار نسرًا، وعليه قولهم: "إن البغاث بأرضنا يستنسر" أي: إن الضعيف يصير قويًّا بأرضنا. ٣ هو قس بن ساعدة الإيادي، أحد خطباء العرب المشهورين، سمعه النبي -ﷺ- يخطب في الموسم. ٤ سحبان وائل، مضرب المثل في الخطابة والفصاحة والبيان.
[ ١ / ١٥٠ ]
عن العمه والكمه، وإن رام أن يستنتجه في حينٍ من الأحيان قضى عليه بغرةٍ عبدٍ أو أَمَة، وكثيرًا ما يتقدَّم ونقيصته هذه على الأفاضل من العلماء، وقد صار الناس إلى زمان يعلو فيه حضيض الأرض على هام السماء".
فلمَّا أوردته عليه ظهرت أمارة الحسد على صفحات وجهه وفلتات لسانه، مع إعجابه به، واستغرابه إياه، ثم قال: وقد ورد عن النبي -ﷺ- هذا الحديث وهو: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورةٌ ولا تمثال" فهذا أين يستعمل من المكاتبات؟ فتروَّيْت في قوله ترويًا يسيرًا، ثم قلت: هذا يستعمل في كتاب إلى ديوان الخلافة، وأمليت عليه الكتاب، فجاء هذا الحديث في فصل منه، وهو:
"إذا أفاض الخادم في وصف ولائه نكصت همم الأولياء عن مقامه، وعلموا أنه أخذ الأمر بزمامه، فقد أصبح وليس بقلبه سوء الولاء والإيمان، فهذا يظهر أثره في طاعة السر، وهذا في طاعة الإعلان، وما عداهما فإن دخوله إلى قلبه من الأشياء المحظورة، والملائكة لا تدخل بيتًا فيه تمثال ولا صورة، فليعول الديوان العزيز على سيفٍ من سيوف الله يفري بلا ضارب، ويسري بلا حامل، ولا يسلّ إلا بيد حق، ولا يغمد إلّا في ظهر باطل، وليعلم أنه كرشه وعيبته في تضمن الأسرار، وأنه أحد سعديه إذا عدت مواقف الأنصار".
فلما رأى هذا الفصل بهت له، وأعجب منه، ثم إني لم أقنع بإيراد ذلك الحديث حتى قرنت به حديثًا آخر، وهو قول النبي -ﷺ: "الأنصار كرشي وعيبتي".
وحيث عرَّفتك أيها المتعلم ما تقتدي به في هذا الموضع، فقد ذكرت لك أمثلة كثيرة تتدرب بها.
فمن ذلك ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب، وهو:
"أعاذ الله أيامه من الغِيَر، وبيَّن بخطر مجده نقص كل خطر، وجعل ذكره زادًا لكل راكب وأنسًا لكل سمر، ومنحه من فضله ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
[ ١ / ١٥١ ]
وهذا المعنى مأخوذ من الحديث في وصف نعيم الجنة فنقلته إلى الدعاء.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الحلم، وهو:
"تركته حتَّى جال في الميدان، وامتدَّ في الأشطان١، ولم أنتصر خوفًا من قيام الملك وقعود الشيطان، والحليم لا يظهر أثر حلمه إلا عند تلدده٢، والكظيم٣ هو أشد ما يخاف من تبدده".
وهذا المعنى أخذته من قصة أبي بكر -﵁- في خصامه، فإنه بُغِيَ عليه ثلاث مرات وهو ساكت، ففي الثالثة انتصر، فقال النبي -ﷺ: "كان الملك جالسًا إلى جانب أبي بكرٍ يكذِّب خصمه بما يقول، فلما انتصر قام المَلَكُ وقعد الشيطان".
