بسم الله الرحمن الرحيم:
المقالة الثانية: في الصناعة المعنوية
وهي تنقسم قسمين:
الأول منهما: في الكلام على المعاني مجملًا:
والثاني في الكلام عليها مفصَّلًا.
وقبل الكلام على ذلك لا بد من توطئة تكون شاملةً لما نحن بصدد ذكره هاهنا فأقول:
اعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها، وأول من تكلم في ذلك حكماء اليونان غير أن ذلك الحصر كلي لا جزئي، ومحال أن تحصر جزئيات المعاني، وما يتفرع عليها من التفريعات التي لا نهاية لها، لا جرم أن ذلك الحصر لا يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم ولا يفتقر إليه، فإن البدوي البادي راعي الإبل ما كان يمر شيء من ذلك بفهمه، ولا يخطر بباله ومع هذا، فإنه كان يأتي بالسحر الحلال إن قال شعرًا أو تكلم نثرًا.
فإن قيل: إن ذلك البدوي كان له ذلك طبعًا وخليقةً، والله فطره عليه، كما فطر
ضروب نوع الآدمي على فطر مختلفة هي لهم في أصل الخلقة.
فإنه فطر الترك على الإحسان في الرمي، والإصابة فيه من غير تعليم.
وكذلك فطر أهل الصين على الإحسان في صنعة اليد، فيما يباشرونه من مصوغ.
أو خشب، أو فخار، أو غير ذلك.
وكذلك فطر أهل المغرب على الشجاعة، وهذا لا نزاع فيه فإنه مشاهد.
[ ٢ / ٣ ]
فالجواب عن ذلك أني أقول: إن سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب بالطبع والفطرة، فماذا تقول فيمن جاء بعدهم من شاعر، وخطيب تحضروا وسكنوا البلاد، ولم يروا البادية ولا خلقوا بها، وقد أجادوا في تأليف النظم والشعر، وجاءوا بمعانٍ كثيرة ما جاءت في شعر العرب، ولا نطقوا بها؟.
فإن قلت: إن هؤلاء وقفوا على ما ذكره علماء اليونان وتعلموا منه.
قلت لك في الجواب: هذا شيء لم يكن، ولا علم أبو نواس شيئًا منه، ولا مسلم بن الوليد، ولا أبو تمام ولا البحتري، ولا أبو الطيب المتنبي، ولا غيرهم!.
وكذلك جرى الحكم في أهل الكتابة كعبد الحميد١ وابن العميد٢، والصابي، وغيرهم.
فإن ادعيت أن هؤلاء تعلموا ذلك من كتب علماء اليونان قلت لك في الجواب: هذا باطل بي أنا، فإني لم أعلم شيئًا مما ذكره حكماء اليونان، ولا عرفته، ومع هذا فانظر إلى كلامي، فقد أوردت لك نبذة منه في هذا الكتاب، وإذا وقفت على رسائلي، ومكاتباتي -وهي عدة مجلدات- وعرفت أني لم أتعرض لشيء مما ذكره حكماء اليونان في حصر المعاني علمت حينئذ أن صاحب هذا العلم من النظم، والنثر بنجوةٍ من ذلك كله، وأنه لا يحتاج إليه أبدًا، وفي كتابي هذا ما يغنيك وهو كافٍ.
ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا، وانساق الكلام إلى شيء ذكر لأبي علي
_________________
(١) ١ هو عبد الحميد بن يحيى الكاتب، نشأ بالأنبار بليغا حصيفا، وصاحب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية أيام ولايته وخلافته، حتى قتلا سنة ١٣٢هـ، ويعد عبد الحميد من أساتذة البلاغة العربية، وشيخ كتاب الرسائل عامة. ٢ هو الأستاذ الرئيس الوزير أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد أكبر كتاب المشرق، وصاحب الطريقة الإنشائية الشعرية، ووزير ركن الدولة بن بويه، ثم عضد الدولة، توفي سنة ٣٦٠هـ، ومن الأحكام الأدبية الشائعة "بدأت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد".
[ ٢ / ٤ ]
ابن سينا١ في الخطابة والشعر، وذكر ضربًا من ضروب الشعر اليوناني يسمى "اللاغوذيا"٢، وقام فأحضر كتاب "الشفاء" لأبي علي، ووقفني على ما ذكره، فلما وقفت عليه استجهلته، فإنه طول فيه وعرض، كأنه يخاطب بعض اليونانيين، وكل الذي ذكره لغوٌ لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئًا.
ثم مع هذا جميعه فإن معول القوم فيما يذكر من الكلام الخطابي أنه يورد على مقدمتين ونتيجة، وهذا مما لم يخطر لأبي علي بن سينا ببال، فما صاغه من شعر أو كلام مسجوع، فإن له شيئًا من ذلك في كلامه، وعند إفاضته في صوغ ما صاغه لم تخطر المقدمتان، والنتيجة له ببال.
ولو أنه فكر أولًا في المقدمتين والنتيجة، ثم أتي بنظم أو نثر بعد ذلك لما أتى بشيء ينتفع به، ولطال الخطب عليه!.
بل أقول شيئًا آخر، وهو: أن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم لم ينظموه في وقت نظمه، وعندهم فكرة من مقدمتين ولا نتيجة، وإنما هذه أوضاع
_________________
(١) ١ هو الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي الحكم المشهور، ولد بقرية من قرى بخارى، وانتقل في البلاد، واشتغل بالعلوم، وحصل الفنون، ولما بلغ عشر سنين من عمره كان قد أتقن علم القرآن الغزير والأدب، وحفظ أشياء من أصول الدين، وحساب الهندسة والجبر والقابلة، ولما توجه نحو الحكم أبو عبد الله الناتلي أنزله أبو الرئيس أبي علي عنده؛ فابتدأ أبو علي يقرأ عليه كتاب "إيساغوجي"، وأحكم عليه علم المنطق وإقليدس والمجسطي، وفاقه أضعافا كثيرة، حتى أوضح له منها رموزا، وفهمه إشكالات لم يكن الناتلي يدريها كما أتقن الفقه، والبحث والمناظرة، كما نبغ في الطب ومات بهمذان سنة ٤٢٨هـ، وهو في الثامنة والخمسين من عمره. ٢ هكذا في الأصل، ولم يذكر ضرب من ضروب الشعر بهذا الاسم، وإنما المذكور نوع من الشعر يسمى "طراغوذيا"، قال ابن سينا: فمن ذلك نوع من الشعر "يسمى طراغوذيا"، له وزن لذيذ طريف يتضمن ذكر الخير، والأخيار والمناقب الإنسانية، ثم يضاف جميع ذلك إلى رئيس يراد مدحه، وكانت الملوك فيهم يغنى بين أيديهم بهذا الوزن، وربما زادوا فيه نغمات عند موت الملوك للنياحة، والمرثية "انظر الفن التاسع من الجملة الأولى من كتاب الشفاء -فن الشعر ١٦٦"، وقال في موضع آخر: إن "طراغوذيا" هو المديح الذي يقصد به إنسان حي أو ميت، وكان يغنون به غناء فحلا، وكانوا يبتدئون فيذكرون فيه الفضائل والمحاسن، ثم ينسبونها إلى واحد، فإن كان ميتا زادوا في طول البيت، أو في لحنه نعمان تدل على أنها مرئية، ونياحة "المصدر السابق ١٦٩"، وكلمة "طراغوذيا" تحريف لكلمة "تراجيديا"، وترجمتها المأساة أو الرواية المحزنة.
[ ٢ / ٥ ]
توضع، ويطول بها مصنفات كتبهم في الخطابة والشعر، وهي كما يقال: فقاقع ليس لها طائل، كأنها شعر الأبيوردي١.
وحيث أوردت هذه المقدمة قبل الخوض في تقسيم المعاني، فإني راجع إلى شرح ما أجملته فأقول:
أما القسم الأول٢: فإن المعاني فيه على ضربين:
أحدهما يبتدعه مؤلف الكلام من غير أن يقتدي فيه بمن سبقه:
وهذا الضرب ربما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، ويتنبه له عند الأمور الطارئة٣، ولنشر في هذا الموضع إلى نبذة لتكون مثالًا للمتوشح لهذه الصناعة.
فمن ذلك ما ورد في شعر أبي تمام في وصف مصلبين٤:
بكروا وأسروا في متون ضوامرٍ قيدت لهم٥ من مربط النجار
لا يبرحون ومن رآهم خالهم أبدًا على سفرٍ من الأسفار
_________________
(١) ١ هو أبو المظفر محمد بن أبي العباس أحمد الأبيوردي، يتصل نسبه بأبي سفيان من بني أمية، كان من الأدباء المشهورين راوية نسابة شاعرا ظريفا، قسم أشعاره إلى أقسام، سماها العراقيات والنجديات، والوجديات وغيرها، والعراقيات أكثرها في مدح المقتدر، والمستظهر ووزرائهما، توفي سنة ٥٥٧هـ، و"أبيورد" المنسوب إليها بليدة بخراسان. ٢ ذكر ابن الأثير في كلامه في الصناعة المعنوية أنها تنقسم قسمين: الأول منهما في الكلام على المعاني مجملا. والثاني في الكلام عليها مفصلا. "انظر صفحة ٣ من القسم الثاني". ٣ سيق أبو هلال العسكري بن الأثير إلى هذا التقسيم، قال أبو هلال: والمعاني على ضربين: ضرب يبتدعه صاحب الصناعة من غير أن يكون له إمام يقتدى به فيه، أو رسوم قائمة في أمثلة مماثلة يعمل عليهما، وهذا الضرب ربما يقع عند الخطوب الحادثة، ويتنبه له عند الأمور النازلة الطارئة، والآخر ما يحتذبه على مثال تقدم ورسم فرط "انظر كتاب الصناعتين ٦٩". ٤ ديوان أبي تمام ١٥٤ من قصيدة له في مدح المعتصم، وذكر إحراق الأفشين، ومطلعها: الحق أبلج والسيوف عوار فحذار من أسد العرين حذار ٥ قيدت: سيقت.
[ ٢ / ٦ ]
وهذا المعنى مما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، والخاطر في مثل هذا المقام ينساق إلى المعنى المخترع من غير كبير كلفة، لشاهد الحال الحاضرة.
وكذلك قال في هذه القصيدة في صفة من أحرق بالنار:
ما زال سر الكفر بين ضلوعه حتى اصطلى سر الزناد الواري
نارًا يساور جسمه من حرها لهبٌ كما عصفرت شق إزار١
طارت لها شعلٌ يهدم لفحها أركانه هدمًا بغير غبار
فصلن منه كل مجمع مفصلٍ وفعلن فاقرةً بكل فقار٢
مشبوبةً رفعت لأعظم مشركٍ ما كان يرفع ضوءها للساري٣
صلى لها حيا وكان وقودها ميتًا ويدخلها مع الفجار
وهذا مما يعين على استخراج المعاني فيه شاهد الحال.
وقد ذيل البحتري على ما ذكره أبو تمام في وصف المصلبين فقال:
كم عزيزٍ أباده فغدا ير كب عودًا مركبًا في عود
أسلمته إلى الرقاد رجالٌ لم يكونوا عن وترهم برقود
تحسد الطير فيه ضبع البوادي وهو في غير حالة المحسود
غاب عن صحبه فلا هو موجو د لديهم وليس بالمفقود
وكأن امتداد كفيه فوق ال جذع في محفل الردى المشهود
طائرٌ مد مستريحًا جناحي هـ استراحات متعبٍ مكدود
أخطب الناس راكبًا فإذا أر جل خاطبت منه عين البليد
_________________
(١) ١ عصفرته صبغته بالعصفر. ٢ الفاقرة: الداهية والفقار: خرزات الظهر. ٣ مشبوبة: مشتعلة، وهي وصف للنار المذكورة في بيت قبل هذا أغفله ابن الأثير، وهو: لله من نار رأيت ضياءها ضاق الفضاء به على النظار
[ ٢ / ٧ ]
وهذه أبيات حسنة قد استوعبت أقسام هذا المعنى المقصود، إلا أن فيها مأخوذًا من شعر مسلم بن الوليد الأنصاري١، وهو قوله:
نصبته حيث ترتاب الرياح به وتحسد الطير فيه أضبع البيد
لكن البحتري زاد في ذلك زيادة حسنة، وهي قوله: "وهو في غير حالة المحسود".
ومن هذا الضرب ما جاء في شعر أبي الطيب المتنبي في وصفه الحمى، وهو قوله٢:
وزائرتي كأن بها حياءً فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي
كأن الصبح يطردها فتجري مدامعها بأربعةٍ سجام٣
أراقب وقتها من غير شوقٍ مراقبة المشوق المستهام
وقد شرح أبو الطيب بهذه الأبيات حاله مع الحمى.
ومن بديع ما أتي به في هذا الموضع أن سيف الدولة بن حمدان٤ كان مخيمًا
_________________
(١) ١ ديوان ١٢١ من قصيدة في مدح داود بن يزيد بن حاتم بن خالد بن المهلب، ومطلعها: لا تدع بي الشوق إني غير معمود نهى النهي عن هوى الهيف الرعاديد ٢ ديوانه ٤/ ١٤٢ من قصيدته في ذكر الحمى التي كانت تغشاه بمصر. ومطلعها: ملومكما يجل عن الملام ووقع فعاله فوق الكلام ٣ بأربعة سجام: أي ذات سجام، وأراد بالأربعة اللحاظين، والموقين للعينين، فإن الدمع يجري من الموقين، فإن غلب وكثر جرى من اللحاظ أيضا، والمعنى أن الحمى تفارقه عند الصبح، فكأن الصبح يطردها، وأنها إذا فارقته تجري مدامعها عن أربعة سجام يريد كثيرة الرحضاء، وهو عرق الحمى -فكأنها تبكي عند فراقه محبة له. ٤ هو سيف الدولة أبو الحسن علي، صاحب حلب، ممدوح المتنبي، وكان سيف الدولة أديبا شاعرا نقادا للشعر، يحب جيده، ويطرب لسماعه، وكان يقرب الشعراء وأهل الأدب، حتى قيل: إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر، وكان بجالس الشعراء، وينقد أشعارهم نقدا يدل على شاعرية وعلم، ويبذل لهم الجوائز السنية، توفي سنة ٣٥٦هـ.
