وهذا أصعب الضروب الأربعة طريقا، وأضيقها بابا؛ لأنه يتفرع إلى أساليب كثيرة من المعاني، وأرباب النظم والنثر يتفاوتون فيه، وليس الخاطر الذي يقذف بالدرر في مثله إلا معدوم الوجود، ومثاله ومثال الإيجاز مثال مجمل ومفصل، وقد تقدم القول أن الإيجاز والإطناب، والتطويل بمنزلة مقصد يسلك إليه ثلاثة طرق.
وقد أوردت ههنا أمثلة لهذه الأساليب الثلاثة، وجعلتها على هيئة المقصد الذي تسلك إليه الطرق الثلاثة.
فمن ذلك ما ذكرته في وصف بستان ذات فواكه متعددة.
فإذا أريد وصفه على حكم الإيجاز قيل: "فيه من كل فاكهة زوجان"، وهذا كلام الله تعالى١، وقد جمع جميع أنواع الفاكهة بأحسن لفظ وأخصره.
وإذا أريد وصف ذلك البستان على حكم "الإطناب" قيل فيه ما أذكره، وهو فصل من كتاب أنشأته، وهو:
"جنة علت أرضها أن تمسك ماء، وغنيت بينبوعها أن تستجدي سماء، وهي ذات ثمار مختلفة الغرابة، وتربة منجبة، وما كل تربة توصف بالنجابة.
_________________
(١) ١ كما جاء في سورة الرحمن "آية ٥٢" قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ .
[ ٢ / ٢٨٩ ]
"ففيها المشمش الذي يسبق غيره بقدومه، ويقذف أيدي الجانين بنجومه، فهو يسمو بطيب الفرع والنجار١، ولو نظم في جيد الحسناء لاشتبه بقلادة من نضار٢، وله زمن الربيع الذي هو أعدل الأزمان، وقد شبه بسن الصبا في الأسنان.
"وفيها التفاح الذي رق جلده، وعظم قده، وتورد خده، وطابت أنفاسه، فلا بان الوادي ولا رنده٣، وإذا نظر إليه وجد منه حظ الشم والنظر، ونسبته من سرر الغزلان أولى من نسبته إلى منابت الشجر.
"وفيها العنب الذي هو أكرم الثمار طينة، وأكثرها ألوان زينة، وأول غرس اغترسه نوح -﵇- عند خروجه من السفينة، فقطفه يميل بكف قاطفه، ويغري بالوصف لسان واصفه.
"وفيها الرمان الذي هو طعام وشراب، وبه شبهت نهود الكعاب، ومن فضله أنه لا نوى له فيرمى نواه، ولا يخرج اللؤلؤ والمرجان من فاكهة سواه.
وفيها التين الذي أقسم الله به تنويها بذكره، واستتر آدم ﵇ بورقه إذ كشفت المعصية من ستره، وخص بطول الأعناق فما يرى بها من ميل، فهو نشوة من سكره، وقد وصف بأنه راق طعما، ونعم جسما، وقيل: هذا كنيف مليء شهدًا لا كنيف ملئ علما.
وفيها من ثمرات النخيل ما يزهى بلونه وشكله، ويشغل بلذة منظره عن لذة أكله، وهو الذي فضل ذوات الأفنان بعرجونه، ولا تماثل بينه وبين الحلواء: "هذا خلق الله، فأروني ماذا خلق الذين من دونه"٤.
وفيها غير ذلك من أشكال الفاكهة وأصنافها، وكلها معدود من أوساطها لا من أطرافها.
_________________
(١) ١ نجار الشيء -بكسر النون وضمها- والنجر أيضا -بفتح النون- الأصل. ٢ النضار: الذهب أو الفضة، والمعنى الأول هو ما يناسب هذا الاستعمال. ٣ الرند: شجر طيب الرائحة، والعود، والآس. ٤ سورة لقمان: الآية ١١.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
ولقد دخلتها فاستهوتني حسدًا، ولم أصاحبها على قوله: "لن تبيد هذه أبدًا"١.
فهذا الوصف على هذه الصورة يسمى "إطنابا"؛ لأنه لم يعر عن فائدة.
وذاك الأول هو "الإيجاز"؛ لأنه اشتمل باختصاره على جميع أصناف الفاكهة.
وأما "التطويل": فهو أن تعد الأصناف المذكورة تعدادًا من غير وصف لطيف، ولا نعت رائق فيقال: مشمش، وتفاح وعنب ورمان، ونخل وكذا، وكذا.