ومن ذلك ما ذكرته في النصرة على العدو في مواطن القتال، وهو:
"أخذنا بسنة رسول الله -ﷺ- في النَّصر الذي نرجوه، ونبذنا في وجه العدو كفًّا من التراب، وقلنا: شاهت٤ الوجوه، فثَبَّت الله ما تزلزل من أقدامنا، وأقدم حيزوم فأغنى عن إقدامنا".
وهذان المعنيان أحدهما مأخوذ من حديث غزوة حنين، وما فعله رسول الله -ﷺ- في أخذ قبضة من التراب، وألقاها في وجوه الكفار وقوله: "شاهت الوجوه"، والمعنى الآخر مأخوذ من حديث غزوة بدر، وذاك أن رجلًا من المسلمين لاقى رجلًا من الكفار وأراد أن يضربه، فخرَّ على الأرض ميتًا قبل أن يصل إليه، وسمع الرجل المسلم صوتًا من فوقه، وهو يقول: "أقدم حيزوم٥" فجاء إلى النبي -ﷺ- وأخبره، فقال: "ذاك من مدد السماء الثالثة".
_________________
(١) ١ الأشطان جمع شطن: وهو حبل البئر. ٢ تلدد: تلفَّت يمينًا وشمالًا، وتحير، وذلك عند اشتداد الخصومة. ٣ الكظيم: الذي يكظم الغيظ، أي: يبقي على ما في نفسه منه على صفح أو غيظ. ٤ شاهت الوجوه: قبحت. ٥ حيزوم: فرس جبريل -﵇، كما في القاموس.
[ ١ / ١٥٢ ]
ومن ذلك ما ذكرته في ضيق مجال الحرب، وهو:
"وضاق الضرب بين الفريقين حتى اتصلت مواقع البيض الذكور، وتصافحت الفور بالفور١، والصدور بالصدور، واستظلَّ حينئذ بالسيوف لاشتباك مجالها، وتُبُوِّئَت مقاعد الجنة التي هي تحت ظلالها".
وهو مأخوذ من الحديث النبوي، وهو قول النبي -ﷺ: "الجنة تحت ظلال السيوف".
ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب أذمّ فيه الزمان، فقلت:
"ولكنها الأيام تبدي لنا من جوهرها كل غريبة، وتسوسنا سياسة العبد المجدع الذي كأن رأسه زبيبة، وليس للمرء فيما يلقاه من أحداثها نُعْمَى كانت أو بُوسى، إلّا أن يكل الأمور إلى وليها فيقول: حاجَّ آدم موسى".
وهذا مأخوذ من الخبر النبوي في قوله -ﷺ: "حاجَّ آدم موسى، فقال له موسى: أنت أخرجت الناس بخطيئتك من الجنة وأشقيتهم، فقال له آدم: أنت الذي اصطفاك الله تعالى برسالته وكلامه؟ أتلومني على أمرٍ كتبه الله تعالى علي قبل أن يخلقني"؟ قال رسول الله -ﷺ: "فحجَّ آدم موسى".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف بعض الكتاب، وهو فصل من كتاب كتبته إليه، فقلت:
"ولقد سردت عليه أحاديث البلاغة فاستغنى عن بسط ردائه، وهدي إلى جوامع كلمها، فاقتدى الناس باهتدائه، فإذا اشتبهت عنده مسالك طرقها لم يملكه سلطان الحيرة، وإن أغرب في أساليبها لم يقل فيه ما قيل في رواية أبي هريرة".
وهذا الفصل من أحسن ما يؤتى به في صناعة نثر المعاني، وهو مأخوذ من حديث أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، أسمع منك أشياء فلا أحفظها، فقال: ابسط
_________________
(١) ١ الفور وبهاء وقد تهمز رمح في سغ الفرس تنفش إذا مسحت وتجتمع إذا تركت.
[ ١ / ١٥٣ ]
رداءك، فبسطته، فحدَّث حديثًا كثيرًا فما نسيت شيئًا حدثني به، وأما رواية أبي هريرة فشكَّ فيها قوم لكثرتها.