[ ٢ / ٨ ]
بأرض ديار بكر١ على مدينة "ميا فارقين"٢، فعصفت الريح بخيمته، فتطير الناس لذلك، وقالوا فيه أقوالًا، فمدحه أبو الطيب بقصيدة يعتذر فيها عن سقوط الخيمة، أولها:
أينفع في الخيمة العذل٣
فمنه ما أحسن فيه كل الإحسان، وهو قوله:
تضيق بشخصك أرجاؤها ويركض في الواحد الجحفل٤
وتقصر ما كنت في جوفها وتركز فيها القنا الذبل
وكيف تقوم على راحةٍ كأن البحار لها أنمل
فليت وقارك فرقته وحملت أرضك ما تحمل
فصار الأنام به سادةً وسدتهم بالذي يفضل
رأت لون نورك في لونها كلون الغزالة لا يغسل٥
وأن لها شرفًا باذخًا وأن الخيام بها تخجل
_________________
(١) ١ ديار بكر بلاد كثيرة واسعة تنسب إلى بكر بن وائل، وحدها ما عرب من دجلة من بلاد الجبل المطل على نصيبين إلى دجلة، ومنه حصن كيفا وأمد وميا فارقين. ٢ ميا فارقين أشهر مدينة بديار بكر، قيل ما بني فيها بالحجارة فهو بناء أنو شروان، وما بني بالآجر فهو بناء أبرويز، والذي يعتمد عليه أنها من بناء الروم؛ لأنها في بلادهم. ٣ ديوان المتنبي ٣/ ٦٦، وعجز المطلع: ويشمل من دهرها يشمل ومعنى البيت: أينفع في سقوطها عذل العذل، فحذف المضاف، وروى الخوارزمي: "أيقدح" وهي رواية جيدة، فلا يقدر فيها محذوف، يقول: لا ينفع في هذه الخيمة أن تعذل على سقوطها، فعذرها بين، والموجب لفعلها ظاهر، وكيف لها أن تشمل من يشمل الدهر بسلطانه، ويجبر عليه بإحسانه. ٤ الأرجاء النواحي جمع رجا، والتثنية رجوان، والجحفل الجيش العظيم، يقول: كل قطر منها يسع جحفلا، ولكنها تضيق جميعا بشخصك، إجلالا لك. وإعظاما لك أن تعلوك. ٥ أصل الغزالة ارتفاع الشمس، وهو وقت سميت الشمس به، يقول: لون الممدوح ونوره لا يلحقه تغيير، كلون الشمس الذي لا يزول عنها بالغسل.
[ ٢ / ٩ ]
فلا تنكرن لها صرعةً فمن فرح النفس ما يقتل
ولو بلغ الناس ما بلغت لخانتهم حولك الأرجل
ولما أمرت بتطنيبها أشيع بأنك لا ترحل١
فما اعتمد الله تقويضها ولكن أشار بما تفعل
وعرف أنك من همه وأنك في نصره ترفل
فما العاندون وما أثلوا٢ وما الحاسدون وما قولوا٣
هم يطلبون فمن أدركوا؟ وهم يكذبون فمن يقبل؟
وهم يتمنون ما يشتهون ومن دونه جدك المقبل
هذه الأبيات قد اشتملت على معانٍ بديعة، وكفى المتنبي فضلًا أن يأتي بمثلها، وهذا مقام يظهر في مثله براعة الناظم والناثر.
وقرأت في كتاب "الروضة" لأبي العباس المبرد٤، وهو كتاب جمعه واختار فيه أشعار شعراء، بدأ فيه بأبي نواس، ثم بمن كان في زمانه، وانسحب على ذيله، فقال فيما أورده من شعره: وله معنى لم يسبق إليه بإجماع، وهو قوله٥:
_________________
(١) ١ الأطناب حبال البناء، والتطنيب مد الأطناب. ٢ أثلوا -بالثاء المثلثة- جمعوا، ورواية الديوان "وما أملوا" بالميم. ٣ ما قولوا أي كرروا القول وخاضوا فيه، وقولتني ما لم أقل: أي نسبته إلى، والتقويل والإدعاء. ٤ هو أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي المعروف بالمبرد، كان شيخ أهل النحو والعربية، وإليه انتهى علمها بعد طبقة أبي عمر الجرمي، وأبي عثمان المازني، وكان من أهل البصرة، حسن المحاضرة، مليح الأخبار، كثيرة النوادر قال أبو سعيد السيرافي: سمعت أبا بكر بن مجاهد يقول: ما رأيت أحسن جوابا من المبرد في معاني القرآن فيما ليس فيه قول لمتقدم، وصنف كتبا كثيرة، ومن أكبرها كتاب "المقتضب" وكتاب "الكامل"، وكان مولد المبرد سنة عشر ومائتين، ومات سنة خمس وثمانين ومائتين. ٥ ديوان أبي نواس ٢٩٥ من أبيات أولها: ودار ندامى عطلوها وأدلجوا بها أثر منهم جديد ودارس
[ ٢ / ١٠ ]
تدار علينا الراح في عسجديةٍ حبتها بأنواع التصاوير فارس١
قرارتها كسرى وفي جنباتها مهًا ثورتها بالعشي الفوارس٢
فللراح ما زرت عليه جيوبها وللماء ما دارت عليه القلانس٣
وقد أكثر العلماء من وصف هذا المعنى، وقولهم فيه: إنه معنى مبتدع.
ويحكى عن الجاحظ٤ أنه قال: ما زال الشعراء يتناقلون المعنى قديمًا وحديثًا إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بإبداعه!
ولا أعلم أنا ما أقول لهما٥ ولا بي سوى أن أقول: قد تجاوز بهم حد الإكثار، ومن الأمثال السائر: بدون هذا يباع الحمار!
وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة، لا هذا المعنى، فإنه لا كبير كلفة فيه؛ لأن أبا نواس رأى كأسًا من الذهب ذات تصاوير فحكاها في شعره.
والذي عندي في هذا أنه من المعاني المشاهدة، فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماءً يسيرًا، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها قليلًا بقدر القلانس التي على رءوسها، وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر.
_________________
(١) ١ الراح الخمر، والعسجدية نسية إلى العسجد وهو الذهب، ويريد بها كأسًا مذهبة لا من ذهب، وحباه بكذا يحبوه إعطاه ومنحه، وفارس هي الأمة المعروفة. ٢ قرارتها أسفلها، وهي هنا ظرف مكان، والمها جمع مهاة، وهي البقرة الوحشية يضرب بها المثل في حسن العيون، ورواية الديوان "مها تدريها" وادري الصيد ختله، القسي جمع قوس، يقول: إن الكأس محلاة من أسفلها بصورة كسرى، أما جوانبها فمحلاة بصورة فرسان يتحينون غفلة المها، ليرموها بسهام أقواسهم. ٣ الجيب طوق الثوب، والقلانس جمع قلنسوة لباس للرأس، يقول: أنهم كانوا يصبون الخمر في تلك الكأس، حتى تحاذي أطواق صورة الفوارس، ثم يمزجونها بالماء حتى تحاذي رءوسهم. ٤ هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري، ولد بالبصرة وتربى فيها، ودرس هناك كل ما كان ذائعا من العلوم والفنون في أيامه، ولازم إبراهيم بن يار النظام المتكلم المعتزلي، وأخذ عنه، حتى صار زعيم فرقه تنسب إليه، وعرف كثيرا من كبار الكتاب، والمترجمين والفرس غيرهم، وقرأ كل ما ترجم في زمانه ووقع عليه نظره، فكان من كبار العلماء والكتاب، ومات بالبصرة سنة ٢٥٥هـ. ٥ في الأصل "لها" في عبارة غير مفهومة، ولعل الصواب ما ذكرناه، والإشارة إلى المبرد والجاحظ الذين عدا هذا المعنى مبتدعا، وأكثر به من شأن أبي نواس، فيما نرى.
[ ٢ / ١١ ]
وكذلك ورد قوله في الخمر أيضًا١:
يا شقيق النفس من حكم نمت عن ليلى ولم تنم
فاسقني الخمر التي اختمرت بخمار الشيب في الرحم
وهذا معنى مخترع، لم يسبق إليه، وهو دقيق يكاد لدقته أن يلتحق بالمعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصور.
وبلغني أنه اختلف في هذا المعنى بحضرة الرشيد هارون -﵀- فقيل: إنه يريد بخمار الشيب في الرحم أن الخمر تكون في جوانبها ذات زبد أبيض على وجهها، فقال الأصمعي٢: إن أبا نواس ألطف خاطرًا من هذا، وأسد غرضًا فاسألوه، فأحضر وسئل، فقال: إن الكرم أول ما يجري فيه الماء يخرج شبيهًا بالقصنة، وهي أصل العنقود، فقال الأصمعي: ألم أقل لكم إن الرجل ألطف خاطرًا، وأسد غرضًا!؟.
وقد جاء لابن حمديس الصقلي٣ في الهلال لآخر الشهر ما لم يأت به غيره، وهو من الحسن واللطافة في الغاية القصوى، وذلك قوله:
كأنما أدهم الظلماء حين نجا من أشهب الصبح ألقى نعل حافره
وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر، إلا أنه أبدع في التشبيه.
وأمثال هذا كثيرة في أقوال المجيدين من الشعراء.
وجملة الأمر في ذلك أن الشاعر، أو الكاتب ينظر إلى الحال الحاضرة، ثم يستنبط لها
_________________
(١) ١ ديوان أبي نواس ٣٢٤. ٢ هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب عن عبد الملك، كان صاحب لغة ونحو. وإماما في الأخبار والملح والغرائب، توفي سنة ٢١٧هـ بالبصرة، وقيل: بمرو. ٣ هو أبو محمد عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الأزدي الصقلي، نشأ بجزيرة صقلية، وانتقل إلى الأندلس، ومدح المعتمد بن عباد، فأحسن إليه. وأجزل عطاياه، مات سنة ٥٢٧هـ بجزيرة ميرقة، وقيل: ببلدة بجاية.
[ ٢ / ١٢ ]
ما يناسبها من المعاني، كما فعل النابغة١ في مدح النعمان وقد أتاه وفد من الوفود، فمات رجل منهم قبل أن يرفدهم، فلما رفدهم جعل عطاء ذلك الميت على قبره، حتى جاء أهله وأخذوه، فقال النابغة في ذلك:
حباء شقيق فوق أحجار قبره وما كان يحبى قبله قبر وافد
وهذا بيت من جملة أبيات، فانظر كيف فعل النابغة في هذا المعنى!.
وكذلك ورد قول أخت جساس، زوجة كليب، فإنه لما قتل جساس كليبًا اجتمع النساء إليها، وندبنه، فتحدث بعضهم إلى بعض، وقلن: هذه ليست ثاكلة، وإنما هي شامتة، فإن أخاها هو القاتل، فنم ذلك إليها، فقالت:
يا ابنة الأقوام إن شئت فلا تعجلي باللوم حتى تسألي
فإذا أنت تبينت الذي يوجب اللوم فلومي واعذلي
إن أختًا لامرئٍ ليمت على٢ شفقٍ منها عليه فافعلي
جل عندي فعل جساسٍ حسرتا عم انجلت أو تنجلي
فعل جساس على وجدي به قاطع ظهري ومدن أجلي
لو بعينٍ فقئت عينٌ سوى أختها فانفقأت لم أحفل
يا قتيلًا قوض الدهر به سقف بيتي جميعًا من عل
_________________
(١) ١ هو أبو أمامة زياد بن معاوية، أحد أشراف قبيلة ذبيان من القبائل المصرية، وأحد فحول شعراء الجاهلية، لقب النابغة لنبوغه في الشعر فجاءه، وهو كبير، وهو ممن تكسب بالشعر في الجاهلية، ولكنه آثر مدح الملوك، ملوك المناذرة بالحيرة والغساسنة بالشام، وكان ممن مدحهم من الأولين النعمان بن المنذر فقربه إليه، ثم وشى به عنده، وهم بقتله، ففر إلى ملوك الشام فمدحهم، ولم يطب مقامه بالشام، فعاد يستعطف النعمان بقصائد رائعة كانت سببا في عفوه عنه، وطال عمر النابغة، حتى مات قبيل الإسلام. ٢ هكذا روى صدر البيت في الأصل، والمشهور في روايته: إن تكن أخت امرئ ليمت على
[ ٢ / ١٣ ]
هدم البيت الذي استحدثته وانثنى في هدم بيتي الأول
يشتفي المدرك بالثأر وفي دركي ثأري ثكلٌ مثكلي
إنني قاتلةٌ مقتولةٌ ولعل الله أن يرتاح لي
وهذه الأبيات لو نطق بها الفحول المعدودون من الشعراء لاستعظمت، فكيف امرأة، وهي حزينة في شرح تلك الحال المشار إليها.
واعلم أنه قد يستخرج من المعنى الذي ليس بمبتدع معنى مبتدع.
فمن ذلك قول الشاعر المعروف بابن السراج في الفهد:
تنافس الليل فيه والنهار معًا فقمصاه بجلبابٍ من المقل
وليس هذا من المعاني الغريبة، ولكنه تشبيه حسن واقع في موقعه.
وقد جاء بعده شاعر من أهل الموصل يقال له: ابن مسهر فاستخرج من هذا البيت معنى غريبًا، فقال:
ونقطته حباءً كي يسالمها على المنايا نعاج الرمل بالحدق
وهذا معنى غريب، لم أسمع بمثله في مقصده الذي قصد من أجله.
وقليلًا ما يقع هذا في الكلام المنظوم والمنثور، وهو موضع ينبغي أن توضع اليد عليه، ويتنبه له.
وكذلك فلتكن سياقة ما جرى هذا المجرى.
وقد جاءني شيء من ذلك في الكلام المنثور.
فمن ذلك ما ذكرته في وصف نساء حسان، وهو:
"أقبلت ربائب الكناس، في مخضر اللباس، فقيل: إنما يخترن الخضرة من الألوان ليصح تشبيههن بالأغصان".
[ ٢ / ١٤ ]
وهذا معنى غريب وربما يكون قد سبقت إليه، إلا أنه لم يبلغني بل ابتدعته ابتداعًا.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن منازلة بلد، فذكرت القتال بالمنجنيق ١، وهو:
"فنزلنا بمرأى منه ومسمع، واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع، ونصبت المنجنيقات، فأنشأت سحبًا صعبة القياد، مختصة بالربا دون الوهاد، فلم تزل تقذف السور بوبلٍ من جلمودها، وتفجؤها برعودها قبل بروقها، وبروق السحب قبل رعودها، حتى غادرت الحزن منه سهلًا، والعامر بلقعًا مخلى".
وفي هذا معنيان غريبان.
أحدهما: أن هذه السحب تخص الربا دون الوهاد.
والآخر: أن رعودها قبل بروقها، وكل ذلك يتفطن له بالمشاهدة.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب، فقلت:
"إذا تخلق المرء بخلق البأس، والندى لم يخف عرضه دنسا، كما أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل نجسًا".
وهذا المعنى مبتدع لي، وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله -ﷺ: $"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا".
_________________
(١) ١ هو اسم أعجمي، فإن الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة عربية، ويجمع على مجانيق ومناجيق، قال ابن قتيبة في كتابه "المعارف"، وأبو هلال العسكري في "الأوائل": وهو آلة من خشب لها دفتان قائمتان بينهما سهم طويل رأسه ثقيل، وذنبه خفيف، وفيه تجعل كفة المنجنيق التي يجعل فيها الحجر، ويجذب حتى ترفع أسافله على أعاليه، ثم يرسل فيرتفع ذنبه الذي فيه الكفة، فيخرج الحجر منه، فما أصاب شيئا إلا أهلكه.