وانظر أيها المتأمل إلى ما أشرت إليه من هذه الأقسام الثلاثة في الإيجاز، والإطناب والتطويل، وقس عليها ما يأتي منها.
وسأزيد ذلك بيانًا بمثال آخر، فأقول:
قد ورد في باب "الإيجاز" كتاب كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون -رحمه الله تعالى- يخبره بهزيمة "علي بن"٢ عيسى بن ماهان وقتله إياه، وهو: "كتابي إلى أمير المؤمنين، ورأس "علي بن" عيسى بن ماهان بين يدي، وخاتمه بين يدي، وعسكره مصرف تحت أمري، والسلام".
وهذا كتاب جامع للمعنى، شديد الاختصار.
وإذا كتب ما هو في معناه على وجه "الإطناب" قيل فيه ما أذكره، وهو ما أنشأته مثالًا في هذا الموضع، ليعلم به الفرق بين الإيجاز والإطناب، وهو:
"أصدر كتابه هذا، وقد نصر بالفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وانقلب باليد الملأى
_________________
(١) ١ مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٣٥] . ٢ زيادة ليس في الأصل، وكان علي بن عيسى بن ماهان هو، والفضل بن الربيع من رجال الأمين، وكان علي بن عيسى صاحب أمره كله، وعقد له في سنة ١٩٥ على كور الجبل كلها: نهاوند وهمذان وقم وأصفهان، حربها وخراجها، وقد شخص في هذه السنة إلى حرب المأمون، حتى بلغ الري، فلقيه طاهر بن الحسين، واستمر القتال بينهما إلى أن قتل علي سنة ١٩٥، وقد سبق إيراد هذا الكتاب قبل ذلك في هذا القسم الثاني:
[ ٢ / ٢٩١ ]
والعين القريرة، وكان انتصاره بجد أمير المؤمنين لا بحد نصله، والجد أغنى من الجيش، وإن كثرت أمداد خيله ورجله، وجيء برأس "علي بن" عيسى بن ماهان وهو على جسد غير جسده، وليس له قدم، فيقال: إنه يسعى بقدمه ولا يد، فيقال: إنه يبطش بيده، ولقد طال وطوله مؤذن بقصر شأنه، وحسدت الضباع الطير على مكانها منه، وهو غير محسود على مكانه، وأحضر خاتمه، وهو الخاتم الذي كان الأمر يجري على نقش أسطره، وكان يرجو أن يصدر كتاب الفتح بختمه، فحال ورود المنية دون مصدره، وكذلك البغي مرتعه وبيل ومصرعه جليل، وسيفه وإن مضى فإنه عند الضرب كليل، وقد نطق الفأل بأن الخاتم، والرأس مشيران بالحصول على خاتم الملك ورأسه، وهذا الفتح أساس لما يستقبل بناؤه، ولا يستقر البناء إلا على أساسه، والعساكر التي كانت على أمير المؤمنين حربا صارت له سلمًا، وأعطته البيعة علما بفضله، وليس من تابع تقليدًا كمن تابع علما، وهم الآن مصروفون تحت الأوامر، ممتحنون بكشف السرائر، مطيفون باللواء الذي خصه الله باستفتاح المقالد واستيطاء المنابر، وكما سرت خطوات القلم في أثناء هذا القرطاس، فكذلك سرت طلائع الرعب قبل الطلائع في قلوب الناس، وليس في البلاد ما يغلق بمشيئة الله بابا، ولا يحسر نقابا، وعلى الله إتمام النعم التي افتتحها، وإجابة أمير المؤمنين إلى مقترحاته التي اقترحها، والسلام.
وهذا الكتاب يشتمل على ما اشتمل عليه كتاب طاهر بن الحسين من المعنى، إلا أنه فصل ذلك الإجمال.
ولو كتبت على وجه "التطويل" الذي لا فائدة فيه لقيل: "أصدر كتابه في يوم كذا من شهر كذا، والتقى عسكر أمير المؤمنين، وعسكر عدوه الباغي.