وقد اجتمع في هذا الفصل معنى الحديث النبوي وغيره، ومثل هذا لا يتفطَّن له عند الوقوف إلا من تبحر في الوقوف على الأخبار النبوية، ومن أجل ذلك جعلته ركنًا من أركان الكتاب في الفصل التاسع.
ومن ذلك ما ذكرته في ذمِّ بعض البلاد الوخمة، فقلت:
"ومن صفاتها أنها مدرة١ مستوبلة الطينة، مجموع لها بين حر مكة ولأواء٢ المدينة، إلا أنها لم يأمن حرمها في الخطفة، ولا نقلت حماها إلى الجُحْفَة".
في هذه الكلمات القصار آية من القرآن الكريم، وخبران من الأخبار النبوية، فالآية من سورة العنكبوت، وهي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ٣، وهذا موضع يختص بالأخبار لا بالآيات، غير أن الآية جاءت ضمنًا وتبعًا.
وأما الخبران: فالأول منهما قول النبي -ﷺ: "من صبر على حرِّ مكة ولأواء المدينة ضمنت له على الله الجنة". وأما الثاني فقوله -ﷺ- في دعائه للمدينة: "اللهم حببها إلينا كما حبَّبت إلينا مكة، وانقل حمَّاهَا إلى الجُحْفَة" ٤.
فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكلمات، حتى تعلم أن عدتها مصوغة من الآية والخبرين سواء بسواء.
وهذا طريق لو ادعيت الانفراد بسلوكه لما اختلف عليّ في الاعتراف به اثنان.
_________________
(١) ١ المدرة واحدة المدر، وهي المدن والحواضر. ٢ اللأواء: الشدة. ٣ سورة العنكبوت: الآية ٦٧. ٤ الجحفة: كانت قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة إلى مدينة، وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمروا على المدينة، وكان اسمها مهيعة، وسميت الجحفة؛ لأن السيل جحفها، وبينها وبين البحر ستة أميال.
[ ١ / ١٥٤ ]
ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان جوابًا عن كتاب ورد:
وكان كتابه تأخر عني زمانًا طويلًا، فقلت:
"ولما تأملته ضممته إلي والتزمته، ثم استلمته والتثمته، وعلمت أن المعارف وإن قدمت أيامها -أنساب وشيجة، وتأسيت بالخلق النبوي في العجوز التي كانت تأتي في زمن خديجة".
وهذا مأخوذ من الخبر المنقول عن عائشة -﵂، وهو أنها قالت: كان رسول الله -ﷺ- يذبح الشاة فيعضِّيها١ أعضاءً، ويقسمها في أصدقاء خديجة، وكانت تأتيه عجوز فيكرمها ويبسط لها راءه، فسألته عن ذلك فقال: $"هذه كانت تأتينا في زمن خديجة، وحسن العهد من الإيمان".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كتاب، وهو:
"كل سطرٍ منه روضة، غير أنها ليل في صباح، وكل معنىً منه دمية، غير أن ليس على مصورها من جناح".
وهذا مأخوذ من الحديث في تحريم الصور.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم وهو:
"فأغنى بجوده إغناء المطر، وسما إلى المعالي سموَّ الشمس، وسار في منازلها مسير القمر، ونُتِجَ من أبكار فضائله ما إذا ادَّعاه غيره قيل: للعاهر الحجر".
وهذا المعنى من قول النبي -ﷺ: "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الفصاحة، فقلت:
"أفكار الخواطر لا تُسْتَوْلَد على انفرادها، وغايتها أن يتناكح في استنتاج أولادها، وأنا أنكح فكري لفكر نكاح الأنساب، ولا أخاف أن أضوي فأميل إلى الاغتراب".
_________________
(١) ١ عُضِّيَت الذبيحة -بالتشديد: جعلتها أعضاء.
