اعلم أن حذف الفعل ينقسم قسمين:
أحدهما يظهر بدلالة المفعول عليه، كقولهم في المثل: "أهلك والليل"، فنصب، "أهلك" و"الليل" يدل على محذوف ناصب، تقديره: "الحق أهلك وبادر الليل"، وهذا مثل يضرب في التحذير.
وعليه ورد قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ١.
ومما ورد منه في الأخبار النبوية أن جابرا تزوج، فقال له رسول الله -ﷺ: "ما تزوجت"؟ قال: ثيبا؛ فقال له: "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك"، يريد فهلا تزوجت جارية، فحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.
_________________
(١) ١ سورة الشمس: الآية ١٣.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي يمتدح بها عضد الدولة أبا شجاع بن بويه، ومطلعها١:
فدى لك من يقصر عن مداكا٢
وسأذكر الموضع الذي حذف منه الفعل، وجوابه لتعلق الأبيات بعضها ببعض، وهي من محاسن ما يؤتى به في معنى الوداع، ولم يأت لغيره مثلها، وهي:
إذا التوديع أعرض قال قلبي عليك الصمت لا صاحبت فاكا٣
ولولا أن أكثر ما تمنى معاودة لقلت ولا مناكا٤
قد استشفيت من داء بداء وأقتل ما أعلك ما شفاكا
فأكتم منك نجوانا وأخفي هموما قد أطلت لها العراكا٥
إذا عاصيتها كانت شدادًا وإن طوعتها كانت ركاكا٦
وكم دون الثوية من حزين يقول له قدومي: ذا بذاكا٧
_________________
(١) ١ ديوان المتنبي ٢/ ٣٨٥. ٢ هذا صدر المطلع، وعجزه: فلا ملك إذن إلا فداكا ٣ إذا ظهر التوديع قال لي قلبي: اسكت، ولا تتكلم بالوداع، قال الواحدي: ويجوز أن يكون المعنى: لا تمدح غيره، ومعنى "لا صاحبت فاك" أي: لا نطقت: دعاء عليه. ٤ معناه: لولا أن قلبي أكثر ما يتمنى، ويطلب معاودة خدمة الممدوح، لقلت له: لا بلغت مناك: وقال الواحدي: لا بلغت مناك في الارتحال، حتى لا أفارقه. ولكنه يتمنى الارتحال للعود إليه. ٥ رواية الديوان "فأستر منك" موضع "فأكتم منك". ٦ الركاك: الضعاف، وهو جمع ركيك كضعيف. ٧ الثوبة مكان بالكوفة على بعد ثلاثة أميال منها، ومعنى البيت: كم دونها من إنسان حزين لفراقي، فإذا قدمت فرح لقدومي، فيقوله القدوم، هذا السرور بالغم الذي كنت لقيته بالبعد، وهذا كقول أبي تمام: وليست فرحة الأوبات إلا لموقوف على ترح الوداع وقول ابن الرومي يخاطب أمه، وقد أراد سفرًا: فقلت لها إن اكتئابا بشاخص سيتبعه الله ابتهاجا بقادم
[ ٢ / ٢٣٤ ]
ومن عذب الرضاب إذا أنخنا يقبل رحل تروك والوراكا١
يحرم أن يمس الطيب بعدي وقد عبق العبير به وصاكا٢
يحدث مقلتيه النوم عني فليت النوم حدث عن نداكا
وما أرضى لمقلته بحلم إذا انتبهت توهمه ابتشاكا٣
ولا أرضى إلا بأن يصغي وأحكي فليتك لا يتيمه هواكا
فقوله: "ولا مناكا" فيه محذوف، تقديره: ولا صاحبت مناكا، وكذلك قوله: "ولا
إلا بأن يصغي وأحكي" فإن فيه محذوفا، تقديره: ولا أرضى إلا بأن يصغي وأحكي.
أما القسم الأخر: فإنه لا يظهر فيه قسم الفعل؛ لأنه لا يكون هناك منصوب يدل عليه، وإنما يظهر بالنظر إلى ملاءمة الكلام.
فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٤.
فقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾، لقد جئتمونا"يحتاج إلى إضمار فعل: أي فقيل لهم: لقد جئتمونا، أو فقلنا لهم.