وتطاعن الفريقان، وتزاحف الجمعان، وحمي القتال، واشتد النزال، وترادفت الكتائب، وتلاحقت المقانب١، وقتل "علي بن" عيسى بن ماهان، واحتز رأسه وقطع،
_________________
(١) ١ المقانب جمع مقنب -على زنة منبر- جماعة الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين، أو زهاء ثلثمائة.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
ونزع الخاتم من يده وخلع، وترك جسده طعاما للطيور والسباع، والذئاب والضباع، وانجلت الوقعة عن غلب أمير المؤمنين ونصره، وخذلان عدوه وقهره، والسلام.
فهذا الكتاب يشتمل على تطويل لا فائدة فيه؛ لأنه كرر فيه معاني يتم الغرض بدونها، وذكر ما لا حاجة إليه في الإعلام بالواقعة.
فانظر إلى هذه الكتب الثلاثة، وتأملها كما تأملت الذي تقدمها.
وبعد ذلك إني أورد لك كتابا، وتقليدًا يوضحان لك فائدة الإطناب، أما الكتاب فإنه كتاب كتبته عن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب -رحمه الله تعالى- إلى ديوان الخلافة ببغداد يتضمن فتح بيت المقدس، واستنقاذه من أيدي الكفار، وذلك في معارضة كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني١ عنه، وكان الفتح في السابع والعشرين من شهر رجب من سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
"خلد الله سلطان الديوان العزيز النبوي، وجعل أيام دولته أترابا، ومناقب مجدها هضابا وزادها على مرور الأيام شبابا، وأوسعها توشية وذهابا، إذا أوسع غيرها تلاشيا وذهابا، ومنحها في الدنيا والآخرة عطاء وفاقا لا عطاء حسابا، ومثل جدودها في عيون الأعداء شيئا عجابا، وأراهم منها وراءهم في اليقظة إرهابا وإرعابا، وفي المنام إبلا صعابا تقود خيلًا عرابًا، لو جمعت العصور في صعيد واحد لكان هذا العصر عليها فاخرًا، وفاز بسبق أوائلها وإن جاء آخرا، وليس ذلك إلا لخطوته بالدولة الناصرية التي كسته خبرا وقلدته دررا، ودونت له من المحامد سيرا، وجعلت في كل ناحية من وجهه شمسا وقمرا.
"وقيض الله لها من الخادم وليا يوصل يومه في طاعتها بأمسه، ولا يرى إلا ومن نفسه في خدمتها رقيب على نفسه، وطالما سعى بين يديها بمساع تغص بأخبارها محافل
_________________
(١) ١ هو القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني اللخمي، ولد بعسقلان، ونشأ ببلاد فلسطين، حيث ألم بالعربية والأدب، ثم كتب في الإسكندرية في دواوينها حتى ظهر فضله، فنقل إلى القاهرة زمن العاضد، ولما استولى صلاح الدين على مصر كان بمنزلة وزير له، ووزر بعده لابنه العزيز، وتوفي سنة ٥٩٦هـ.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
القوم، ويقال له فيها: ما ضرك ما صنعت بعد اليوم، وقد سلفت منها آيات تتمايل في أشباهها وأضرابها، واستؤنف لها الآن واحدة تدعى بأم كتابها، وهي فتح البيت المقدس الذي تفتحت له أبواب السماء، وكثرت بأحاديث مجده كواكب ظلماء، واسترد حق الإسلام، وطالما سعت الهمم في طلبه بالزاد والماء، ومن أحسن ما أتي به أنه آنس قبلته الثانية بقبلته الأولى، وأطال منه كل ما قصرته يد الكفر، وكانت هي الطولى، وبه صح لهذا البيت معنى اسمه، وانتقل إلى الطهارة ونزاهتها عن الرجس ووصمه، ولم يحزه الخادم حتى طوى ما حوله من البلاد المنجدة والغائرة، وكان مركزا لدائرتها فغادره وهو طرف من أطراف الدائرة، ولما شارفه نظر منه إلى ظلة من الظلل، ورأى بلدًا قد استقر على متن الجبل مثل الجبل، ويطيف به واد يستهزئ عصمته بنوب الدهر، وقد انعطف على جوانبه انعطاف الحبوة على الظهر١، والمسالك إليه مع ذلك ذات تعاريج ومعارج، وهي ضيقة مستوعرة يطلق عليها اسم الطرق، ولا يطلق عليها اسم المناهج، فلما رآه قال: هذا أمنية لمن يرى، وعلم حينئذ أن كل الصيد في جوف الفرا٢، إلا أن لسان حاله خاطبه، وهو أفصح الخطاب، وقال: امدد يدك فليس دونها من حجاب.