[ ١ / ١٥٥ ]
وهذا مأخوذ من قول النبي -ﷺ- في الأمر بنكاح البعيدة النسب، فقال: "غربوا لا تضووا" يريد بذلك أن الإنسان إذا نكح المرأة القريبة إليه حصل بينهما حياء يمنع من قضاء الشهوة كما ينبغي، فيجيء الولد ضاويًا: أي: هزيلًا، وهذا معنًى غريب لي استخرجته من الحديث النبوي.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان:
جوابًا عن كتاب ورد منه يتضمَّن الشكوى من شخص جرت بينه وبينه مخاصمة، فقلت:
"وصل كتابه وهو كتابُ مَنْ أكْثَر الشكوى، وطلب العَدْوَى١، ونزل من التظلُّم بالعدوة٢ الدنيا، وأنزل خصمه القصوى، والقاضي لا يحكم لأحد الخصمين حتى يحضر صاحبه، وإن فقئت عين أحدهما فربما فقئت عين الآخر، وهُشِّمَ جانبه، على أنه قد اعترف أن كليهما كان للحم أخيه آكلًا، وعليه في حال محضره جاهلًا، وسباب المؤمن معدود من فسوقه، وإطراقه عن تورُّد هذا المقام أولى من طروقه، ولولا تغليظ النكير لما جعل اللسان واليد سواء فيما جرحا، ولما أخَّر الله المغفرة عن الخائضين فيها حتى يصطلحا، فكن أنت ممنَّ أطاع تقواه لا هواه، واتَّبع من علم الحقَّ فرآه أو سمعه فرواه، واعلم أنَّ تَهَاجُرَ الأخوين فوق الثلاثة من منهيات الحرام، وأن الفائز بالأجر منهما هو البادئ بالسلام، ودفع السيئة بالحسنة يجعل العدو وليًّا حميمًا، وقد جعل الله المتخلِّق بهذا الخلق صابرًا، وجعل له حظًّا عظيمًا، والشيطان إنما يحوم على آثاره مواقع الشنآن، ولا يحمد من أعمال بنيه شيئًا إلا ما زيل٣ بين الإخوان".
في هذا الفصل معاني آيات وأخبار، وهذا الموضع مختص بذكر الأخبار دون الآيات.
_________________
(١) ١ العدوى هنا طلب التقوية والنصرة، قال ابن فارس: العِدوي طلبك إلى والٍ ليعديك عن من ظلمك، أي: ينتقم منه باعتدائه عليك. ٢ عدوة الوادي: جانبه. ٣ زيل بينهم: فرق.
[ ١ / ١٥٦ ]
فأول المعاني المأخوذة من الأخبار قول النبي -ﷺ: "إذا أتاك أحد الخصمين وقد فقئت عينه فلا تحكم له، فربما أتى خصمه وقد فقئت عيناه".
وأما المعنى الثاني فقوله -ﷺ: "سباب المؤمن فسوقٌ وقتاله كفرٌ".
وأما المعنى الثالث فقوله -ﷺ: "إن الأعمال تعرض على الله يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل امرئٍ لا يشرك بالله شيئًا إلّا امرًا كانت بينه وين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا".
وأما المعنى الرابع فقوله -ﷺ: "لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث".
وأما المعنى الخامس فقول النبي -ﷺ: "إذا التقى المتهاجران، فأعرض هذا وأعرض هذا، فخيرهما الذي يبدأ بالسلام".
وأما المعنى السادس فقوله -ﷺ: "إن إبليس له عرش على البحر فيبث بنيه في آفاق الأرض فيأتي أحدهم فيقول: فعلت كذا وفعلت كذا، فيقول: ما فعلت شيئًا، ويأتي أحدهم فيقول: زيَّلْتُ بينه وبين أخيه، أو بينه وبين زوجته، فيقول: نعم الولد أنت"!.