وقد استعمل هذا القرآن الكريم في غير موضع، كقوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الرضاب: ماء الأسنان، وتروك: اسم ناقة أعطاها له عضد الدولة، والوراك: جلد يتخذه الراكب تحت وركه، يقول: كم هناك من شخص عذب الرضاب، إذا أنخت إليه ناقتي قبل رحلها، ووراكها إعجابا بها، يفديها بنفسه إكراما لها إذا أدنتني إليه. ٢ في الأصل "علق" موضع "عبق"، والتصويب عن الديوان، وصاك الشيء بالشيء لصق به. ٣ التشبيك والاشتباك الكذب، وأبشك القول، وحرفه واختلفه، بمعنى. ٤ سورة الكهف: الآية ٤٨. ٥ سورة الأحقاف: الآية ٢٠.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
فقوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ يحتاج إلى تقدير الفعل المضمر.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ ١، فقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾، لا بد له من إضمار القول، أي: وقلنا له: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ .
ومن هذا الضرب: إيقاع الفعل على شيئين، وهو لأحدهما، كقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ ٢.
وهو٣ لأمركم وحده، وإنما المراد أجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ لأن معنى "أجمعوا" من "أجمع الأمر"، إذا نواه، وعزم عليه.
وقد قرأ أبي -﵁: "فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم"، وهذا دليل على ما أشرت إليه، وكذلك هو مثبت في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه٤.
ومن حذف الفعل باب يسمى "باب إقامة المصدر مقام الفعل".
وإنما يفعل ذلك لضرب من المبالغة والتوكيد، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ٥، قوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾، أصله: فاضربوا الرقاب
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت: الآية ٨. ٢ سورة يونس: الآية ٧١. ٣ وهو أي الفعل. ٤ هو عبد الله بن مسعود بن الحارث، أبو عبد الرحمن الهذلي المكي، أحد السابقين والبدريين، والعلماء الكبار من الصحابة، أسلم قبل عمر، وعرض القرآن على النبي -ﷺ، وهو أول من أفشى القرآن من في رسول الله، توفي سنة اثنين وثلاثين، ودفن بالبقيع، وله بضع وستون سنة. ٥ سورة محمد: الآية ٤.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
ضربا، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وفي ذلك اختصار، مع إعطاء معنى التوكيد المصدري.
وأما حذف جواب الفعل، فإنه لا يكون في الأمر المحتوم، كقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ ١، فجزم: ﴿يَخُوضُوا﴾، و﴿وَيَلْعَبُوا﴾؛ لأنهما جواب أمر ﴿فَذَرْهُمْ﴾ .
وحذف الجواب في هذا لا يدخل في باب الإيجاز؛ لأنا إذا قلنا: ذرهم أي: اتركهم لا يحتاج ذلك إلى جواب، وكذلك ما يجري مجراه.
وإنما يكون الجواب بالفاء في ماض، كقولنا: "قلت له: اذهب فذهب"، وحينئذ يظهر الجواب المحذوف، كقوله تعالى: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا، فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ ٢.
ألا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية؟، فإن تقديره: فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا، فذهبا إليهم، فكذبوهما فدمرناه تدميرا، فذكر حاشيتي القصة أولها وآخرها؛ لأنهما المقصود من القصة بطولها، أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ، قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ، فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف: الآية ٨٣. ٢ سورة الفرقان: الآيتان ٣٥ و٣٦. ٣ سورة يوسف: الآيات ١١ و١٢ و١٤ و١٥، و"نرتع ونلعب" بالنون فيهما مكي، وشامي وأبو عمرو، وكذلك هو في الأصل، وبانياء فهيما مدني وكوفي. وبكسر العين حجازي من ارتعى يرتعي افتعال من الرعي.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
فجواب الأمر من هذا الكلام محذوف، تقديره: فأرسله معهم، ويدلنا على ذلك ما جاء بعده من قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ .
كما حذف أيضًا من قوله عزوجل: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ ١. الآية.
فجواب الأمر من هذا الموضع محذوف، وتقديره: فأرسلوه إلى يوسف، فأتاه، فقال له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ .
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ، قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٢ الآية.
ففي هذا الكلام حذف، واختصار استغني عنه بدلالة الحال عليه، وتقديره: فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك بالنسوة، وقال لهن: ما خطبكن؟
وهكذا ورد قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ ٣.
وقد حذف جواب الأمر ههنا، وتقديره: فأتوه به، فلما كلمه
وفي سورة يوسف -﵇- محذوفات كثيرة من أولها إلى آخرها.
فانظر أيها المتأمل إلى هذه المحذوفات المذكورة ههنا التي كأنها لم تحذف من هذا الكلام، لظهور معناها وبيانه؟، ودلالة الحال عليه.
وعلى النحو من ذلك ينبغي أن تكون محذوفات الكلام.
_________________
(١) ١ سورة يوسف: الآيتان ٤٥ و٤٦. ٢ سورة يوسف: الآيتان ٥٠ و٥١. ٣ سورة يوسف: الآية ٥٤.
[ ٢ / ٢٣٨ ]