وكان قد برز من السلاح في لباس رائع من المنعة، وأخرج من السواد الأعظم ما خدع العيون والحرب خدعة، وما يمنع رقاب البلاد بكثرة السواد، ولا يحمى بعوالي الأسوار بل بعوالي الصعاد، وفي يوم كذا وكذا خيم المسلمون في عقر داره، ونزلوا منه نزول الجار إلى جانب جاره، ثم ارتادوا موقفا للقتال، وإن لم يكن هناك موقف يقرب مناله، ولا يتسع مجاله، واتفق الرأي على لسان المنجنيق في خطبة عقيلية أبلغ خطابا.
_________________
(١) ١ يقال: احتبى بالثوب اشتمل، أو جمع ظهره وساقيه بعمامة ونحوها، والاسم الحبوة بفتح الحاء وكسرها. ٢ قال ابن السكيت: الفرا الحمار الوحشي، وجمعه فراء، قالوا: وأصل المثل أن ثلاثة نفر خرجوا متصيدين، فاصطاد أحدهم أرنبا، والآخر ظبيا؛ والثالث حمارا، فاستبشر صاحب الظبي بما نالا، وتطاولا عليه، فقال الثالث: "كل الصيد في جوف الفرا" أي: هذه الذي رزقت وظفرت به يشمل على ما عندكما، وذلك أنه ليس مما يصيده الناس أعزم من الحمار الوحشي، ولاستعمال المثل بقية -انظر أمثال الميداني ٢/ ٨٢.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وأدنى من المطلوب طلابًا، وأنه إذا ضرب بعصاه الحجر انبجست عيون أهله دماء، كما انبجست عيون الحجر ماء.
هذا والعزائم تنظر إلى هذا الرأي نظر المستجهل، وتصد عنه صدود المستعجل، وتقول: ما بارتياد السهل تملك الصعاب، ومن ابتنى السيف صرحا لم ينأ عنه بلوغ الأسباب، والحديد لا يفلح إلا بالحديد، والركن الشديد لا يصدم إلا بركن شديد، فعندها صمم الخادم أن يلقى البلد مواصبا لا مواربًا، وأن يجعل للزحف جانبا وللمنجنيق جانبا، ونوى أن يبدي صفحة وجهه أمام الناس، وتأسى برسول الله -ﷺ- في الاتقاء به إذا اشتد البأس، ولا شك أن قلوب الجيوش بمنزلة قلوبها، وأن النفاذ لأسنة الرماح لا لكعوبها، ولا يشتفي من الوغى إلا من كان طرفه أمام طرفه، ومن وقف خلف جنوده، فقد جعل عزائمها من خلفه.
ولما وقع الزحف صورع البلد صراعًا، بعد أن قورع قراعًا، ثم هز هزة طوته بيمينها ونشرته بشمالها، وأذاقته العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر من نكالها، وبدون ذلك يكون عرك أديمه، وعطف شكيمه، ولم يكن قتاله بالسهام التي غايتها أن تصف أجنحتها للمطار، وتنال بكلومها من فوق الأسوار، بل بالسيوف التي إذا جالدت بلدًا أخذت بكظمه، وتوغلت في هجمه، وأغنت بسرعة خطواتها إليه عن المنجنيق وإبطاء هدمه، والسيف ليس بمرتو من النفس التي تظل طائشة عند لقائها، جائشة عند استيفائها، فالقلوب توصف بأنها تجيش إذا كانت أعدادًا، والنفوس لا تجيش إلا إذا كانت ثمادًا، وما يستوي وجوه الأقران في إقدامها وإحجامها، فمنها المظلم إذا رابها الروع بإشراقها، ومنها المشرق إذا شابها الروع بإظلامها، وكانت وجوه المؤمنين في هذا المقام أحظى بلباس الإشراق، وأتم أبدرًا، والبدور لا يكون تمامها في المحاق، فما منهم إلا من عرض نفسه ليوم العرض، ومشى إلى جنة عرضها السموات والأرض، حتى اتسع المكر، وضاق بأعداء الله المقر، وحرقت أوعار الخنادق، وصار الرجال لمنطقة السور كالمناطق، ولم يستشهد منهم إلا عدد يسير لا تدخله لام التعريف، وكانت أجنحة الملائكة مطيفة بهم، فأكرم المطاف به وبالمطيف.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وقد أسعد الله أولئك بالشهادة التي هي الفوز الأكبر، وقرنها بإدناء مضاجعهم من الأرض المقدسة، التي هي أرض المحشر، فما يسرهم أن يعودوا إلى الدنيا إلا للاستزادة من ثواب الجهاد، وأيسر ذلك أن أرواحهم في حواصل طير خضر تعلق من ثمار الجنة إلى يوم المعاد.