[ ٢ / ١٥ ]
ومن ذلك ما ذكرته في وصف مفازة، فقلت:
"مفازة لا توطأ بأجفان ساهر، ولا تقتل باقتحام خابر، ولولا مسير الهلال من فوقها لما عرفت تمثال حافر".
ومن ذلك ما ذكرته في كتاب أصف فيه نزول العدو على حصار بلد من بلاد المكتوب عنه:
وكان ذلك في زمن الشتاء، فسقط على العدو ثلج كثير صار به محصورًا، فقلت: "وقد عاجله قتال البروق قبل البوارق، وأحاط به الثلج فصار خنادق تحول بينه وبين الخنادق، والشتاء قد لقي عسكره من البرد بعسكره، والسماء قد قابلته بأغبر وجهها لا بأخضره، والأرض كأنها قرصة النقي، وعسى أن تكون أرض محشره".
والمعنى المخترع من هذا الكلام قولي: "والأرض كأنها قرصة النقي وعسى أن تكون أرض محشره"، وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله -ﷺ: $"إنكم تحشرون على بيضاء كقرصة النقي"، يريد الخبزة البيضاء ولما كان الثلج على الأرض مماثلًا لذلك، ومشابهًا له استنبطت أنا له هذا المعنى المخترع، فجاء كما تراه، وهو من المعاني التي يدل عليها شاهد الحال.
وأحسن من هذا كله ما كتبته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، فقلت:
"ودولته هي الضاحكة، وإن كان نسبها إلى العباس، وهي خير دولة أخرجت للزمن، كما أن رعاياها خير أمة أخرجت للناس، ولم يجعل شعارها من لون الشباب إلا تفاؤلًا بأنها لا تهرم، وأنها لا تزال محبوة من أبكار السعادة بالحب الذي لا يسلى
[ ٢ / ١٦ ]
والوصل الذي لا يصرم، وهذا معنى استنبطه الخادم للدولة وشعارها، وهو مما لم تخط به الأقلام في خطها، ولا أجالته الخواطر في أفكارها".
وغرابة هذا المعنى ظاهرة، ولم يأت بها أحد قبلي.
وبلغني من المعاني المخترعة أن عبد الملك بن مروان بنى بابًا من أبواب المسجد الأقصى بالبيت المقدس، وبنى الحجاج بابًا إلى جانبه، فجاءت صاعقة فأحرقت الباب الذي بناه عبد الملك، فتطير لذلك وشق عليه، فبلغ ذلك الحجاج، فكتب إليه كتابًا: بلغني كذا وكذا، فليهن أمير المؤمنين أن الله تقبل منه، وما مثلي ومثله إلا كابني آدم إذ قربا قربانًا، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر"، فلما وقف عبد الملك على كتابه سري عنه.
وهذا معنى غريب استخرجه الحجاج من القرآن الكريم، وهو من المعاني المناسبة لما ذكرت فيه، ويكفي الحجاج من فطانة الفكرة أن يكون عنده استعداد لاستخراج مثل ذلك.
وأما المعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصورة، فإنها أصعب منالًا مما يستخرج بشاهد الحال، ولأمرٍ مما كان لأبكارها سرٌ لا يهجم على مكامنه، إلا جنان الشهم، ولا يفوز بمحاسنه إلا من دق فهمه حتى جل عن دقة الفهم، وللهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب البواتر أيسر من الهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب الخواطر، وما ذلك مما يلقيه إليك الأستاذ، وليس يقوم به قربا الفذ، ولا أقول الأفذاذ، وأين الذي ينشئ فيحسن فيها الإنشاء، ويبرز فيها صورًا يركبها كيف يشاء؟.
ومن نظر إلى هذا الموضع حق النظر، وأخذ فيه بالعين دون الأثر، علم أنه مقام يزلق بمعارف الأفهام فكيف بمواقف الأقدام، وليست المعاني فيه إلا كالأرواح، ولا الألفاظ إلا كالأجسام، فمن شاء أن يخلق خلقًا من الكلام، فليأت به على صورة
[ ٢ / ١٧ ]
الأناسي لا على صورة الأنعام، فإن من القول الغانية التي هي أحسن من الغانية، ومنه البهيمة التي لا تشبه إلا بالسانية١.
فمما جاء في هذا الباب قول أبي نواس:
شرابك في السراب إذا عطشنا وخبزك عند منقطع التراب
وما روحتنا لتذب عنا ولكن خفت مرزئة الذباب٢
فالبيت الثاني من هذين البيتين هو المشار إليه بأنه معنى مبتدع.
ويحكى عن الرشيد هارون -﵀- أنه قال: لم يهج بادٍ ولا حاضر بمثل هذا الهجاء!
ومن هذا الباب قول مسلم بن الوليد٣:
تنال بالرفق ما تعيا الرجال به كالموت مستعجلًا يأتي على مهل
ومن هذا الباب قول علي بن جبلة:
تكفل ساكن الدنيا حميدٌ فقد أضحت له الدنيا عيالا
كأن أباه آدم كان أوصى إليه أن يعولهم فعالا
وهذا معنى دندن٤ حوله الشعراء، وفاز علي بن جبلة بالإفصاح عنه.
_________________
(١) ١ من معاني السانية الناقة يسقى عليها، وسنت تسنو سقت الأرض؛ وسنت النار علا ضوؤها. ٢ حكى الجاحظ أن الرشيد قال: لا أعرف لمحدث أهجى من قول أبي نواس: وما روحتنا لتذب عنا ولكن خفت مرزئة الذناب لرابك في السحاب إذا عطشنا وخبزك عند منقطع التراب وكيف تنال مكرمة ومجدا وخبزك محرز عند الغياب وإبطك قابض الأرواح يرمي بسهم الموت من تحت الثياب وانظر ديوان أبي نواس ١٤. ٣ من قصيدة له يمدح فيها يزيد بي مزيد الشيباني، ومطلعها: أجررت حبل خليع في الهوى غزل وشمرت همم العذال في العذل ٤ أصل الدندنة صوت الذباب والزنابير، ودندن صوت وطن، ودندن فلان نغم ولا يفهم منه كلام.
[ ٢ / ١٨ ]
وقد قيل: إن أبا تمام أكثر الشعراء المتأخرين ابتداعًا للمعاني، وقد عدت معانيه المبتدعة، فوجدت ما يزيد على عشرين معنى.
وأهل هذه الصناعة يكبرون ذلك، وما هذا من مثل أبي تمام بكبير، فإني أنا عددت معاني المبتدعة التي وردت في مكاتباتي، فوجدتها أكثر من هذه العدة، وهي مما لا أنازع فيه، ولا أدافع عنه!
فأما ما ورد لأبي تمام فمن ذلك قوله١:
يأيها الملك النائي برؤيته وجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقصٍ عنك لي أملًا إن السماء ترجى حين تحتجب
وكذلك قوله:
رأينا الجود فيك وما عرضنا لسجلٍ منه بعد ولا ذنوب
ولكن دارة القمر استتمت فدلتنا على مطر قريب
وكذلك قوله في الهجاء٢:
وأنت تدير قطب رحًا مليا ولم نر للرحا العلياء قطبا
ترى ظفرًا بكل صراع قرنٍ إذا ما كنت أسفل منه كعبا٣
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ٢٢ من أبيات أربعة يعاتب بها أبا دلف، وقيل: عبد الله بن طاهر، والبيتان اللذان قبلهما: صبرا على المطل ما لم يتله الكذب فللمخطوب إذا سامحتما عقب على المقادير لوم إن منيت به من عاذل وعلى السعي والطلب ٢ ديوان أبي تمام ٤٨٦ من قصيدة يهجو بها عتبة بن أبي عاصم، ومطلعها: أعتبة أجبن الثقلين عتبا بجهلك صرت للمكروه نصبا ٣ في الأصل: ترى قطر بكل صارع قرن إذا ما كنت أسفل منه جنبا والصواب عن الديوان.
[ ٢ / ١٩ ]
وكذلك قوله١:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
وكذلك قوله٢:
لا تنكروا ضربي له من دونه مثلًا شرودًا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلًا من المشكاة والنبراس٣
وكذلك قوله٤:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى فالسيل حربٌ للمكان العالي
وكذلك قوله في الشيب٥:
شعلةٌ في المفارق استودعتني في صميم الفؤاد ثكلًا صميما
تستثير الهموم ما اكتن منها صعدًا وهي تستثير الهموما
فالبيت الثاني من المعاني المخترعة، وقد تفقه فيه فجعله مسألة من مسائل الدور، وهذا من إغراب أبي تمام المعروف.
وهذا القدر كاف من جملة معانيه، فإنا لم تستقصها ههنا.
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ٨٥ من قصيدة يمدح فيها أبا عبد الله أحمد بن أبي دؤاد، ويعتذر إليه، ويستشفع بخالد بن يزيد، ومطلعها: أرأيت أي سوالف وخدود عنت لنا بين اللوى وبرود ٢ ديوانه ١٧٢ من قصيدة في مدح أحمد بن المعتصم، ومطلعها: ما في وقوفك ساعة من باس تقضي ذمام الأربع الأدراس ٣ يشير بذلك إلى قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [سورة النور، آية: ٣٥]، والمشكاة هي الكوة في الجدار غير النافذة. ٤ الديوان ٢٤٦ من قصيدة في مدح الحسن بن رجاء، مطلعها: يكفي وغاك فإنني لك قال ليست هوادي عزمتي بتوالي والوغى الحرب، والقالي المبغض، والهوادي الأوائل، والتوالي الأواخر. ٥ الديوان ٢٩١ من قصيدة في مدح أبي سعيد، مطلعها: إن عهدا لو تعلمان ذميما أن تناما عن ليلتي أو تنيما
[ ٢ / ٢٠ ]
ومن هذا الباب قول ابن الرومي١:
كل امرئٍ مدح امرًأ لنواله وأطال فيه فقد أساء هجاءه
لو لم يقدر فيه بعد المستقى عند الورود لما أطال رشاءه
وكذلك قوله٢:
عدوك من صديقك مستفادٌ فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب
وكذلك قوله٣:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها لأوسع٤ مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه بما هو لاقٍ٥ من أذاها يهدد
وكذلك قوله٦:
رددت علي مدحي بعد مطلٍ وقد دنست ملبسه الجديدا
_________________
(١) ١ ولد أبو الحسن علي بن العباس الرومي ببغداد، وعاش فيها متأثرا بمزاجه اليوناني، وبالثقافة الغربية كذلك، فكان شعره صورة طريفة في الأدب العربي من حيث الابتكار، والتنسيق المنطقي والاستقصاء، في أسلوب جزل متين، وقد أجاد فنون الشعر وخاصة الوصف، مات ابن الرومي سنة ٢٨٣هـ، والبيتان من أبيات أربعة، وبعدهما: غير فإني لا أطيل مدائحي إلا لأوفى من مدحت ثناءه وأعد ظلما أن أقل مديحه حمدا وأسخط أن أقل عطاءه ٢ ديوان ابن الرومي ١٣٩ ورواية الديوان "يحول" موضع "يكون" في عجز البيت الثاني. ٣ الديوان ٣٩٣ من قصيدة في مدح صاعد بن مخلد، ومطلعها: أبين ضلوعي حمرة تتوقد على ما مضى أم حسرة تتجدد ٤ رواية الديوان "لأفسح". ٥ رواية الديوان "بما سوف يلقى". ٦ ديوان ابن الرومي ٣٧٠ من أبيات أربعة.
[ ٢ / ٢١ ]
وقلت: امدح به من شئت غيري ومن ذا يقبل المدح الرديدا١
وهل للحي في أكفان ميتٍ لبوسٌ بعدما امتلأت صديدا٢
وقد ورد لأبي الطيب المتنبي من ذلك كقوله٣:
أجزني إذا أنشدت مدحًا فإنما بشعري أتاك المادحون مرددا
ودع كل صوتٍ بعد٤ صوتي فإنني أنا الصائح المحكي والآخر الصدى
فالبيت الأول قد توارد على معناه الشعراء قديمًا وحديثًا، لكن البيت الثاني -في التمثيل الذي مثله- ليس لأحد إلا له.
وكذلك قوله٥:
بهجر سيوفك أغمادها تمنى الطلى٦ أن تكون الغمودا
إلى الهام تصدر عن مثله٧ ترى صدرًا عن ورودٍ ورودا
وكذلك قوله في بدر بن عمار يهنيه ببرئه من مرض٨:
قصدت من شرقها ومغربها حتى اشتكتك الركاب والسبل
لم تبق إلا قليل عافيةٍ قد وفدت تجتديكها العلل
_________________
(١) ١ بعد هذا البيت بيت أغفله ابن الأثير، وهو: ولا سيما وقد أعبقت فيه مخازيك اللواتي لن تبيدا ٢ رواية الديوان "وما للحي" موضع "وهل للحي". ٣ ديوان المتنبي ١/ ٢٩١ من قصيدة يمدح فيها سيف الدولة، ويهنيه بعيد الأضحى، ومطلعها: لكل امرئ من دهره ما تعودا وعادات سيف الدولة الطعن في العدا ٤ رواية الديوان "غير صوتي". ٥ ديوان المتنبي ١/ ٢٦٩ من قصيدة في مدح بدر بن عمار الأسدي، ومطلعها: أحلما نرى أم زمانا جديدا أم الخلق في شخص حي أعيدا ٦ الطلى الأعناق: والغمود جمع غمد وهو جفن السيف. ٧ الهام الرءوس، يقول: أبدا سيوفك تصدر عن هام إلى هام أخرى. ٨ الديوان ٣/ ٢١٧ من قصيدة يمدح فيها بدر بن عمار وقد قصد لعلة، ومطلعها: العد نأي المليحة البخل في البعد ما لا تكلف الإبل
[ ٢ / ٢٢ ]
وقد وقفت على ما شاء الله من أشعار الفحول من الشعراء قديمًا وحديثًا، فلم أجد لأحد منهم في ذكر المرض ما يعد معنىً مخترعًا، لا بل لم أجد من أقوالهم شيئًا مرضيًّا، ما عدا المتنبي، فإنه ذكر المرض في عدة مواضع من شعره فأجاد، وهذا البيت الثاني من هذين البيتين معنىً مخترع له، وقد أحسن فيه كل الإحسان.
ومما ابتدعه بإجماعٍ قوله في مدح عضد الدولة في قصيدته النونية التي مطلعها:
مغاني الشعب طيبًا في المغاني١
قال عند ذكره:
فعاشا عيشة القمرين يحيا بضوئهما ولا يتحاسدان٢
ولا ملكا سوى ملك الأعادي ولا ورثا سوى من يقتلان٣
وكان ابنا عدوٍ كاثراه له ياءي حروف أنيسيان٤
أي: جعل الله ابني عدو كاثراه -يعني ابني عضد الدولة- كياءي حروف تصغير "إنسان"، فإن ذلك زيادة، وهو نقص في المقدار.
إلا أن سبك هذا البيت قد شوهه، وأذهب طلاوة المعنى المندرج تحته.