فانظر كم في هذه الأسطر اليسيرة من معنى خبر نبوي، هذا سوى ما فيها من معاني الآيات، وإذا عددت هذه الكلمات المذكورة في هذه الأسطر وجدتها جميعًا منتظمة من الآية والخبر.
وهذا مما يدلك على الإكثار من المحفوظ، واستحضاره عند الحاجة إليه على الفور.
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب، وهو جواب عن كتاب يتضمن تهديدًا وتخويفًا، فقلت:
"ورد الكتاب مضمنًا من الوعد والوعيد ما آنس نفس المملوك وأوحشها، ونَقَعَ ضلوعه وأعطشها، وأقام له من الظنون السيئة جنودًا تقاتله، وتأخذ عليه شُعَبَ الأفكار فلا تزاوله، وكانت كلماته طوالًا، وأوراقه ثقالًا، وما أفلت سطر من سطوره إلا كان الآخر له عقالًا، ولما استكمل الوقوف عليه ثقلت أطوار الخوف والرجاء من أطواره، وعرضت عليه الجنة والنار في قرطاسه، كما عرضت على رسول الله -ﷺ- في عرض
[ ١ / ١٥٧ ]
جداره، ولولا وثوقه بأناة مولانا لذهبت نفسه فَرَقًا، وابتغى في السماء سُلَّمًا، وفي الأرض نفقًا، لكنه قد توسَّم في كرمه مخايل الصنع الوسيم، وغرَّه منه ما غرَّه من ربه الكريم، وعلم أن خُلُقَ حلمه يغلب خلق غضبه؛ إذ هذا حادث وذاك قديم".
وفي هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبوية، وهو أنه كان -صلوات الله عليه- يخطب، فمال بيده إلى الجدار، وقال: "عرضت عليَّ الجنة والنار في عرض هذا الجدار، فلم أر كاليوم في الخير والشر".
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى بعض الإخوان، وهو:
"الخادم يواصلُ بالدعاء الذي لا يزال لقلبه زميلًا، وللسانه رسيلًا١، وإذا رفع أدْنَتْهُ الملائكة قربًا إذا تباعدت من غيره ميلًا، ولا اعتداد بالدعاء إلا إذا صدر عن أكرم مصدر، ووجد له فوق السماء مظهرًا، وإن لم يكن هناك من مظهر، ووصف باطنه بأنه الأبيض الناصع الذي هو خير من ظاهر الأشعث الأغبر، ولا يعامل الخادم أهل ودِّه إلا بهذه المعاملة، ومن خلقه المجازفة في بذل المودة إذا أخذ الناس نِسْبَة المكايلة".
في هذا المعنى خبرين:
أحدهما: قول النبي -ﷺ: "إنه إذا كذب الكاذب تباعد الملك عنه ميلًا لنتن كذبه".
والآخر قوله -ﷺ: "رب أشعث أغبر مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره".
ومن هذا الباب ما ذكرته في كتاب يتضمَّن خطبة مودة:
فابتدأت الكلام فيه بعد تصدُّرِه بالدعاء، فقلت:
"لولا العادة لرفع الخادم كتابه هذا أن يسطَّر في ورقة، وليس ذلك إلا لإرساله في خطبة مودة رأى صورتها في سرقة٢، ولما تأمَّلَها قال: إن يكن ذلك من عند الله
_________________
(١) ١ يقال راسله في عمله إذا تابعه فيه فهو رسيل. ٢ السرقة شقة حرير بيضاء، قال أبو عبيدة: كأنها كلمة فارسية، والجمع سرق مثل: قصبة وقصب.