ولما رأى الكفار أن صليبهم قد صار خوارًا، وأن زئيرهم قد انقلب خوارا، أذعنت أيديهم باستسلامها، وصانعت بالمال عن الرقاب واسترقاقها، وبالبلد عن النفوس وحمامها، فأبى السيف أن يترك رقابا تغذي بأكلها، ويحل من عشقها على مداومة وصلها.
وذكر الخادم أن سلف هؤلاء انتزاع هذا البلد قسرًا، وفتك بمن كان به من المسلمين غدرًا، وذلك ثأر ذخره الله لك حتى تحظى في الآخرة بثوابه، وتتجمل في الدنيا بزينة أثوابه، والمسلم أخو المسلم يأخذ بدمه، وإن تطاولت أمداد السنين على قدمه، فيا بعد عهد هذا الثأر من ثائره، ويا طيب خبره عند سامعه، وحسن أثره عند ناظره.
ولما تحقق العزم على ذلك أشار ذوو الرأي بقبول الفدية المبذولة، وألا يحمل العدو على ما ليست نفسه عليه بمحمولة، فإن النقد١ إذا أخرج صار ذا أنياب وأظفار، واستضرى حتى يلتحق بالسباع الضوار، وهؤلاء إذا رأوا عين القتل تجردوا للقتال، وركبوا الأهوال للنجاة من الأهوال، ومن يدع إلى خطة رشد فليقبلها، ومن أنشط له عقل الأمور فلا يعقلها، وعلى كل حال فإن الفدية للمسلمين أرغب، وأموال يتقوى بها على العدو خير من دماء تذهب.
هذا، وبالبلد من أسارى المسلمين من حياة أحدهم بحياة كل نفس، ومن حرمته
_________________
(١) ١ النقد بالتحريك جنس من الغمم.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
عند الله مما طلعت عليه الشمس، ولا يوازى فتحه عنوة أن يتعدى إليهم أضراره، ولا شك أنهم يعاجلون بالقتل قبل أن تدخل أقطاره.
فرأى الخادم عند ذلك أن الرأي مشترك، وأن له معتركا كما أن السيف له معترك، وتقرر تسليم البلد ودموع أهله قد خضبت أحداقها، وأقرحت آماقها١ ولم تطب أنفسهم بفراق قمامه حتى كادت الهام تفارق أعناقها، فعلى حسب ذلك التراب تقوم قيامتهم، وتشيل نعامتهم، ولطالما ابتهلوا عنده أيام الحصار، واستنصروه فلم يحظوا منه بمعونة الانتصار، وكيف يرجى النصر من معبود تقر شيعته بقتله؟، أم كيف يدفع عن غيره من كان هو مبتلى بمثله، وهذه عقول سخيفة نفذ فيها كيد شيطانها، وأخفى عنها محجة الحق على وضوح بيانها.
ولقد كان يوم التسليم عريض الفخار، زائد العمر على عمر أبويه من الليل والنهار، واشتق من اسمه معنى السلامة للمسلمين والهلاك للكفار، وزاده فخرا إلى فخره أنه وافق اليوم المسفر عن ليلة المعراج النبوي الذي كان في تلك الأرض موعده، ومن صخرتها مصعده، وذلك هو الإسراء الذي ركب إليه ظهر البراق٢، واستفتح له أبواب السبع الطباق، ولقي فيه الأنبياء على اختلاف درجاتهم، فظفر خير ملقى بخير لاق، وبركة ذلك اليوم سرت إلى هذا، فأطالت من شهرته، وضمنته نصرة الدين الحنيف الذي لله عناية بنصرته، وجعلته تاريخًا يؤرخ بفتحه كما أرخ النبي -ﷺ- بدار هجرته، وإذا أنصف واصفه قال: إنه لليوم البدري في اقتراب النسب، وإنه العجيبة التي لم تجفل عنها الأيام في صفر، وإنما أجفلت عنها في رجب، فما أكثر الفائز فيه والمغبون، والمسرور والمحزون فيمن جد راكب ومن جد راجل، ومن عز قادم وذل راحل.