_________________
(١) ١ ديوان المتنبي ٤/ ٢٥١، وعجز البيت: بمنزلة الربيع من الزمان. وهو مطلع قصيدة يمدح فيها عضد الدولة، وولديه أبا الفوارس وأبا دلف، ويذكر طريقه بشعب بوان، والمغاني: جمع مغنى، وهو المكان الذي فيه أهله، والشعب: هو شعب بوان، وهو موضع كثير الشجر والمياه، يعد من جنان الدنيا، كنهر الإبلة، وسغد سمرقند، وغوطه دمشق، وشعب بوان بأرض فارس بين أرجان والنوبندجان. ٢ يدعو لهما بالبقاء الدائم بقاء الشمس والقمر، ينتفع الناس بضوئهما، ولا يكون بينهما تحاسد، ولا اختلاف. ٣ هذا دعاء لأبيهما بطول الحياة، بقول: لا ملكا ملكك، بل ملك الأعادي، ولا ورثاك، إنما يرثان من يقتلانه من الأعادي. ٤ يقول: عدوك الذي له ولدان وكاثر بهما، كياءين زائدتين في "أنيسيان"؛ لأنه إذا كان مكبرا كان خمسة أحرف، فإذا صغر زيد فيه ياءان في عدده، ونقص في معناه وفخره، فهما زائدتان في نقصه.
[ ٢ / ٢٣ ]
ومن معانيه المبتدعة قوله١:
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
وأحسن من ذلك قوله٢:
صدمتهم بخميسٍ أنت غرته وسمهريته في وجهه غمم٣
فكان أثبت ما فيهم جسومهم يسقطن حولك والأرواح تنهزم
وهذا من أعاجيب أبي الطيب التي برز فيها على الشعراء.
ومن الإحسان في هذا الباب قول بعضهم:
وقد أشق الحجاب الصعب مأربه دوني وآبى ولولجًا فيه إن طرقا
كالطيف يأبى دخول الجفن منفتحًا وليس يدخله إلا إذا انطبقا
ورأيتُ ابن حمدون البغدادي٤ صاحب كتاب "التذكرة" قد أورد هذين البيتين في كتابه، وقال: قد أغرب هذا الشاعر ولكنه خلط، وجرى على عادة الشعراء؛ لأن الطيف لا يدخل الجفن، وإنما يتخيل إلى النفس.
وهذا كلام من لم يطعم من شجرة الفصاحة والبلاغة، وليس مثله عندي، إلا كما يحكى عن ملك الروم، إذ أنشد عنده بيت المتنبي الذي هو:
_________________
(١) ١ الديوان ٣/ ٢٠ من قصيدة في رثاء والدة سيف الدولة، مطلعها: نعد المشرفية والعوالي وتقتلنا المنون بلا قتال ٢ الديوان ٤/ ٢٣ من قصيدة في مدح سيف الدولة، ومطلعها: عقبي اليمين على عقبي الوغى ندم ماذا يزيدك في إقدامك القسم ٣ الخميس: الجيش، والغرة: الوجه. والسمهرية: الرماح، والغمم: كثرة الشعر وإسباله على الوجه. ٤ هو محمد بن الحسن محمد بن علي بن حمدون، من بيت فضل ورياسة، وكان ذا معرفة بالأدب والكتابة، سمع وروى، وصنف كتاب "التذكرة" في الأدب، والنوادر، والتواريخ، وهو كتاب كبير يدخل في اثني عشر مجلدا. اختص بالمستنجد، يجتمع به وينادمه، وولاه ديوان الزمام، توفي محبوسا سنة اثنتين وستين وخمسمائة.
[ ٢ / ٢٤ ]
كأن العيس كانت فوق جفني مناخات فلما ثرن سالا١
فسأل عن المعنى، ففسر له فقال: ما سمعت بأكذب من هذا الشاعر أرأيت من أناخ الجمل على عينه لا يهلكه؟!.
ومن محاسن هذا القسم قول بعضهم:
تخيره الله من آدمٍ فما زال منحدرًا يرتقي
وكذلك قول الآخر:
بأبي غزالٌ غازلته مقلتي بين الغوير وبين شطي بارق٢
عاطيته والليل يسحب ذيله صهباء كالمسك الفتيق لناشق٣
وضممته ضم الكمي لسيفه وذؤابتاه حمائلٌ في عاتقي
حتى إذا مالت به سنة الكرى زحزحته شيئًا وكان معانقي
أبعدته عن أضلعٍ تشتاقه كي لا ينام على وسادٍ خافق
وهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى، ولقد خفت معانيه على القلوب حتى كادت ترقص رقصًا.
والبيت الأخير منه هو الموصوف بالإبداع، وبه وبأمثاله أقرت الأبصار بفضل الأسماع!
_________________
(١) ١ ديوان المتنبي ٣/ ٢٢٢ من قصيدة له في مدح بدر بن عمار ومطلعها: بقائي شاء ليس هم ارتحالًا وحسن الصبر زموا لا الجمالا ومعنى البيت: كنت لا أبكي قبل فراقهم، فكأن إبلهم ببروكها كانت تمسك بكائي ودمعي عن السيل، فلما أثاروها للرحيل سالت دموعي، فكأنها كانت مناخة فوق جفني. ٢ الغوير مواضع، منها ماء لكلب بالسماوة بين العراق والشام، وماء بين العقبة والقاع في طريق مكة، وموضع على الفرات، وبارق ماء بالعراق، وهو الحد من القادسية إلى البصرة، وهي من أعمال الكوفة. ٣ فتق المسك بغيره استخراج رائحته بشيء تدخله فيه.
[ ٢ / ٢٥ ]
ومن هذا الضرب قول بعض المصريين يهجو إنسانًا يقال له: "ابن طليل" احترقت داره:
انظر إلى الأيام كيف تسوقنا طوعًا إلى الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليل قط بداره نارًا وكان هلاكها بالنار
وكذلك ورد قول ابن قلاقس١، من شعراء مصر:
زد رفعةً إن قيل أنغض٢ وانخفض إن قيل أثرى
كالغصن يدنو ما اكتسى ثمرًا وينأى ما تعرى
وهذا من المعاني الدقيقة.
ومن هذا الأسلوب قول الشاعر المعروف بالحافظ في تشبيه البهار٣ وهو:
عيون تبرٍ كأنما سرقت سواد أحداقها من الغسق
فإن دجا ليلها بظلمته ضممن من خوفها على السرق
وهذا تشبيه بديع لم يسمع بمثله، وهو من اللطافة على ما لا خفاء به.
ومن هذا القسم قول بعض المتأخرين من أهل زماننا:
لا تضع من عظيم قدرٍ وإن كن ت مشارًا إليه بالتعظيم
فالشريف العظيم ينقص قدرًا بالتعدي على الشريف العظيم
ولع الخمر بالعقول رمى الخم ر بتنجيسها وبالتحريم
_________________
(١) ١ ابن قلاقس: هو أبو الفتوح نصر بن عبد الله بن قلاقس الإسكندري، رحل إلى اليمن، ومدح بعض رجالها، وعاد بثروة، فانكسر المركب، ففرق ما كان معه بالقرب من دهلك، فعد إلى اليمن، ثم انتقل إلى صقلية، ثم توفي بعيذاب على شاطئ البحر الأحمر من بلاد مصر سنة ٥٦٧هـ. ٢ أنغض إذا تحرك واضطرب، وأنغض رأسه حركة كالمتعجب من شيء. ٣ البهار بالفتح العرار الذي يقال له: عين البقى، وهو بهار البر، وهو نبت جعد له فقاحة صفراء تنبت أيام الربيع، يقال لها: العرارة.
[ ٢ / ٢٦ ]
ومن غريب ما سمعته في هذا الباب قول بعض الشعراء المغاربة يرثي قتيلًا:
غدرت به زرق الأسنة بعدما قد كن طوع يمينه وشماله
فليحذر البدر المنير نجومه إذ بان غدر مثالها بمثاله
وكذلك جاء وصف بعض المغاربة في الخمر وكاساتها:
ثقلت زجاجاتٌ أتتنا فرغًا حتى إذا ملئت بصرف الراح
خفت فكادت أن تطير بما حوت وكذا الجسوم تخف بالأرواح
وهذا معنى مبتدع أشهد أنه يفعل بالعقول فعل الخمر سكرًا، ويروق كما رقت لطفًا، ويفوح كما فاحت نشرًا.
وكذلك ورد قول ابن حمديس الصقلي:
يا سالبًا قمر السماء جماله ألبستني للحزن ثوب سمائه
أضرمت قلبي فارتمى بشرارةٍ وقعت بخدك فانطفت من مائه
وهذا المعنى دقيق جدًا.
وقد سمعت في الخال ما شاء الله أن أسمع، فلم أجد مثل هذا!!
وقد جاءني في الكلام المنثور من هذا الضرب شيء، وسأذكر ههنا منه نبذة.
فمن ذلك ما ذكرته في وصف صورة مليحة، فقلت:
"ألبس من الحسن أنضر لباس، وخلق من طينة غير طينة الناس، وكما زاد حسنًا فكذلك ازداد طيبًا، واتفقت فيه الأهواء حتى صار إلى كل قلب حبيبًا، فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، أو مر على النيلوفر١ ليلًا لتفتحت أحداقه".
_________________
(١) ١ النيلوفر، ويقال: النينوفر، ضرب من الرياحين، ينبت في المياه الراكدة "انظر القاموس ٢/ ١٤٧".
[ ٢ / ٢٧ ]
والمعنى الغريب ههنا أن الشمس إذا طلعت على النيلوفر تفتح أوراقه، وإذا غربت عنه انضم.
ثم إني سمعت هذا في شعر الفرس لبعض شعرائهم، فحصل عندي منه تعجب.
ومن ذلك ما ذكرته في ذم الشيب، فقلت:
"الشيب إعدام للإيسار، وظلام للأنوار، وهو الموت الأول الذي يصلى نارًا من الهم أشد وقودًا من النار، ولئن قال قوم: إنه جلالة فإنهم دقوا به وما جلوا، وأفتوا في وصفه بغير علم فضلوا وأضلوا، وما أراه إلا محراثًا للعمر، ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا، ومن عجيب شأنه أنه المملول الذي يشفق من بعده، والخلق الذي يكره نزع برده، ولما فقد الشباب كان عنه عوضًا، ولا عوض عنه في فقده".
والمعنى المخترع ههنا في قولي: "وما أراه إلا محراثًا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قومٍ إلا ذلوا".
وهو مستنبط من الحديث النبوي، وذاك أن النبي ﷺ رأى آلة حرث، فقال: "ما دخلت هذه دار قوم إلا ذلوا"، فأخذت أنا هذا ونقلته إلى الشيب، فجاء كما تراه في أعلى درجات الحسن، وذلك لما بينه وبين الشيب من المناسبة الشبيهة؛ لأن الشيب يفعل في البدن ما يفعله المحراث في الأرض، وإذا نزل بالإنسان أحدث عنده ذلًّا.
ومن هذا الباب ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الناس أعبث به، فقلت:
"وإذا كتبت مثالبه١ في كتاب اجتمع عليه بنات وردان٢، وحرم علي أن أبدأ فيه بالبسملة؛ لأنها من القرآن".
وهذا معنى لطيف في غاية اللطافة وهو مخترع لي.
_________________
(١) ١ جمع مثلبة وهي العيب والمنقصة، جمعها مثالب، يقال: ثلبه يثلبه لامه وعابه. ٢ بنات وردان دويبات تلزم الكنف كالجعل والصراصير.
[ ٢ / ٢٨ ]
وكذلك كتبت إلى بعض الناس كتابًا من هذا الجنس أهزل معه، فقلت في فصل منه ما أذكره، وهو:
"ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي دون امتداحي، فإني لم أسمه إلا لتحرم به الأضحية في يوم الأضاحي، ولا شك أن سيدنا معدود في جملة الأنعام، غير أنه من ذوات القرون، والقرن عدوه عند الخصام".
وهذا معنى ابتدعته ابتداعًا، ولم أسمعه لأحد من قبلي.
ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن هزيمة الكفار، وذلك فصل منه، فقلت:
"وكانت الوقعة يوم الأحد منتصف شهر كذا وكذا، وهذا هو اليوم الذي تخيره الكفار من أيام الأسبوع، ونصبوه موسمًا لشرع كفرهم المشروع، فحصل ارتيابهم به إذ تضمن للإسلام مزيدًا، وقالوا: هذه يوم قد أسلم، فلا نجعله لنا عيدًا، وقد أفصح لهم لسانه كما لو كانوا يعلمون، بأن الدين عند الله هو الإسلام، وأن أولياءه هم المسلمون".
وهذا معنى انفردت بابتداعه، ولم يأت به أحد ممن تقدمني.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، وهو في وصف القلم، فقلت:
"وقلم الديوان العزيز هو الذي يخفض ويرفع، ويعطي ويمنع وهو المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه، وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع، ومن أحسن صفاته أن شعاره من شعار مولاه، فهو يخلع على عبيده من الكرامة ما يخلع".
في هذه الأوصاف معانٍ حسنة لطيفة، ومنها معنى غريب لم أسبق إليه، وهو قولي: "إنه المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه، وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع"، فإن هذا مما ابتكرته.
[ ٢ / ٢٩ ]
وهو مستخرج من الحديث النبوي في ذكر الطاعة والجماعة، فقال -ﷺ: "أطع ولو عبدًا حبشيًا مجدعًا ما أقام عليك كتاب الله"، فاستخرجت أنا للقلم معنى من ذلك، وهو أن القلم يجدع، ويقمص لباس السواد، فصار حبشيًّا أجدع.
وهذا كما فعل أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في قصيدته السينية١، فإنه استخرج المعنى المخترع من القرآن الكريم، وأنا استخرجت المعنى من الخبر النبوي كما أريتك.
وهذا المعنى المشار إليه في وصف القلم أوردته بعبارة أخرى على وجه آخر، ونبهت عليه في كتاب "الوشي المرقوم في حل المنظوم"، وهذا كتاب ألفته في صناعة حل الشعر وغيره.
وبعد هذا فسأقول لك في هذا الموضع قولًا لم يقله أحد غيري، وهو أن المعاني المبتدعة شبيهة بمسائل الحساب المجهول من الجبر والمقابلة، فكما أنك إذا وردت عليك مسألة من المجهولات تأخذها، وتقلبها ظهرًا لبطن، وتنظر إلى أوائلها وأواخرها، وتعتبر أطرافها وأوساطها، وعند ذلك تخرج بك الفكرة إلى معلوم، فكذلك إذا ورد عليك معنى من المعاني ينبغي لك أن تنظر فيه كنظرك في المجهولات الحسابية!
إلا أن هذا لا يقع في كل معنى، فإن أكثر المعاني قد طرق وسبق إليه، والإبداع إنما يقع في معنى غريب لم يطرق، ولا يكون ذلك إلا في أمر غريب لم يأت مثله، وحينئذ إذا كتبت فيه كتاب أو نظم فيه شعر، فإن الكاتب والشاعر يعثران على مظنة الإبداع فيه.