[ ١ / ١٥٨ ]
يُمْضِه، وأبدى لها صفحة الرضا، وإن كانت كل مودة لم تُرْضِه، وخير المودات ما ليس لها ضَرَّة تشاركها في وسامتها، ولا تضاهيها في درجة كرامتها، فتلك التي تزدهي ذا الهمَّة أبوَّة وجمالًا، ولم يغله مهرها ولو بذل فيه نفسًا لا مالًا، وما يظنها الخادم إلا هذه المودّة التي خطبها، وقد علمت أن تكون راغبة ولكن هو الذي أرغبها، على أنه لم يترشَّح لها إلا من هو من أكفائها، وليست الكفاءة ههنا إلا ما تبذله الضمائر من صفائها، وقد أتاح الله لها كفئًا يكثر من إيناسها، ويضعها من البر في محلة ناسها، ويجعل كل يوم من أيامها عرسًا حتى تنصل مواسم أعراسها".
ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب، والمعنى المأخوذ فيه من الخبر النبوي في موضعين:
الأول: أن النبي -ﷺ- قال لعائشة -﵂: "إن جبريل -﵇- عرض علي صورتك في سَرَقَةٍ -والسرقة: حريرة بيضاء- وقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة، فقلت: إن يكن ذلك من عند الله يمضه". فأخذت أنا هذا المعنى ونقلته إلى خطبة مودة، ولا يأتي في خطبة المودات شيء أحسن منه ولا ألطف ولا أشدّ مقصدًا.
الخبر النبوي الثاني: قول النبي -ﷺ: "إنما تنكح المرأة لأربعٍ: لحسبها أو لدينها أو لمالها أو لجمالها" فقلت أنا: فتلك التي تزدهي ذا الهمة أبوَّة وجمالًا، أي: قد جمعت الحسب والجمال.
ومن ذلك ما ذكرته في سبب حب المال، وهو:
"بين المال علاقةٌ وكيدة وبين القلوب، وهي له بمنزلة المحب وهو لها بمنزلة المحبوب، وليس ذلك إلا لأنَّ الله قبض قبضةً من جميع الأرض فخلق آدم من تلك القبضة، ويوشك حينئذ أن صورة قلبه تكونت من معدن الذهب والفضة، ولولا أن يكون منهما عنصر إبدائه، لما جعلهما الأطباء دواءه من دائه، فلا تستغرب إذن أن تكون على حبهما مطبوعًا، إذ كان منهما مصنوعًا".
وهذا المعنى من قول النبي -ﷺ: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع
[ ١ / ١٥٩ ]
الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والحزن والسهل، والخبيث والطيب".
غير أني استنبطت أنا حب المال من هذا الحديث، وهو معنى غريب لم أُسْبَقْ إليه.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام، وهو:
"ليس السحر ما أُودِعَ في جُفِّ طلعة١، بل ما أُودِعَ في صوغ معنى أو نظم سجعة، ولذلك لبيد٢ في شعره، أسحر من لبيد٣ في سِحْرِه، وكلًّا صنعهما من الغريب العجيب، غير أن ما يستنبط من القلب أعجب مما يدفن في القليب".
وهذا المعنى مأخوذ من قصة لبيد بن الأعصم في سحره النبي -ﷺ، ومن عرف القصة وصورتها علم ما قد ذكرته في نثر هذه الكلمات البديعة.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف المنجنيق في جملة كتاب، فقلت:
"ونصب المنجنيق فجثَمَ بين يدي السور مَنَاصِيًا، وبسط كفَّه إليه مواتيًا، ثم تولَّى عقوبته بعصاه التي تفتك بأحجاره، وإذا عصى عليها بلد أخذت في تأديب أسواره، فما كان إلا أن استمرَّت عقوبتها عليه حتى صار قائمه حصيدًا، وعاصيه مستقيدًا، وقال: ألم يكن نهى عن المد والتجريد، فما لي لا أرى إلا مدًّا وتجريدًا، وعند ذلك أذعن لفتح الأبواب، وتلا قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ٤ وكذلك لم نأت صعبًا
_________________
(١) ١ الجف -بالضم: وعاء الطلع، والحف: أصل النخلة. ٢ هو لبيد بن ربيعة العامري أحد أصحاب المعلقات. ٣ هو لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي -ﷺ، وفي حديث عائشة قول النبي -ﷺ: "أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أيِّ شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال في بئر ذروان"، فأتاها رسول الله -ﷺ- في ناس من أصحابه، فجاء فقال: "يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء، أو كان رءوس نخلها رءوس الشياطين". قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: "قد عافاني الله، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرًّا، فأمر بها فدفنت". ٤ سورة الرعد: الآية ٣٨.
