وهو أن يذكر الشيء على سبيل النفي ثم يذكر على سبيل الإثبات، أو بالعكس، ولا بد أن يكون في أحدهما زيادة في الآخر، وإلا كان تكريرا، والغرض به تأكيد المعنى المقصود.
فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ١.
واعلم أن لهذا الضرب من الإطناب فائدة كبيرة، وهو من أوكد وجوهه، ألا ترى أنه قال: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، والمعنى في ذلك سواء، إلا أنه في الثانية قوله: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾، ولولا هذه الزيادة لكان حكم هاتين الآيتين حكم التكرير.
وهذا الموضع ينبغي أن يتأمل، وينعم النظر فيه.
وعليه ورد قوله تعالى: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
_________________
(١) ١ سورة التوبة: الآيتان ٤٤ و٤٥.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ١.
فقوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾، بعد قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، من الباب الذي نحن بصدد ذكره، ألا ترى أنه نفى العلم عن الناس بما خفي عنهم من تحقيق وعده، ثم أثبت لهم العلم بظاهر الحياة الدنيا، فكأنهم علموا وما علموا، إذ العلم بظاهر الأمور ليس بعلم، وإنما العلم هو ما كان بالباطن من الأمور.
_________________
(١) ١ سورة الروم: الآيات ١-٧.
(٢) الضرب الثالث: هو أن يذكر المعنى الواحد تاما لا يحتاج إلى زيادة، ثم يضرب له مثال من التشبيه كقول أبي عبادة البحتري١: ذات حسن لو استزادت من الحس ن إليه لما أصابت مزيدا فهي كالشمس بهجة، والقضيب اللدن قدا، والريم طرفا وجيدا٢. ألا ترى أن الأول كاف في بلوغ الغاية في الحسن؛ لأنه لما قال: "لو استزادت لما أصابت مزيدا" دخل تحته كل شيء من الأشياء الحسنة، إلا أن للتشبيه مزية أخرى تفيد السامع تصويرا، وتخييلا لا يحصل له من الأول. وهذا الضرب من أحسن ما يجيء في باب الإطناب. ١ديوان البحتري ٢/ ٣٤ من قصيدة له في الفخر، مطلعها: إنما الغي أن يكون رشيدا فانقصا من ملامه أو فزيدا ٢ روى هذا البيت في الديوان هكذا: فهي الشمس بهجة، والقضيب الغض لينا، والرئم طرفا وجيدا
[ ٢ / ٢٨٨ ]