_________________
(١) ١ يشير إلى قوله: لا تنكروا ضربي له من دونه مثلا شرودا في الندى والباس فالله قد ضرب المقل لنوره مثلا من المشكاة والنبراس وقد سبق الاستشهاد به في معرض الكلام عن معانيه المبتدعة.
[ ٢ / ٣٠ ]
وقد لابست ذلك في مواضع كثيرة، وسأورد ههنا ما يحذى حذوه لمن استطاع إليه سبيلًا.
ومن ذلك ما كتبته عن نفسي إلى بعض ملوك الشام، وأهديت إليه رطبًا، وهو:
"خلد الله دولة مولانا، وعمر لها مجدًا وجنانًا، وخولها السعادة عطاء حسابًا، وأنشأ الليالي لخدمتها عربًا أترابًا١، وأبقى شبيبتها بقاءً لا يستحدث معه خضابًا، ولا جعل لها في محاسن الدول السابقة أشباهًا ولا أضرابًا، وألقى اليأس بين أعدائها، وحسادها حتى يبعث لهم في الأرض غرابًا.
"إذا أراد العبيد أن يهدوا لمواليهم قصرت بهم يد وجدهم، وعلموا أن كل ما عندهم من عندهم، لكن في الأشياء المستطرفة ما يهدي، وإن كان قدره خفيفًا، ولولا اختلاف البلاد فيما يوجد بها لما كان شيء من الأشياء طريفًا".
"وقد أهدى المملوك من الرطب ما يتجلى في صفة الوارس، ويزهى بحسنه حتى كأنه لم يدنس بيد لامس، وما سمي رطبًا إلا لاشتقاقه من الرطب الذي هو ضد اليابس.
"وقد أثنى رسول الله ﷺ عليه ثناء جمًّا، وفضل شجرته على الشجر بأن سماها أما، ولئن عدم عرفا لذيذًا فإنه لم يعد منظرًا لذيذًا ولا طعمًا، وله أوصاف أخرى هي لفضله بمنزلة الشهود، فمنها أنه أول غذاء يفطر عليه الصائم، وأول غذاء يدخل بطن المولود".
"وأحسن من ذلك أنه معدود من الحلواء، وإن كان من ذوات الغراس، ولا فرق بينهما سوى أنه من خلق الله، وتلك من خلق الناس".
_________________
(١) ١ العرب جمع العروب من النساء بوزن العروس، وهي المتحببة إلى زوجها، والأتراب جمع ترب بكسر التاء اللدة والسن ومن ولد معك، اقتباس من قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا، لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [سورة الواقعة، الآيات: ٣٥-٣٨] .
[ ٢ / ٣١ ]
"وإذا أنصف واصفه، قال: ما من ثمرة إلا وهي عنه قاصرة، ولو تفاخرت البلاد بمحاسن ثمارها لقامت أرض العراق به فاخرة.
"وها قد سار إلى باب مولانا، وهو مجنى المنابت سار إلى مجنى الكرم، وملك الفاكهة وفد على ملك الشيم".
"ولما استقلت به الطريق أنشأ الحسد لغيره من الفواكه أربًا، وما منها إلا من قال: يا ليتني كنت رطبًا".
"ولئن كان من الثمرات التي تختلف في الصور والأسماء، ويفضل بعضها على بعض، ويسقى بشراب واحد من الماء، فكذلك تلك الشيم العريقة تتحد في عنصرها، وهي مختلفة الوتيرة، ومن أفضلها شيمة السماح التي تقبل القليل من عبيدها، وتسمح لهم بالعطايا الكثيرة، وقد ضرب لها المملوك مثالًا، فقال هي كجنة بربوة١، بل ضرب لها ما ضرب من للمثل النبوي، وهي نخلة بكبوة٢.
"ولا يختم كتابه بأحسن من هذا القول الذي طاب سمعًا، وزكا أصلًا وفرعًا، وتصرف في أساليب البلاغة، فجاء به وترًا وشفعًا، والسلام".
وهذا كتاب غريب في معناه، وقد اشتمل على معان كثيرة:
فمن جملتها أن الرطب مشتق من "الرطب" الذي هو ضد "اليابس".
ومن جملتها أن النبي ﷺ سمى النخلة أما، فقال: "أمكم النخلة".
ومن جملتها أنه كان ﷺ يفطر على رطبات، فإن لم يجد فتمرات.
ومن جملتها أنه كان يلوك التمرة، ويحنك بها المولود عند ميلاده، ولما ولد عبد الله بن الزبير جاءت أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ووضعته في حجر رسول الله ﷺ، فلاك تمرة ووضعها في فيه.
_________________
(١) ١ مأخوذ من تشبيه القرآن: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٦٥] . ٢ سيأتي هذا المثل النبوي في الصفحة التالية عند إيراد نص الحديث.
[ ٢ / ٣٢ ]
ومن جملتها أنه والحلواء شيء واحد إلا أنه من خلق الله، وتلك من خلق الناس.
ومن جملتها أن العباس ﵁ قال: "يا رسول الله، إن قريشًا تذاكرت أحسابها، فضربوا لك مثالًا بنخلة بكبوة١.
وكل هذه المعاني حسنة واردة في موضعها، ومن كتب في معنى من المعاني، فليكتبه هكذا، وإلا فليدع.
ومن ذلك رقعة كتبتها إلى بعض حجاب السلطان في حاجة عرضت لي، وأرسلت معها هدية من ثياب ودراهم، وهي:
ما من صديق، وإن صحت صداقته يومًا بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثم بالمنديل منطلقًا لم يخش نبوة بوابٍ ولا غلق
"الهدية مشتقة من الهدى، غير أنها ترف إلى القلب لا إلى الندى، وصهارتها أنفع من الصهارة، وكلما ترددت كانت بكرًا فهي لا تنفك عن البكارة، ومن خصائصها أنها تمسك بمعروف أمن من السراح، وإذا رامت فتح باب لا تفتقر في علاجه إلى مفتاح، وقد قيل: إنها الحسناء المتأنقة في عمارة بيتها، التي توصف بأن القنديل يضيء بزيتها".
"وقد أرسلتها إلى المولى وهي تتهادى في إعجابها، وتدل بكثرة دراهمها وثيابها، وتقول: أنا الكريمة في قومها الشريفة في أنسابها".
"وأحسن ما فيها أنها جاءت سرًا، لم تعلم بها اليد اليمنى من اليسرى".
_________________
(١) ١ ذكر صاحب اللسان أن ناسا من الأنصار قالوا للنبي -ﷺ: إنا نسمع من قومك: إنما مثل محمد كمثل نخلة تنبت في كبا، قال: هي بالكسرة والقصر الكناسة، وجمعها "أكبا" وفي الحديث عن العباس أنه قال: قلت: يا رسول الله إن قريشا جلسوا، فتذاكروا أحسابهم، فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة من الأرض. قال شمر: قوله "في كبوة" لم نسمع فيها عن علمائنا شيئا، ولكنا سمعنا الكبا والكبة، وهو الكناسة والتراب الذي يكنس من البيت، انظر لسان العرب ٢٠/ ٧٧.
[ ٢ / ٣٣ ]
"فخذها يا مولاي واكشف عن نقابها، وأمط عنها جلبابها، وقد كانت منك حرة، وهي الآن في حيز المملكة، ومن السنة في مثلها أن تؤخذ بالناصية، ويدعى بالبركة، والسائر بها فلان وهو في الجهل بها حامل أسفار، وناقل لها من دار إلى دار، ولربما نطق لسان حالها الذي هو أفصح من نطق اللسان، وأذكرت بحاجة مرسلها، وحاش فطانة الكريم من النسيان، وليس المطلوب إلا فضيلة من الجاه تسفر بين السائل والمسئول، وتنقل البعيد إلى درجة القريب، والممنوع إلى درجة المبذول، فإذا فعل المولى ذلك كان له منة السفارة ومنة الإنعام، وإن سمع بأن سعيًا واحدًا فاز بشكرين اثنين، ففي مثل هذا المقام ومن الناس من يقول: ليس على جانب السلطان ثقل في صنعه، وهل ههنا إلا كلمات تقال، والكلام ماعونٌ لا رخصة في منعه، ولم يدر أن ملاطفة الخطاب ضرب من الاحتيال، وأن نقل الخطوات فيه أثقل من نقل الجبال، وأن صاحب الحاجة يحظى بحلاوة النجاح، والحاجب يلقى مرارة السؤال".
وهذا يقوله الخادم إيجابًا لإحسان المولى الذي هو إحسان شامل، ولا يعلمه إلا عالم بفضله ولا يجهله إلا جاهل، والله تعالى يجعل الحاجات مغدوقة ببابه، حتى لا تنفك في الدنيا من إمداد شكره، وفي الآخرة من إمداد ثوابه، والسلام".
فتأمل أيها الناظر في كتابي هذا إلى ما اشتملت عليه هذه الرقعة من المعاني حتى تعلم كيف تضع يدك فيما تكتبه!
ومن ذلك رقعة أخرى كتبتها في هذا المعنى المتقدم ذكره، وأرسلت معها هدية من المسك، وهي:
"الهدية رسول يخاطب عن مرسله بغير لسان، ويدخل على القلوب من غير استئذان، وقد قيل: أخت السحر في ملاطفة قصدها، غير أنها لا تحتاج إلى نفثها ولا إلى عقدها١، وما من قلب إلا وصورتها تجلي عليه في سرقة٢، ولولا شرف
_________________
(١) ١ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [سورة الفلق: الآية: ٤]، والنفاثات النساء، أو النفوس أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط، وينفثن عليها ويرقين، والنفث النفخ مع ريق. ٢ السرقة واحدة السرق بفتحتين شقق الحرير الأبيض، أو الحرير عامة.
[ ٢ / ٣٤ ]
مكانها لما حللت للنبي -ﷺ- مع تحريم الصدقة، ولها صفات غير هذه كريمة الأخطار حسنة لدى الأسماع والأبصار، ومن أحسنها أنها تستجد ودا، وتجعل قربًا ما كان بعدًا، وتقول لنا الإجنة: "يا نار كوني بردًا، ولهذا"، قيل: تهادوا تحابوا، ولا شك أنها وصلة بين المودات، فإذا تواصل الناس تقاربوا".
وقد أرسل الخادم منها شيئًا إذا كتمه ذاع، وإذا خزنه ضاع، وقد شبه به الجليس الصالح بعدد أسباب الانتفاع، ومما زاد مزية على مزيته أنه وشيم المولى توأمان، غير أن شيمته تنتمي إلى كرم محتدها، وهو ينتمي إلى سرر الغزلان، فإذا ورد على مجلسه قيل: هذا عطر ورد على جونة١ عطار، وعرف له حق المشاركة، فإن أدنى الشرك في الشيم جوار، وقد نطق الخبر النبوي بأنه أحد الثلاثة التي لا ترد على من أهداها، وإذا نظر إلى محصول بقائها وفائدتها، وجد أطولها عمرًا وأجداها، وهذا يحكم على المولى بقبول ما استرسل الخادم في إرساله، وإذا سأل غيره في قبول هديته كفاه نص الخبر مؤنة سؤاله والسلام".
وهذه الرقعة أحسن من التي قبلها.
فمما اشتملت عليه من المعاني قولي: "وما من قلب إلا وصورتها تجلى عليه في سرقة، ولولا شرف مكانها لما حللت للنبي -ﷺ- مع تحريم الصدقة".
وهذان المعنيان مستخرجان من خبرين نبويين:
أحدهما أن النبي -ﷺ- قال: "جاءني جبريل ﵇ ومعه سرقة من حرير -يعني حريرة بيضاء- وفيها صورة عائشة -﵂- وقال: "هذه زوجتك في الدنيا والآخرة".
والخبر الآخر: أن النبي -ﷺ- قال: "حرمت علي الصدقة، وأحلت لي الهدية".
ومما اشتملت عليه أيضًا قولي: "وقد أرسل الخادم منها شيئًا إذا كتمه ذاع، وإذا
_________________
(١) ١ الجونة سليلة مستديرة مغشاة أدما تكون مع العطارين.
[ ٢ / ٣٥ ]
خزنه ضاع"، وهذه مغالطة حسنة؛ لأن المسك إذا كتم ذاعت رائحته، وإذا خزن ضاع: أي فاح، ويقال: ضاع الشيء، إذا ذهب، فالمغالطة ههنا في الجمع بين الضدين.
وكذلك قولي: "وقد شبه الجليس الصالح"، وهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضًا، وذاك أنه قال -ﷺ: "مثل الجليس الصالح مثل حامل المسك، إما أن يحذيك ١، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه عرفًا طيبًا ومثل جليس السوء مثل نافخ الكير، إما أن يحرق ثوبك، وإما أن تجد منه رائحةً كريهةً".
ومما اشتملت عليه من المعاني أيضًا قولي: "إنه أحد الثلاثة التي لا ترد على من أهداها".
وهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضًا، وهو قوله -ﷺ: "ثلاثةٌ لا ترد: الطيب، والريحان، والدهن".
ومن ذلك رقعة كلفني بعض أصدقائي إملاءها عليه، وهي رقعة من عاشق إلى معشوق، وهي:
وإذا قيل من تحب؟ تخطاك لساني، وأنت في القلب ذاكا.
"يا من لا أسميه، ولا أكنيه، وأذكر غيره وهو الذي أعنيه، لا تكن ممن أوتي ملكًا فلم ينظر في زواله، وعرف مكانه من القلوب فجار في إدلاله، ولا تغتر بقول رأى الحسن إساءة للإساءة ماحيًا، واعلم أن اللاحي: يقول: كفى بالتذلل لاحيًا، وكثيرًا ما يزول العشق بجنايات الصدود، والزيادة في الحد نقصان في المحدود".
"وقد قيل: إن الحسن عليه زكاة كزكاة المال، وليست زكاته عند علماء المحبة إلا عبارة عن الوصال، وهذه صدقة تقسم على أربابها، ولا ينتظر أن يحول الحول في
_________________
(١) ١ الحذرة -بالكسرة- العطية.
[ ٢ / ٣٦ ]
إيجابها، فهي مستمرة على تجدد الأيام، والمستحقون لها قسمٌ واحد، ولا يقال: إنهم ثمانية أقسام، وهؤلاء هم المخصوصون بفك الرقاب، ورقبة العشق أشد أسرًا من رقبة تتحرر بالكتاب، فأخرج يا مولاي من هذا الحق الواجب، وإلا فتأت لطالب منى ومطالب، ولا تقل هذا غريم أكثر عد الليالي في مطله، وأعده والمواعيد زاد لمثله، فهذه سلعة قد عاملته بها مرة ساخرًا! ومرة ساحرًا، ومن الأقوال السائرة أن الغر تجعله التجربة ماهرًا، ولعمري إن ممارسة الحب تجدد لصاحبه علمًا، وتبصره وإن كان كما يقال: أعمى، وقد كذب القائل:
عرضن للذي تحب بحبٍ ثم دعه يروضه إبليس
فإن كانت الرياضة كما قيل: لإبليس فما أراه صنعًا في الذي صنع، وأراك استعصيت عليه استعصاء القارح١، وأنت جذع٢، ولا شك أنك تهدم ما يشيده من البناء، أو أنك مستثنىً في جملة من دخل في حكم الاستثناء، وأنا الآن له عائب، وعليه عاتب فأين نفثاته التي هي أخدع الحبائل؟، وأين قوله: لآتينهم عن الأيمان والشمائل؟، وأين جنوده المسترقة ما في السماء، التي تجري من بني آدم مجرى الدماء؟، وكل هذا قد بطل عندي خبره، كما بطل عندي أثره، فإن أدركته النخوة بأني استهزئ بتصديق أفعاله، فليحلل معقول حاجتي هذه، حتى أعلم أنه قادر على حل عقاله، وإلا فليخف رأسه، وليمح وسواسه، وإن كان له عرش على البحر، فليقوض من عرشه، وليعلم أن السحر ليس في عقده ونفثه، ولكنه في الأصفر ونقشه.