[ ١ / ١٦٠ ]
إلا استسهل، ولا حثثنا مطيًّا إلا استعجل، ولطالما وقف غيرنا على هذا البلد، فشقه طول الانتظار، ولم يحظ منه إلا بمساءلة المنصب أحجار الديار".
في هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبويّة، وهو قول النبي -ﷺ- في النهي عن ضرب المحدود: "لا مَدَّ ولا تجريد" أي: لا يمد على الأرض ولا يجرد عنه ثوبه.
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى الديوان العزيز النبوي، وهو:
"خلَّد الله دولة الديوان العزيز النبويّ، ولا زالت أكنافها وادعة، وعلياؤها جامعة، وجدودها كالنجوم التي ترى في كل حين طالعة، وأيامها كالليالي ساكنة، ولياليها كالأيام ناصعة، وأبوابها كأبواب الجنة التي يقال فيها ثامن وثامنة، إذا قيل في أبواب غيرها سابعٌ وسابعة، وهذا الدعاء قد استجابه الله قبل أن ترفع إليه يدٌ، أو ينطق به ضمير، فإذا دعا به الخادم وجد الله قد سبقه أولًا، وجاء هو في الزمن الأخير، فليس له حينئذ إلا أن يدعو لما خوّله الديوان العزيز بالدوام، وأن يعيذه من النقص من التمام، ثم يستهدي ما يؤهّل له من الخدم التي يعتدُّها من لطائف الإحسان، وإذا نُدِبَ لتكليف أوامرها قال: والحمد والشكر يسجدان، ولا شكَّ أن درجات الأولياء تتفاوت في الصفات والأسماء، فمنها ما يكون ببطن الأرض، ومنها ما يرى كالكوكب في أفق السماء، ولولا النهي عن تزكية المرء نفسه لادَّعى الخادم أن له أعلاها، وجاء بالأولياء من بعده فقال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ ١ لكنه لا يمن بما يعتده عند الله من ذخره، وسر الولاء في هذا المقام أكرم من جهره، وليس الذي يمنّ بصلاته وصيامه، كالذي يمنّ بسرٍّ وَقَرَ في صدره، والله لا ينظر إلى الأعمال وإنما ينظر إلى القلوب، وفرقٌ بين المطيع بمحضر الشهادة، وبين المطيع بظهر الغيوب، ولو اطَّلع الديوان العزيز على ضمير الخادم في الطاعة لسرِّه، وعلم أنه الأشعث الأغبر الذي لو أقسم على الله لأبره".
_________________
(١) ١ سورة الشمس: الآيتان ١، ٢.
[ ١ / ١٦١ ]
في هذا الفصل من الآيات والأخبار عدة مواضع، وهذا الموضع مختص بالأخبار فلنذكرها دون الآيات.
أما الأول منها فقول النبي -ﷺ: "إنكم ترون أهل الدرجات العُلَى في الجنة كما ترون الكواكب في أفق السماء".
وأما الخبر الثاني: فقوله -ﷺ: "ما فَضَلَكُم أبو بكر بصلاةٍ ولا صيامٍ، ولكن فَضَلَكم بسرٍّ وقر في صدره".
وأما الخبر الثالث: فقوله -ﷺ: "رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبَرَّه".
وفيما أوردته من حلِّ المعاني الشعرية وحلِّ آيات القرآن والأخبار النبوية طريقٌ واضح لمن يقوى على سلوكه، والله الموفق للصواب.
[ ١ / ١٦٢ ]