وأحسن حذوفها في المعطوف والمعطوف عليه، وإذا لم يذكر الحرف المعطوف به كان ذلك بلاغةً وإيجازًا، كقول أنس بن مالك١ -﵁: "كان أصحاب رسول الله -ﷺ- ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون"، أو قال: ثم يصلون لا يتوضّئون".
_________________
(١) ١ أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد، خادم رسول الله -ﷺ، يكنى أبا حمزة، سمي باسم عمه أنس بن النضر، روى عن أنس قال: قدم رسول الله -ﷺ- المدينة وأنا ابن عشر سنين، توفي وأنا ابن عشرين سنة، ومات أنس في الطف على فرسخين من البصرة سنة إحدى وتسعين.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
فقوله: "لا يتوضئون" بحذف الواو أبلغ في تحقيق عدم الوضوء من قوله "ولا يتوضئون" بإثباتها، كأنه جعل ذلك حالة لهم لازمة: أي أنها داخلة في الجملة، وليست جملة خارجة عن الأولى؛ لأن واو العطف تؤذن بانفراد المعطوف عن المعطوف عليه، وإذا حذفت في مثل هذا الموضع صار المعطوف، والمعطوف عليه جملة واحدة.
وقد جاء في القرآن الكريم، وذلك أنه يذكر جمل من القول كل واحدة منها مستقلة بنفسها، ثم تسرد سردا بغير عاطف، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ١.
تقدير هذا الكلام: لا يألونكم خبالا، ودوا ما عنتم، وقد بدت البغضاء من أفواههم، فلما حذفت الواو جاء الكلام أوجز وأحسن طلاوة، وأبلغ تأليفا ونظما.
وأمثاله في القرآن الكريم كثير.
واعلم أنه قد حذف الواو، وأثبتت في مواضع.
فأما إثباتها فنحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ ٢.
وأما حذفها فنحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ ٣.
وعلى هذا فلا يجوز حذف الواو وإثباتها في كل موضع، وإنما يجوز ذلك فيما هذا سبيله من هاتين الآيتين.
ولنبين لك في ذلك رسما تتبعه، فنقول:
اعلم أن كل اسم نكرة جاء خبره بعد إلا" يجوز إثبات الواو في خبره وحذفها، وكقولك: ما رأيت رجلا إلا وعليه ثياب، وإن شئت قلت: إلا عليه ثياب، بغير واو،
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: الآية ١١٨. ٢ سورة الحجر: الآية ٤. ٣ سورة الشعراء: الآية ٢٠٨.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
فإن كان الذي يقع على النكرة ناقصًا فلا يكون إلا بحذف الواو، نحو قولك: ما أظن درهما إلا هو كافيك، ولا يجوز إلا وهو كافيك، بالواو؛ لأن الظن يحتاج إلى شيئين، فلا يعترض فيه بالواو؛ لأنه يصير كالمكتفي من الأفعال باسم واحد.
وكذلك جواب ظننت وكان، وإن وأشباهها، فخطأ أن تقول: إن رجلا وهو قائم، ونحو ذلك.
ويجوز هذا في "ليس" خاصة، تقول: ليس أحد إلا وهو قائم؛ لأن الكلام يتوهم تمامه بليس وبحرف ونكرة، ألا ترى أنك تقول: ليس أحد، وما من أحد، فجاز فيها إثبات الواو، ولم يجوز في أظن؛ لأنك لا تقول: ما أظن أحدًا، فأما أصبح وأمسى ورأى، فإن الواو فيهن أسهل؛ لأنهن توأم في حال، وكان وأظن ونحوهما بنين على النقص، إلا إذا "كانت" تامة.
وكذلك "لا" في التنزيه وغيرها، نحو لا رجل، وما من رجل، فيجوز إثبات الواو فيها وحذفها.
واعلم أن العرب قد حذفت من أصل الألفاظ شيئا لا يجوز القياس عليه، كقول بعضهم١:
كأن إبريقهم ظبي على شرف مفدم بسبا الكتان ملثوم٢
فقوله: "بسبا الكتان" يريد بسبائب الكتان٣.
_________________
(١) ١ هو علقمة بن عبدة، علقمة الفحل، من قصيدته التي أولها: هي ما عملت وما استودعت مكتوم أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم والقصيدة في شعراء النصرانية ٤٩٨. ٢ في الأصل "مفدم"، وهي رواية شعراء النصرانية "١٠٥" بالقاف موضع "مفدم"، والمفدم الذي جعل الفدام على فيه، وهو خرقة تجعل في فم الإبريق، والشرف المكان العالي المشرف. ٣ هذا عيب من عيوب ائتلاف اللفظ، والوزن عند قدامة بن جعفر سماه "التثليم" قال: وهو أن يأتي الشاعر بألفاظ يقصر عنها العروض، فيضطر إلى ثلمها، والنقص منها مثال قول أمية بن أبي الصلت: ما أرى من يعينني في حياتي غير نفسي إلا بني إسرال =
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وكذلك قول الآخر:
يذرين جندل حائر، لجنوبها فكأنما تذكي سنابكها الحبا١
فهذا وأمثاله مما يقبح ولا يحسن، وإن كانت العرب قد استعملته، فإنه لا يجوز لنا أن نستعمله.
_________________
(١) = وقول علقمة بن عبدة: كأن إبريقهم ظبي على شرف مفدم بسبا الكتان ملثوم أراد "بسبائب الكتان" فحذف للعروض. وقال لبيد بن ربيعة: درس المنا بمتالع فأبأن راد بالمنا "المنازل" وانظر "نقد الشعر" لقدامة ١٣٦ طبعة ليدن، والطبعة الثانية ٢٩٩ من كتاب "قدامة بن جعفر والنقد الأدبي" للدكتور بدوي طبانه. والسبائب جمع سبيبة، وهي الشقة من النسيج، أو البيضاء خاصة. ١ في الأصل "بدر بن جندل حائز"، وهو تحريف والتصويب عن لسان العرب في مادة -ح ب ح ب والضمير في يذرين" للخيل، والجندل الصخر، والحبا أراد به الحباحب، وهو رجل من بني محارب بن خصفة: ضرب بناره المثل؛ لأنه كان لا يوقد إلا نارًا ضعيفة مخافة الضيفان، فقلوا: "نار الحباحب".
[ ٢ / ٢٦٠ ]