"وها أنا قد بعثت منه ما يجعل الحزم محلولًا، والود مبذولًا وما أقول: إلا أني بعثت معشوقًا إلى معشوق، وكلاهما محله القلب، بل القلب من حبهما مخلوق، وما أكرمه وهو وسيلة إلى مثله، وحسنه من حسنه، وإن لم يكن شكله من شكله، وما وصفه
_________________
(١) ١ القارح المسن، وقرح الحافر انتهت أسنانه، وإنما ينتهي في خمس سنين؛ لأنه في السن الأولى حولى، ثم جذع، ثم ثنى، ثم رباع، ثم قارح، والمراد هنا الكبير صاحب التجربة. ٢ الجذع الشاب الحدث.
[ ٢ / ٣٧ ]
واصف إلا كان ما رآه منه فوق ما رواه، ومن أغرب أوصافه، وأحسنها أنه لم ير ذو وجهين وجيهًا سواه، لا جرم أنه إذا سفر في أمر تلطف في فتح أبوابه، وتناول وعره فبدله بسهله، وبعده فبدله باقترابه، ولو بعثت غيره لخفت ألا يكون في سفارته صادقًا، أو أنه كان يمضي سفيرًا ويعود عاشقًا، فليس على الحسن أمانة، وفي مثاله تعذر الخيانة، ولا لوم على العقول إذا نسيت هناك عزيمة رشدها، ورأت ما لا يحتمله كاهل جهدها، ومن الذي يقوى درعه على تلك السهام، أو يروم النجاة منها وقد حيل بينه، وبين المرام وهذا الذي منعني أن أرسل إلا كيسًا وكتابًا، فأحدهما يكون في السفارة والآخر على السر حجابًا، والسلام إن شاء الله تعالى!
وفي هذه الرقعة من المعاني الغريبة ما أذكره:
فالأول: ما ذكرته في قسم الصدقات، وفك الرقاب.
والثاني: ما ذكرته في وصف الدينار، وهو أنه وجيه ذو وجهين، وقال النبي -ﷺ: $"ذو الوجهين لا يكون وجيهًا".
وهذا معنى لم يسبقني أحد إليه.
وقد وصف الحريري الدينار في مقامة من مقاماته١، ولم يظفر بهذا المعنى، ولا جاء من الأوصاف التي ذكرها بمثله.
والثالث أني بعثت معشوقًا إلى معشوق!
"كتاب في التعزية بوفاة زوجة بعض الملوك وولدها":
ومن ذلك ما كتبته، وكان توفيت زوجة بعض الملوك، وتوفي معها ولد لها، وهو طفل صغير، وكان بينهما يومان، وتلك المرأة بنت ملك من الملوك أيضًا، فكتب إليه
_________________
(١) ١ يشير إلى المقامة الثالثة، وهي "المقامة الدينارية"، مقامات الحريري ٢٥، وهي تضمن مدح الدينار وذمه.
[ ٢ / ٣٨ ]
من "في" الأطراف المجاورة يعزونه، وحضر عندي بعض الأدباء ممن يجب أن يكون كاتبًا، وعرض علي نسخة ما كوتب به ذلك الملك في التعزية بزوجته وولدها، فوجدتها كتبًا باردة غثة، لا تعرب عن الحادثة، بل بينها وبينها بعد المشرقين، ومن شرط الكتابة أن يكون الكتاب مضمنًا فض المعنى المقصود.
والتعازي مختلفة الأنحاء: فتعازي النساء غير تعازي الرجال، وهي من مستصعبات فن الكتابة والشعر، وتعازي الرجال أيضًا تختلف، فلا يعزى بالميت على فراشه، كما يعزى بالميت قتيلًا، ولا يعزى بالقتيل كما يعزى بالغريق.
وهكذا يجري الحكم في المعاني جميعها، وهذا شيء لا يتنبه له إلا الراسخون في هذا الفن من أرباب النثر والنظم.
وسألني ذلك الرجل عن هذه التعزية المشار إليها في المرأة وولدها الصغير، وقال: "أحب أن أعلم كيف تكون"؛ فأمليت عليه ثلاثة كتب، كل كتاب يتضمن معنى لا يتضمنه الكتاب الآخر.
فمما جاء منها كتاب أنا ذاكره ههنا، وهو:
أشجى التعازي ما أتبع فيه المفقود بمفقود، لا سيما إذا جمع بين سعد الإخبية١ وسعد السعود٢، وكل منهما يعظم حزنًا كما يعظم مكانًا، وهذا يحسر عن الوجوه خمرًا، وهذا يلقي عن الرءوس تيجانًا، ولم يوفهما حقهما من بكى ولا من ندب، ولا من شعر ولا من كتب، وليت فدى أحدهما بصاحبه، فعاش درهما المفدى بالذهب:
_________________
(١) ١ من نجوم منازل القمر التي يتنقل فيها؛ والناس مختلفون فيه، فمنهم من يقول: إنه كوكب واحد حوله ثلاثة كواكب مثلثة تشبه رجلا بطة، والكوكب هو السعد، والثلاثة الخباء، ومنهم من يجعل الكوكب الذي في وسط الثلاثة عمود الخباء، وسمي "سعد الأخبية" لخروج المخبثات فيه من الثمار والحشرات، وكانت العرب تتبرك به لاخضرار العود فيه. ٢ سعد السعود كذلك من نجوم منازل القمر، وعدته كوكبان، وقيل: هو ثلاثة كواكب: أحدها نير؛ والآخران دونه في النور.
[ ٢ / ٣٩ ]
ولو كان خطبًا واحدًا خف كلمه ولكنه خطبٌ أعيد على خطب
"وقد أصدر الخادم كتابه هذا، ومن حقه أن يخرج في ثوب من الحداد، وأن يتعثر في أذيال كلمه، والكتاب عنوان الفؤاد، وغاية ما يقول: أحسن الله عزاء المجلس السامي الملك الأجل السيد، على أن هذا الدعاء قد شهدت الحال بلحنه، وكيف يملك قلبه عزاء، وقد أوثقه الهم في سجنه، وصار له ولدًا دون ولده، وخدنًا دون خدنه، لكن يدعى له بامتداد البقاء، وأن تعامله الحوادث بعد هذه معاملة الإبقاء".
"ثم نتبع ذلك بطلب الجنة لمن نقلته المنايا عن أرائك الخدور، وجعلته في بطون القبور، ولمن فاجأت الأيام غصنه فقصفته، ولم يعش حتى عرف الدنيا ولا عرفته، فواهًا لهما وقد نزلا بمنزل عديم الإيناس، وإن كان مأهولًا بأكثر الناس، فهو القريب دارًا، البعيد مزارًا، الذي حجب من اليأس بأمنع حجاب، وذهب عن الوجوه المنعمة لذل التراب، فمن كان مسعدًا للمجلس، فليأخذ بوله الجزع لا بعزيمة الاصطبار، وليقل: هذا حادث بان فيه تحامل الأقدار، وجرت همومه مجرى الخواطر من القلوب والرقاد من الأبصار، فالأسوة -إلا فيه- معدودة من الإحسان، والسلوة -إلا عنه- داخلة في حيز الإمكان".
"والخادم أولى من لقي المجلس فيه بالإسعاد، وقام بما يجب من قضاء حق الوداد، وفعل ما يفعله القريب الحاضر، وإن كان على شقة من البعاد، وقد أرسل من ينوب عنه في التعزية، وإن لم يكف فيها المناب، وكما رخص العذر في قصر الصلاة، فكذلك رخص في الاقتصار على الرسول والكتاب، وقد ورد لو حضر بنفسه، فاستسقى لذلك الضريح سحابًا، وعقر عنده ركابًا، وسأل الله مغفرة وثوابًا والسلام".
في هذا الكتاب معنى غريب، وهو قولي: "سعد الأخبية" كناية عن المرأة و"سعد السعود" كناية عن ولدها؛ لأن "سعد الأخبية" اسم منزلة من منازل القمر، و"الأخبية": جمع "خباء"، ومن شأن المرأة أن تحتجب في الأخبية، فهي سعدها،
[ ٢ / ٤٠ ]
وهذا من المعاني الغريبة في مثل هذا المقصد، وقد اتفق "سعد الأخبية" و"سعد السعود" معًا، وهذا أيضًا غريب.
كتاب عن الملك الأفضل إلى أخيه الملك الظاهر غازي:
ومن ذلك أني كتبت كتابًا عن الملك الأفضل، "علي بن يوسف" إلى أخيه الملك الظاهر "غازي بن يوسف" صاحب حلب، في أمر شخص كان أبوه صاحب
مدينة "تكريت"١، وهذه تكريت كان يتولاها قديمًا الأمير أيوب٢ جد الملك
الأفضل والملك الظاهر، وأولد بها ولده صلاح الدين يوسف أباهما، وعلى عقب ولادته انتقل والده عن تكريت هو، وعشيرته لأمر طرأ لهم٣، وجاء إلى الموصل، ثم إلى الشام، وهناك سعدوا وكانت السعادة على يد صلاح الدين يوسف.
فلما أردت أن أكتب هذا الكتاب علمت أنه مظنة المعاني المبتدعة؛ لأن الأمر المكتوب فيه غريب لم يقع مثله، فحينئذ كبتت هذا الكتاب، وهو:
رفع الله شأن مولانا الملك الظاهر، ولا زال الدهر فاخرًا بمآثر سلطانه، ناظمًا مناقبه في جيده ومحامده في لسانه، ناسخًا بمساعي دولته ما تقدم من مساعي آل
_________________
(١) ١ تكريت بفتح التاء، والعامة بكسرها، بلد مشهور بين بغداد والموصل، وبينها وبين بغداد ثلاثون فرسخا في غربي دجلة، ولها قلعة حصينة أحد جوانبها إلى دجلة. ٢ هو نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان الملقب "الملك الأفضل"، وهو والد الملوك صلاح الدين، وسيف الدين وشمس الدولة، وسيف الإسلام وشاه شاه وتاج الملوك يوري وست الشام، وربيعة خاتون، وأخو الملك أسد الدين، شب به فرسه عند باب النصر -أحد أبواب القاهرة- فألقاه في وسط المحجة، فحمل إلى داره، وكانت وفاته سنة ٥٦٨هـ. ٣ ذلك الأمر أن أخاه أسد الدين كان قد قتل رجلا، فأمسكه أخوه نجم الدين أيوب، وأعتقه، وكتب إلى بهروز وعرفه صورة الحال ليفعل به ما يراه، فوصل إليه جوابه: لأبيكما على حق، وبيني وبينه مودة متأكدة، فما يمكنني أن أكافئكما بحالة سيئة تصدر مني في حقكما، ولكن أشتهي منكما أن تتركا خدمتي، وتخرجا من بلدي وتطلبا الرزق حيث شئتما، فلما وصل إليهما الجواب ما أمكنهما المقام بتكريت، فخرجا منها، ووصلا إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي.
[ ٢ / ٤١ ]
بويه١ وآل حمدانه٢،كتاب الخادم هذا واردٌ من يد الأمير شمس الدين بن صاحب تكريت، وهي أول أرض مس جلد الوالد ترابها، ورقمت بها السعادة على جبينه كتابها، ومنها ظهر نور البيت الأيوبي مشرقًا، وأشام إذا خرج معرقًا، وكفاه بذلك وسيلة يكتنفها الإحسان والإرعاء، ويكفي صاحبها أن يقول: لا أسقي حتى يصدر الرعاء، وقد قرنها بوسيلة قصد الخدمة التي توجب لقاصدها ذمامًا، وتقول له: سلامًا إذا قال: سلامًا، ثم ثلث هاتين الوسيلتين بكتاب الخادم أخذًا بالسنة النبوية في الدعاء وعدده، وتفاؤلًا بتثليث النجوم فيما يقصده المرء من سعادة مقصده، ولا قدح في كرم الكريم إذا استكثر طالبه من الأسباب، فإن الله على كره قد استكثر إليه من أعمال الثواب.
"وكتاب الخادم على انفراده كافٍ لحامله، ومكثر من حقوق وسائله، وقد صدر مخاطبًا عن فحوى ضميره، فإنما تحق السفارة إذا قعد بكل طالبٍ سعي سفيره، وهو مع
_________________
(١) ١ آل بويه من الفرس، وجدهم الأقرب الذي أسس دولتهم أسمه "بويه"، ولقبه أبو شجاع، وكان له ثلاثة أولاد: علي، ويلقب عماد الدولة، وحسن، ويلقب ركن الدولة، وأحمد، ويلقب معز الدولة، جاءوا إلى بغداد سنة ٣٣٤هـ فرحب بها المستكفي، وخلع عليهم ولقبهم بتل الألقاب، وجعل معز الدولة أمير الأمراء، فاستبدوا في المملكة، واستولوا على الخلافة، وعزلوا الخلفاء وولوهم، فرفعوا منار الشيعة، وأحيوا معالمها، وأضعفوا نفوذ الأتراك، وامتدت سلطة البويهيين على العراق وفارس، والخراسان إلى سنة ٤٤٧هـ، وكانوا يحبون العلم والأدب، ولا يستوزرون أو يستكتبون إلا العلماء والشعراء والكتاب، فكان أشهر أدباء ذلك العصر من وزرائهم أو أعمالهم، أو قضاتهم أو كتابهم كابن العميد، والصاحب بن عباد وسابور بن أزدشير المهلبي، فضلا عن الأدباء من العمال، والقضاة وكتاب الدولة، على أن ملوك بني بويه أنفسهم اشتهر منهم غير واحد في الأدب والشعر. ٢ الدولة الحمدانية دولة عربية من قبيلة تغلب بجوار الوصل، جدها حمدان كان له شأن في تلك الديار، واستولى ابنه محمد بن حمدان على ماردين، فأخرجه منها الخليفة المعتضد، وتولى أخوه أبو الهيجاء بن حمدان أمير على الموصل، وما يليها سنة ٢٩٢هـ واشتد ساعده، وزادت قوة الحمدانيين في ذلك الحين، وصاروا دولة حكم منها أربعة أمراء في الموصل، وخمسة في حلب، حتى خرجت الموصل منهم إلى البوثيين سنة ٣٨٠هـ، واستولى الفاطميون على حلب سنة ٣٩٤هـ، وأشهر بني حمدان في نصرة العمل، والأدب سيف الدولة - أبو الحسن علي- صاحب حلب من سنة ٣٣٣ إلى سنة ٣٥٦هـ.