_________________
(١) ١ جمع مأق ومؤق طرف العين مما يلي الأنف، وهو مجرى الدمع من العين، أو مقدمها أو مؤخرها. ٢ البراق دابة ركبها رسول الله -ﷺ- ليلة المعراج، قال صاحب القاموس "٣/ ٢١٢"، وكانت دون البغل وفرق الحمار.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
ولطالما جد الخادم في السعي له وأبصار العدا تزلقه، وألسنتهم تسلقه، وما منهم إلا من أكثر الشناعة بأن ذلك السعي للاستكثار من البلاد، والله يعلم أنه لم يكن إلا للاستكثار من موارد الجهاد، لا جرم أن صدق النية كان له عقبى الدار، وتلك الأقوال الكاذبة كان لها عقبى البوار، ويوم هذا الفتح يفتقر قبله إلى أيام تجلو بياضه عن سوادها، ويلقح لها بطون المساعي حتى يكون هو نتيجة ميلادها، ولما ظفر به الخادم لم يكن لأهل النجامة١ فيه قول يرد كذابه، ولا يقبل صوابه، والشهب الطالعة على ذوات السروج، أصدق نبأ من الشهب الطالعة من ذوات البروج، على أنهما وإن اتفقا رجما فإنهما يختلفان علما، فعلم هذه يسأل عنه ثغر الأعناق، وعلم هذه يسأل عنه بطون الأوراق.
ولما دخل البلد وجد به أممًا لولا أن ضربت عليهم الذلة لدافعوا المنايا مكاثرة، وغالبوا السيوف مصابرة، وهم طوائف مختلفو الألسنة والألوان، وإن قيل: إنهم أناسي فإن صورهم صور الجان، ومنهم طائفة استشعرت حبس نفوسها، وفحصت الشعر عن أوساط رءوسها، وتوحشت بالرهبانية حتى ارتاعت العيون من أشكالها ولبوسها.
ولما رأوا طليعة الإسلام داخلة عليهم أعلنوا بالجؤار٢، واصطرخوا جميعًا كما يصطرخون غدا في النار، وزادهم غيظا إلى غيظهم أنهم رأوا الصلاة قائمة، وقد صار الناقوس أذانا، وكلمة الكفر إيمانا، وأقيمت الجمعة، وهي أول جمعة حظي الأقصى بمشهدها، وحضرتها الأمة الإسلامية بأحمرها وأسودها، فمن باك بدمعة سروره الباردة، ومن مجيل نظره في نعمة الله الواردة، ومن شاكر للزمن الذي أبقاه إلى يومه هذا الذي كل الأيام له حاسدة، من كان ولده تقدم قبله أو بعده فكأنه لم يولد، وكانت هذه الجمعة في رابع شعبان، وهو الشهر الذي جعله الله طليعة لشهر الصيام، وليلة نصفه هي الليلة المعروفة بإحياء قيامها إلى حين وفاة شخص الظلام، والتي يغفر فيها لأكثر من شعر غنم كلب من ذوي الذنوب والآثام.
_________________
(١) ١ النجامة عمل المنجم، والمتنجم والنجام من ينظر في النجوم بحسب مواقيتها وسيرها. ٢ الجؤار رفع الصوت بالدعاء، والتضرع، والاستغاثة.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وجيء باللواء الأسود، فركز من المنبر في أعلاه، ونطق لسان حاله، فقال: من كان رسول الله ﷺ مولاه فأنا مولاه، ولم يكن لسان الخطيب بأفصح بيانًا من لسانه، غير أن هذا يزهى ببلاغ موعظته، وهذا يزهى بعزة سلطانه، ولما ذكرت سمات الخلافة المعظمة أتبعها الناس بالدعاء الذي ملأ المسجد بعجيجه، وسبق الكرام الكاتبون بزميله إلى السماء ووشيجه، وكان اليوم فصلا، والموقف حفلا، وذلك الدعاء فرضا لا نفلا.
ولا ينتهي النصف إلا ما شوهد بالبلد من الآثار العجيبة التي تستلبث العجلان، وتستحلب الأذهان، وتستنطق الألسنة بالتسبيح لله الذي فطر الإنسان، ومن جملة ذلك ما تبوهي في حسنه من البيع والصوامع، ذوات الأبنية الروائع، التي روضت بالزخارف ترويض الأزهار، ورفعت معاقدها حتى كادت النجوم توحي إليها بالأسرار، وما منها إلا ما يقال: إنه إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، ولقد ألان الله لهم الحجارة حتى تخيروا في توسيعها بضروب الاختيار، وجعلوها أعاجيب للأسماع والأبصار، وقيل فيها: هذه روضات جنان لا أفنية ديار.