[ ٢ / ٤٢ ]
ذلك خفيفة صفحته، وجيزة لمحته، وإذا وجد لدى مولانا معولًا، فليس عليه أن يرد مطولًا إذ التعويل على نجح مصدره، لا على كثرة أسطره".
فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكتاب، وأعطه حقه من التأمل، حتى ترى ما اشتمل عليه من المعاني، وانظر كيف ذكرت الأول، ثم الثاني، ثم الثالث.
أما المعنى الأول: فإنه يختص بذكر سعادة البيت الأيوبي ومنشئها، وأنها ولدت بتكريت، وهذا الرجل ينبغي أن يرعى بسببها، إذ كان أبوه صاحبها.
وأما المعنى الثاني: فإنه قصد الخدمة الظاهرية، وهذا وسيلة ثانية توجب له ذمامًا.
وأما المعنى الثالث: فإنه حرمة الكتاب الصادر عن يده.
ثم إني مثلت ذلك بالدعاء النبوي وبتثليث النجوم، فإن النبي -ﷺ- كان إذا دعا دعا ثلاثًا.
وإنما مثلت ذلك بالدعاء لأمرين:
أحدهما أنه موضع سؤال وضراعة.
والآخر: أن الكتاب وسيلة ثالثة، والدعاء ثلاث مرار.
وأما تثليث النجوم، فإن التثليث سعد، والتربيع نحس.
وأحسن المعاني الثلاثة التي تضمنها هذا الكتاب هو الأول والثالث، وأما الثاني فإنه متداول.
فتأمل ما أشرت إليه، وإذا شئت أن تكتب كتابًا، فافعل كما فعلت في هذا الكتاب، إن كان الأمر الذي تكتب فيه غريب الوقوع.
واعلم أنه قد يقع المعنى المبتدع في غير أمر غريب الوقوع، وذلك يكون قليلًا بالنسبة إلى الوقائع الغريبة التي هي مظنة المعاني المبتدعة.
[ ٢ / ٤٣ ]
ومن هذا الباب ما أوردته في جملة رسالة طردية في وصف قسي البندق وحامليها: وهو:
"فإذا تناولوها في أيديهم قيل: أهلةٌ طالعةٌ من أكف أقمار، وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قيل: منايا مسوقة بأيدي أقدار، وتلك قسي وضعت للعب لا للنضال، ولردى الأطيار لا لردى الرجال".
"وإذا نعتها ناعت قال: إنها جمعت بين وصفي اللين والصلابة، وصنعت من نوعين غريبين فحازت معنى الغرابة، فهي مركبة من حيوان ونبات، مؤلفة منهما على بعد الشتات، فهذا من سكان البحر وسواحله، وهذا من سكان البر ومجاهله".
"ومن صفاتها أنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشد، ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وترد، ولها نثار أحكم تصويرها، وصحح تدويرها، فهي في لونها صندلية١ الإرهاب، وكأنما صيغت لقوتها من حجر لا من تراب، فإذا قذفتها إلى الأطيار قيل: ويصعد من الأرض من جبال فيها من برد، ولا يرى حينئذ إلا قتيل، ولكن بالمثقل الذي لا يجب في مثله قود٢، فهي كافلة من تلك الأطيار بقبض نفوسها، منزلة لها من جو السماء على أم رءوسها".
هذا الفصل يشتمل على معان غريبة:
منها قولي: "إنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشتد، ولا تنطلق إلا حين تعطف وترد".
ومنها قولي: "ويصعد من الأرض من جبال فيها من برد".
وكل هذا من المعاني التي تبتدع بالنظر إلى المقصد المكتوب فيه، فإن الكاتب إذا فكر فيما لديه وتأمله، وكان قادرًا على استخراج المعنى، والمناسبة بينه وبين مقصده جاء
_________________
(١) ١ منسوبة إلى الصندل، خشب أجود الأحمر أو الأبيض. ٢ القود بفتحتين القصاص.
[ ٢ / ٤٤ ]
هكذا كما تراه، إلا أن القادر على ذلك من أقدره الله عليه، فما كان خاطر بحكيم، ولا كل من أوحى إليه بكليم، وفي الأقلام هاشم لمن ناوأه، ومنها هشيم!
وسأنبه في هذا الموضع على طريق يسلك إلى شيء من المعاني المخترعة، وهو ما استخرجته، وانفردت باستخراجه دون غيري، فإن المعاني المخترعة لم يتكلم فيها أحد بالإشارة إلى طريق يسلك فيها؛ لأن ذلك مما لا يمكن، ومن ههنا أضرب علماء البيان عنه، ولم يتكلموا فيه كما تكلموا في غيره!
وكيف تتقيد المعاني المخترعة بقيد، أو يفتح إليها طريق تسلك، وهي تأتي من فيض إلهي بغير تعليم؟
ولهذا اختص بها بعض الناثرين والناظمين دون بعض، والذي يخص بها يكون فذا واحدًا يوجد في الزمن المتطاول.
ولما مارست أنا هذا الفن -أعني فن الكتابة- وقلبته ظهرًا لبطن، وفتشت عن دفائنه وخباياه، وأكثرت من تحصيل مواده والأسباب الموصلة إلى الغاية منه، سنح لي في شيء من المعاني المخترعة طريقٌ سلكته، وهو يستخرج من كتاب الله تعالى، وأحاديث نبيه صلوات الله عليه وسلامه، وقد تقدم لي منه أمثلة في هذا الكتاب.
وذلك أنه ترد الآية من كتاب الله تعالى، أو الحديث النبوي، والمراد بهما معنى من المعاني، فآخذ أنا ذلك وأنقله إلى معنى آخر، فيصير مخترعًا لي.
وسأورد ههنا نبذة يسيرة يعلم منها كيف فعلت حتى يسلك إليها في الطريق الذي سلكته.
فمن ذلك قصة أصحاب الكهف والرقيم١، فإني أخذت ذلك ونقلته إلى الإحسان والشكر.
_________________
(١) ١ الرقيم قرية أصحاب الكهف، أو جبلهم، أو كلبهم، أو الوادي، أو الصخرة أو لوح رصاص نقش فيه نسبهم، وأسماؤهم ودينهم ومم هربوا، أو الدواة أو اللوح -أو القاموس ٤-١٢٢.
[ ٢ / ٤٥ ]
ألا ترى أن الإحسان يستعار له كهف وكنف وظل، وأشباه ذلك.
والشكر كلمات تقال في التنويه بذكر المحسن وإحسانه.
والرقيم هو الكتاب المكتوب، فهو والشكر متماثلان.
والذي أتيت به قد أوردته وهو:
فصل من كتاب إلى بعض المنعمين:
"الخادم يشكر إحسان المولى الذي ظل عنده مقيمًا، وغدا بمطالبه زعيمًا، وأصبح بتواليه إليه مغرمًا، كما أصبح له غريمًا، ولما تمثل في الاشتمال عليه كهفًا صار شكره فيه رقيمًا".
فانظر كيف فعلت فيه في هذا الموضع لتعلم أني قد فتحت لك فيه طريقًا تسلكه!
وأما الحديث النبوي، فإني أخذت قصة قتلى بدر، كأبي جهل وعتبة وشيبة وغيرهم، ونقلتها إلى القلم.
وذاك أن النبي -ﷺ- وقف على القليب الذي ألقاهم فيه وناداهم بأسمائهم فقال: $"يا عتبة، يا شيبة، يا أبا جهل، يا فلان، يا فلان"، والحديث مشهور فلا حاجة إلى استقصائه.
والذي أتيت به في وصف القلم هو أني قلت:
"ولقد مرح القلم في يدي وحق له أن يمرح، وأبدع فيما أتى به، وكل إناءٍ بالذي فيه ينضح، ومن شأنه أن يستقل على أعواد المنبر، فلا ينتهي من خطبتها إلى فصلها، ويقف على جانب القليب إلا أنه لا ينادي من المعاني أبا جهلها".
فالدواة قليبٌ، والقلم يقف عليه، والمعاني التي ينشئها من باب العلم، لا من باب الجهل.
فتأمل هذه الكلمات التي ذكرتها فإنها لطيفة جدًا، وهي مخترعة لي.
[ ٢ / ٤٦ ]
وهذا القدر كافٍ في طريق التعليم، فليحذ حذوه -إن أمكن- والله الموفق للصواب.
وأما الضرب الآخر من المعاني، وهو الذي يحتذى فيه على مثال سابق، ومنهج مطروق، فذلك جل ما يستعمله أرباب هذه الصناعة، ولذلك قال عنترة:
هل غادر الشعراء من متردم١
إلا أنه لا ينبغي أن يرسخ هذا القول في الأذهان؛ لئلا يؤيس من الترقي إلى درجة الاختراع، بل يعول على القول المطمع في ذلك، وهو قول أبي تمام٢:
لا زلت من شكري في حلةٍ لابسها ذو سلبٍ فاخر
يقول من تقرع أسماعه كم ترك الأول للآخر
وعلى الحقيقة فإن في زوايا الأفكار خبايا، وفي أبكار الخواطر سبايا، لكن قد تقاصرت الهمم، ونكصت العزائم، وصار قصارى الآخر أن يتبع الأول، وليته تبعه، ولم يقصر عنه تقصيرًا فاحشًا.
ووقفت على كتاب يقال له: "مقدمة ابن أفلح البغدادي"، قد قصرها على تفصيل أقسام علم الفصاحة والبلاغة، وللعراقيين بها عناية وهم واصفون لها، ومكبون عليها.
ولما تأملتها وجدتها قشورًا لا لب تحتها؛ لأن غاية ما عند الرجل أن يقول: وأما
_________________
(١) ١ هذا صدر مطلع معلقته، وعجزه: أم هل عرفت الدار بعد توهم ٢ ديوان أبي تمام ١٤٣ من قصيدة في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري أولها: قل للأمير الأريحي الذي كفاه للبادي وللحاضر لتجزك الأيام مندوحة ونضرة عن عودي الناضر
[ ٢ / ٤٧ ]
الفصاحة فإنها كقول النابغة مثلًا، أو كقول الأعشى١، أو غيرهما، ثم يذكر بيتًا من الشعر أو أبياتًا، وما بهذا تعرف حقيقة الفصاحة حتى إذا وردت في كلامٍ عرفنا أنه فصيح، بما عرفنا من حقيقتها الموجودة فيها، وكذلك يقول في غير الفصاحة.
ومن أعجب ما وجدته في كتاب أنه قال: أما المعاني المبتدعة، فليس للعرب منها شيء، وإنما اختص بها المحدثون، ثم ذكر للمحدثين معاني، وقال: هذا المعنى لفلان، وهو غريب، وهذا القول لفلان، وهو غريب.
وتلك الأقوال التي خص قائليها بأنهم ابتدعوها قد سبقوا إليها، فإما أن يكون غير عارف بالمعنى الغريب، وإما أنه لم يقف على أقوال الناظمين والناثرين، ولا تبحر فيها، حتى عرف ما قاله المتقدم، مما قاله المتأخر.
وأما قوله: "إنه ليس للعرب معنى مبتدع، وإنما هو للمحدثين، فيا ليت شعري! من السابق إلى المعاني؟ من تقدم زمانه أم من تأخر زمانه؟
وأنا أورد ههنا ما يستدل به على بطلان ما ذكره.
وذاك أنه قد ورد من المعاني أن صور المنازل تمثلت في القلوب، فإذا عفت آثارها لم تعف صورها من القلوب، وأول من أتى بذلك العرب، فقال الحرث بن خالد٢ من أبيات الحماسة٣:
_________________
(١) ١ أعشى قيس هو ميمون بن قيس بن جندل من بكر بن وائل من ربيعة، وهو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، والبعض يقدمونه على سائرها، ويحتج الذين يقدمونه بكثرة طواله الجياد، وتصرفه في المديح والهجاء، وسائر فنون الشعر مما ليس لسواه، ويقال: إنه أول من سأل بشعره، وأنتجع به أقاصي البلاد، وكان يغني به، فسمي صناجة العرب، توفي سنة ٦٢٩م. ٢ هو الحارث بن خالد المخزومي، شاعر كثير الشعر، وكان في عهد بني أمية ولي مكة من قبل يزيد بن معاوية، فلم يمكنه ابن الزبير، فلما ولي عبد الملك أقره عليها، ثم عزله: فعتب عليه بأبيات من الشعر، فأرضاه ووصله، وهو أحد المعدودين من شعراء قريش، ولا سيما في الغزل والنسيب، وكان يذهب مذهب عمر بن أبي ربيعة، ولا يتجاوز الغزل إلى المديح والهجاء، وأكثر شعره في عائشة بنت طلحة وكان يهواها ويشبب بها. ٣ ديوان الحماسة ٢/ ٨٦ من أربعة أبيات ترك بن الأثير منها وهو قوله: فيكاد يعرفها الخبير بها فيرده الإفواء والمحل
[ ٢ / ٤٨ ]
إني وما نحروا غداة منىً عند الجمار يئودها العقل١
لو بدلت أعلى مساكنها سفلًا وأصبح سفلها يعلو
لعرفت مغناها بما٢ ضمنت مني الضلوع لأهلها قبل
ثم جاء المحدثون من بعده، فانسحبوا على ذيله، وحذوا حذوه، فقال أبو تمام٣:
وقفت وأحشائي منازل للأسى به وهو قفرٌ قد تعفت منازله
وقال البحتري٤:
عفت الرسوم وما عفت أحشاؤه من عهد شوقٍ ما تحول٥ فتذهب
وقال المتنبي٦:
لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أواهل
وهذا المعنى قد تداوله الشعراء، حتى إنه ما من شاعر إلا ويأتي به في شعره.
وكذلك ورد لبعضهم من شعراء الحماسة٧:
أناخ اللؤم وسط بني رياح مطيته وأقسم لا يريم٨
كذلك كل ذي سفرٍ إذا ما تناهى عند غايته يقيم٩
_________________
(١) ١ في الأصل "وإن نحروا"، والواو من "وما نحروا" القسم وآده أعياه، والعقل واحده عقال، ما يعقل به البعير عن السير أو للنحر، وجواب القسم "لو بدلت" إلى آخر الأبيات. ٢ في ديوان الحماسة، "لما ضمنت". ٣ ديوان أبي تمام ٢٢٩ من قصيدة يمدح فيها المعتصم بالله، أولها: أجل أيها الربع الذي خف آهله لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله ٤ ديوان البحتري ٣-١٨٨ من قصيدة يمدح بها إسحاق بن إبراهيم، ومطلعها: عارضتنا أصلا فقلنا الربرب حتى أضاء الأقحوان الأشنب ٥ في الديوان "ما يحول" بالياء. ٦ ديوان المتنبي ٣-٢٤٩ مطلع قصيدة في مدح القاضي أبي الفضل أحمد بن عبد الله الأنطاكي. ٧ ديوان الحماسة ٢، ٢٢٨. ٨ في الأصل "بني رماح" و"وأقسم"، والتصويب عن ديوان الحماسة، ومعنى لا يريم لا يبرح. ٩ في ديوان الحماسة "مقيم" بالميم موضع الياء.
[ ٢ / ٤٩ ]
وهذان البيتان من أبيات المعاني المبتدعة، وعلى أثرهما مشى الشعراء.
وكذلك ورد لبعضهم في شعر الحماسة١:
تركت ضأني تود الذئب راعيها وأنها لا تراني آخر الأبد
الذئب يطرقها في الدهر واحدةً وكل يومٍ تراني مديةٌ بيدي
وكذلك ورد قول الآخر:
قومٌ إذا ما جنى جانيهم أمنوا للؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا٢
وكم للعرب من هذه المعاني التي سبقوا إليها.
ومن أدل الدليل على فساد ما ذهب إليه٣ من أن المحدثين هم المختصون بابتداع المعاني، أن أول من بكى على الديار في شعره رجل يقال له: ابن حزام، وكان هو المبتدئ لهذا المعنى أولًا، وقد ذكره امرؤ القيس في شعره فقال٤:
عوجًا على الطلل المحيل لعلنا نبكي الديار كما بكى ابن حذام٥
وقد أجمع نقلة الأشعار أن لامرئ القيس في صفات الفرس أشياء كثيرة لم يسبق إليها، ولا قيلت من قبله.
ويكفي من هذا كله ما قدمت القول فيه، وهو أن العرب السابقون بالشعر، وزمانهم هو الأول، فكيف يقال: إن المتأخرين هم السابقون إلى المعاني؟!
وفي هذه الأمثلة التي أوردتها كفاية في نقض ما ذكره.
_________________
(١) ١ ديوان الحماسة ٢/ ٢٤٥. ٢ البيت في نقد الشعر ٤٧، وفي الصناعتين ١٠٥ وقبله: اللؤم أكرم من وبر ووالده واللؤم أكرم من وبر وما ولدا ٣ يشير إلى ابن أفلح وكلامه في مقدمته. ٤ طبقات الشعراء لابن سلام ٢١. ٥ قال ابن سلام: وابن حذام رجل من طيئ لم يسمع شعره الذي بكى فيه، ولا شعر غير هذا البيت الذي نكره امرؤ القيس، وفي الأصل "ابن حرام"، وفي الأصل "الطلل المخيل" بالخاء المعجمة، ومعنى المحيل المتغير.
[ ٢ / ٥٠ ]
ولو قال١: إن المحدثين أكثر ابتداعًا للمعاني، وألطف مأخذًا وأدق نظرًا، لكان قوله صوابًا؛ لأن المحدثين عظم الملك الإسلامي في زمانهم، ورأوا ما لم يره المتقدمون، وقد قيل: إن اللها تفتح اللها٢، وهو كذلك فإن نفاق السوق جلاب.
وقد رأيت جماعة من متخلفي هذه الصناعة يجعلون همهم مقصورا على الألفاظ التي لا حاصل وراءها، ولا كبير معنى تحتها، وإذا أتى أحده بلفظ مسجوع على أي وجه كان من الغثاثة، والبرد يعتقد أنه قد أتى بأمر عظيم، ولا يشك في أنه صار كاتبًا مفلقًا.
إذا نظر إلى كتاب زماننا وجدوا كذلك، فقاتل الله القلم الذي يمشي في أيدي الجهال الأغمار، ولا يعلم أنه كجواد يمشي تحت حمار.
ولو أنه لا يتطاول إليه إلا أهله لبان الفاضل من الناقص، على أنه كالرمح الذي إذا اعتقله حامله بين الصفين بان به المقدم من الناكص، وقد أصبح اليوم في يد قومٍ هم أحوج من صبيان الكاتب إلى التعليم، وقد قيل: إن الجهل بالجهل داء لا ينتهي إليه سقم السقيم.
وهؤلاء لا ذنب لهم؛ لأنهم لو لم يستخدموا في الدول ويستكتبوا، وإلا ما ظهرت جهالتهم، وفي أمثال العوام: لا تعر الأحمق شيئًا فيظنه له، وكذلك يجري الأمر مع هؤلاء، فإنهم استكتبوا في الدول، فظنوا أن الكتابة قد صارت لهم بأمر حق واجب.
ومن أعجب الأشياء أني لا أرى إلا طعامًا في هذا الفن، مدعيًا له على خلوه عن تحصيل آلاته وأسبابه، ولا أرى أحدًا يطمع في فن من الفنون غيره، ولا يدعيه!
_________________
(١) ١ الضمير عائد على ابن أفلح، والكلام في مقدمته. ٢ اللها بالضم جمع لهوة بالضم العطية دراهم كانت أو غيرها، واللها بالفتح واللهوات، واللهيات أيضا جمع لهاة بالفتح، وهي الهنة المطبقة في أقصى سقف الفم.
[ ٢ / ٥١ ]
هذا، وهو بحر لا ساحل له، يحتاج صاحبه إلى تحصيل علوم كثيرة حتى ينتهي إليه، ويحتوي عليه، فسبحان الله! هل يدعي هؤلاء أنه فقيه، أو طبيب أو حاسب أو غير ذلك من غير أن يحصل آلات ذلك، ويتقن معرفتها؟
فإذا كان العلم الواحد من هذه العلوم الذي يمكن تحصيله في سنة، أو سنتين من الزمان، لا يدعيه أحد من هؤلاء، فكيف يجيء إلى فن الكتاب، وهو ما لا تحصل معرفته إلا في سنين كثيرة، فيدعيه وهو جاهل به؟
ومما رأيته من المدعين لهذا الفن الذين حصلوا منه على القشور، وقصروا معرفتهم على الألفاظ المسجوعة الغثة التي لا حاصل وراءها، أنهم إذا أنكرت هذه الحال عليهم، وقيل لهم: إن الكلام المسجوع ليس عبارة عن تواطؤ الفقر على حرف واحد فقط، إذ لو كان عبارة عن هذا وحده لأمكن أكثر الناس أن يأتوا به من غير كلفة، وإنما هو أمر وراء هذا، وله شروط متعددة، فإذا سمعوا ذلك أنكروه، لخلوهم عن معرفته، ثم لو عرفوه وأتوا به على الوجه الحسن من اختيار الألفاظ المسجوعة لاحتاجوا إلى شرط آخر، قد نبهت عليه في باب "السجع".
وإذا أنكر عليهم الاقتصار على الألفاظ المسجوعة، وهدوا إلى طريق المعاني يقولون: لنا أسوة بالعرب الذين هم أرباب الفصاحة، فإنهم إنما اعتنوا بالألفاظ ولم يعتنوا بالمعاني اعتناءكم بها!!
فلم يكفهم جهلهم فيما ارتكبوه، حتى ادعوا الأسوة بالعرب فيه، فصارت جهالتهم جهالتين.
ولنذكر ههنا في الرد عليهم ما إذا تأمله الناظر في كتابنا عرف منه ما يؤنقه، ويذهب به الاستحسان كل مذهب، فنقول:
اعلم أن العرب كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها، وتهذبها فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها، وأشرف قدرًا في نفوسها، فأول ذلك عنايتها بألفاظها؛ لأنها لما كانت عنوان معانيها، وطريقها إلى إظهار أغراضها أصلحوها وزينوها، وبالغوا في
[ ٢ / ٥٢ ]
تحسينها، ليكون ذلك أوقع لها في النفس، وأذهب بها في الدلالة على القصد.
ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعًا لذ لسامعه فحفظه، وإذا لم يكن مسجوعًا لم يأنس به أنسه في حالة السجع؟
فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم، وحسنوها ورققوا حواشيها، وصقلوا أطرافها، فلا تظن أن العناية إذا ذاك إنما هي بألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني، ونظير ذلك إبراز صورة الحسناء في الحلل الموشية والأثواب المحبرة، فإنا قد نجد من المعاني الفاخرة ما يشوه من حسنة بذاذة لفظه، وسوء العبارة عنه.
فإن قيل: إنا نرى من ألفاظ العرب ما قد حسنوه وزخرفوه، ولسنا نرى تحته مع ذلك معنى شريفًا، فمما جاء منه قول بعضهم١:
ولما قضينا من منىً كل حاجةٍ ومسح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح
ألا ترى إلى حسن هذا اللفظ وصقالته، وتدبيج أجزائه؟ ومعناه مع ذلك ليس مدانيًا له ولا مقاربًا، فإنه إنما هو: لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين وتحدثنا على ظهور الإبل، ولهذا نظائر شريفة الألفاظ خسيسة المعاني٢؟
_________________
(١) ١ هذا الشعر ينسب إلى كثير عزة، وإلى يزيد بن الطثرية؛ ونسبها الشريف المرتضى في أماليه للمضرب، وهو عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى "٢/ ١١٠"، وبين هذين البيتين بيت هو: وشدت على حدب المهارى رحالنا ولم ينظر الغادي الذي هو رائح وفي بعض الروايات "دهم المهارى" والمهارة جمع مهرية، وهي الإبل المنسوبة إلى قبيلة "مهرة بن حيدن". ٢ صاحب هذا النقد هو ابن قتيبة "٢٧٦هـ"، فإنه جعل الشعر أربعة أضرب ثانيها ضرب حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى، وتمثل بالأبيات الثلاثة المذكورة، ثم عقب عليها بقوله: هذه الألفاظ كما ترى أحسن شيء مخارج ومطالع، إن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته: ولما قطعنا أيام منى، واستلمنا الأركان، وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح، أبتدأنا في الحديث، وسارت المطي في الأبطح، وهذا في الشعر كثير "الشعر "الشعر والشعراء ١/ ١١".
[ ٢ / ٥٣ ]
فالجواب عن ذلك أنا نقول١: هذا الموضع قد سبق إلى التشبث به من لم ينعم النظر فيه، ولا أرى ما رآه القوم، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر، وعدم معرفته وهو أن في قول هذا الشاعر: "كل حاجة" مما يستفيد منه أهل النسيب والرقة "وذوو"٢ والأهواء، والمقة ما لا يستفيد غيرهم، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم.
ألا ترى أن حوائج منىً أشياء كثيرة؟ فمنها التلاقي، ومنها التشاكي، ومنها التخلي للاجتماع، إلى غير ذلك مما هو تالٍ له ومعقود الكون به، فكأن الشاعر صانع عن هذا الموضع الذي أومأ له، وعقد غرضه عليه، بقوله في آخر البيت: "ومسح بالأركان من هو ماسح" أي: إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنا٣ التي بلغناها من هذا النحو الذي هو مسح الأركان، وما هو لاحق به، وجارٍ في القرية من الله مجراه: أي لم نتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح.
وأما البيت الثاني: فإن فيه "أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا"، وفي هذا ما تذكره لتعجب به، وبمن عجب منه، ووضع من معناه!
_________________
(١) = وتمثل بهذه الأبيات قدامة بن جعفر في نعت اللفظ بأن يكون سمحا سهل مخارج الحروف من مواضعها: عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة، مثل أشعار يوجد فيها ذلك، وأن خلت من سائر النعوت للشعر "نقد الشعر١٢". وقال أبو هلال العسكري: إن الكلام الذي إذا كان لفظه حلوا عذبا وسلسا سهلا، ومعناه وسطا، دخل في جملة الجيد، وجرى مع الرائع النادر، وذكر الأبيات الثلاثة، ثم عقب عليها بمثل تعقيب بن قتيبة "انظر الصناعتين ٥٩". ١ قد يعتقد القارئ أن هذا الجواب من ثمار فطنة بن الأثير، واستواء ملكته النقدية، ولكن الحقيقة أنه سطا عليه، ونقله بمعانيه وأكثر حروفه من غير أن يرجعه إلى صاحبه، وكثيرا ما رأينا منه مثل ذلك، وهذا الجواب هو من تأليف أبي الفتح عثمان بن جني صاحب "الخصائص"، الذي بسط القول فيه على هذا النحو "انظر الخصائص ١/ ٢٢٥"، وقد أخذ رأي ابن جني أيضا عبد القاهر الجرجاني، وجعله دفاعا عن الشعر عند من استقل معناه "انظر أسرار البلاغة ١٥-١٨". ٢ زيادة عن الخصائص. ٣ في الخصائص "وآدابنا".
[ ٢ / ٥٤ ]
وذلك أنه لو قال: "أخذنا في أحاديثنا"، أو نحو ذلك، لكان فيه ما يكبره أهل النسيب، فإنه قد شاع عنهم واتسع في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الإلفين، والجذل بجمع شمل المتواصلين، ألا ترى إلى قول بعضهم:
وحديثها يا سعد عنها فزدتني جنونًا فزدني من حديثك يا سعد
وقول الآخر:
وحديثها السحر الحلال لو أنه لم يجن قتل المسلم المتحرز١
فإذا كان قدر الحديث عندهم "مرسلا"٢ على ما ترى، فكيف به إذا قيدوه بقوله: "أخذنا بأطراف الأحاديث"؟ فإن ذلك وحيًا خفيا، ورمزًا حلوًا، ألا ترى أنه قد يريد بأطرافها، ما يتعاطاه المحبون، ويتفاوضه ذوو الصبابة من التعريض والتلويح، والإيماء دون التصريح؟ وذلك أحلى وأطيب، وأغزل وأنسب، من أن يكون كشفًا، ومصارحة وجهرًا.
وإن كان الأمر كذلك، فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم، وأشد تقدمًا في نفوسهم من لفظهما، وإن عذب ولذ مستمعه.
نعم في قول الشاعر:
وسالت بأعناق المطي الأباطح
من لطافة المعنى وحسنه ما لا خفاء به.
وسأنبه على ذلك، فأقول إن هؤلاء القوم لما تحدثوا، وهم سائرون على المطايا شغلتهم لذة الحديث عن إمساك الأزمة، فاسترخت عن أيديهم، وكذلك شأن من يشره، وتغلبه الشهوة في أمر من الأمور، ولما كان الأمر كذلك، وارتخت الأزمة عن
_________________
(١) ١ هذا البيت والذي قبله في الخصائص ١/ ٧٢٢. ٢ زيادة عن الخصائص ١/ ٢٢٨، والكلام منقول عن ابن جني كما قدمنا.
[ ٢ / ٥٥ ]
الأيدي أسرعت المطايا في المسير، فشبهت أعناقها بمرور السيل على وجه الأرض في سرعته، وهذا موضع كريم حسن، لا مزيد على حسنه.
والذي لا ينعم نظره فيه لا يعلم ما اشتمل عليه من المعنى، فالعرب إنما تحسن ألفاظها، وتزخرفها عنايةً منها بالمعاني التي تحتها.
فالألفاظ إذًا خدم المعاني، والمخدوم لا شك أشرف من الخادم، فاعرف ذلك وقس عليه.
[ ٢ / ٥٦ ]