هذا إلى غيره مما وجد من معبودات القوم الموصوفة بأنها آلة الصلب، اللاتي من ذوات النصب، وأكثر ذلك وجد في المسجد موضوعا، وعلى قبته مرفوعا، فأنزلت على قرونها، واستن بسنة رسول الله -ﷺ- في طعن عيونها، واستوطن المؤمن مكان الكفور، وبدلت الظلمات بالنور، وقالت الصخرة: الآن جمع بيني وبين الحجر الأسود لخاطب الإسلام، والجمع بين الأختين في هذا الأمر من الحلال لا من الحرام، وقال الأقصى: سبحان الذي أسرى إلي بجنده، كما أسرى بعبده، وأعاد لي عهود الفتح الأول بهذا الفتح الذي أتى من بعده، وعود الذاهب أرجى لدوام أحقابه، وخلود الإنسان لا يكون إلا في مآبه، وهذا هو الخطب الذي جدد للإسلام عهود ابن خطابه١ -﵁- إلا أن مستنقذ الطريدة أولى بها من صاحبها، ولئن غصبتها يد غالبة، فقد جاء الله باليد التي غصبتها من غاصبها.
_________________
(١) ١ يشير إلى فتوح المسلمين في خلافة عمر بن الخطاب -﵁.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
هذا ولم يستنقذها الخادم إلا بإنضاء سلاح أنفته الوقعة الأولى التي استأصلت حماة البلاد، واستباحت أغيالها بقتل الآساد، فكانت لهذا الفتح عنوانا، ولتقرير أصوله بنيانا، ولم ينج بها من طواغيت الكفر إلا طاغية ترابلس، فإن السيوف أسأرته وبفؤاده قلق من أوجالها، وفي عينه دهش من أهوالها، وقد قرن الله هذا الفتح ببشرى موته.
وكفى المسلمين مؤنة الاهتمام لفوته، ففر من الوقعة، ولم ينج بذلك الفرار، واعتصم بذات جداره، فقتله الخوف من وراء الجدار، ولا فرق بين قتيل خوف السفار، وبين قتيل الشفار، ولقد فر من المكروه إلى مثله، لكنه انتقل من ميتة عزه إلى ميتة ذله.
وكذلك آثار الخادم في أعداء الله فهم هلكى بسيفه في مواقف الطراد، فإن فروا فبخوفه على جنوب الوساد، وبعد هذه فهل يمترون في أن دمائهم قد استجابت لمراده، وأن سواء لديه من أمكن منها في دنوه، ومن امتنع منها في بعاده، وكل ذلك مستمد من الاستنصار بعناية الديوان العزيز التي من شأنها أن تجعل الرؤيا حقًّا، وأحاديث الآمال صدقا، وتقرب بعيدات الأمور حتى تجعل الشرق غربا والغرب شرقا، فهذا الفتح منسوب إليها، وإن كان الخادم هو الساعي في تسهيله، والمجاهد بنفسه وماله في سبيله، فعلى عطف دولتها ترقم أعلامه، وفي أيامها تؤرخ أيامه.
ولو أبيح للقلم الخيلاء في مقام المقال، كما أبيح لصاحبه في مقام القتال، لاختالت مشيته في هذا الكتاب، ولقال: وأسهب فليس الإكثار ههنا من الإسهاب، لكنه منعه من ذلك أن يكون ممن فخر بعمله فأبطله، وأرسل خطابه إلى الديوان العزيز، فلم يقبضه بالأدب حين أرسله، وقد ارتاد من يبلغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي، فأحسن الناس بيانًا مؤهل لإيداع حسانها، والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها التي صحبها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال، والأيام والليالي رواة، فما الظن برواية الأيام والليال؟
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وستتلو هذه الأخبار الصادقة بمشيئة الله أخبار مثلها صادقة، وما دامت السيوف ناطقة في يد الخادم فالألسنة عنها ناطقة، وللآراء العالية مزيد العلو، إن شاء الله تعالى.
وأما التقليد، فإنه تقليد أنشأته لمنصب الحسبة، وهو:
"أما بعد، فقد جعل الله جزاء التمكين في أرضه أن يقام بحدود فرضه، ونحن نسأله التوفيق لهذا الأمر الذي ثقل حمله وعدم أهله، فقد جيء بنا في زمن أصبح الناس فيه سدى، وعاد الإسلام فيه غريبا كما بدا، وهو الزمن الذي كثرت فيه أشراط١ اليوم الأخير، وغربلت فيه الأمة حتى لم يبق إلا حثالة٢ التمر والشعير.
ومن أهم ما نقرر بناءه، ونقدم عناءه، ونصلح به الزمن وأبناءه، أن نمضي أحكام الشريعة المطهرة على ما قررته، في تعريف ما عرفته، وتنكير ما نكرته، ومدار ذلك على النظر في أمر الحسبة التي تتنزل منه بمنزلة السلك من العقد، والكف من الزند، وقد أخلصنا النية في ارتياد من فيها ويكفيها، ويصطفى لها ولا يصطفيها، وهو أنت أيها الشيخ الأجل "فلان" أحسن الله لك الأثر، وصدق فيك النظر، فتولها غير موكول إليها، بل معانا عليها.
واعلم أن الناس قد أماتوا سننا وأحيوا بدعا، وتفرقوا فيما أحدثوه من المحدثات شيعا؛ وأظلم منهم من أقرهم على أمرهم، ولم يأخذ بقوارع زجرهم، فإن السكوت عن البدعة رضا بمكانها، وترك النهي عنها كالأمر بإتيانها، ولم يأت بنا لله تعالى إلا ليعيد الدين قائما على أصوله، صادعا بحكم الله فيه وحكم رسوله.
ونحن نأمرك أن تتصفح أحوال الناس في أمر دينهم الذي هو عصمة مالهم، وأمر معاشهم الذي يتميز به حرامهم عن حلالهم، فابدأ أولًا بالنظر في العقائد، واهد فيها
_________________
(١) ١ الأشراط: العلامات. ٢ الحثالة ما لا خير فيه، والرديء من كل شيء.
[ ٢ / ٣٠١ ]
إلى سبيل الفرقة الناجية١ الذي هو سبيل واحد، وتلك الفرقة هي السلف الصالح الذين لزموا مواطن الحق فأقاموا، وقالوا: ربنا الله ثم استقاموا، ومن عداهم شعب دانوا أديانا، وعبدوا من الأهواء أوثانا، واتبعوا ما لم ينزل به الله سلطانا "ولو نشاء لأريناكهم، فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول، والله يعلم أعمالكم"٢، فمن انتهى من هؤلاء إلى فلسفة فاقتله، ولا تسمع له قولا، ولا تقبل منه صرفا ولا عدلا، وليكن قتله على رءوس الأشهاد ما بين حاضر وباد، فما تكدرت الشرائع بمثل مقالته، ولا تدنست علومها بمثل أثر جهالته، والمنتمي إليها يعرف بنكره، ويستدل عليه بظلمة كفره، وتلك الظلمة تدرك بالقلوب لا بالأبصار، وتظهر زيادتها ونقصها بحسب ما عند رائيها من الأنوار، وما تجده من كتبها التي هي سموم ناقعة، لا علوم نافعة وأفاعي ملقفة، لا أقوال مؤلفة، فاستأصل شأفتها٣ بالتمزيق، وافعل بها ما يفعله الله بأهلها من التحريق، ولا يقنعك ذلك حتى تجتهد في تتبع آثارها، والكشف عن مكامن أسرارها، فمن وجدت في بيته فليؤخذ جهارا، ولينكل به إشهارا، وليقل: هذا جزاء من استكبر استكبارا، ولم يرج لله وقارا.
وأما من تحدث في القدر، وقال فيه بمخالفة نص الخبر، فليس في شيء من ربقة الإسلام، وإن تنسك بمداومة الصلاة والصيام، قال النبي -ﷺ: "القدرية مجوس هذه الأمة"، والمراد بذلك أنهما ماثلوا بين الله والعبد، والضياء والظلمة، فعلاج هذه الطائفة أن تجزى بأن تخزى، فليقابل جمعها بالتكسير، واسمها بالتصغير، ولتنقل إلى ثقل الحدود عن خفة التعزير، ومن كان منها ذا مكانة نابهة فليهبط، أو شهادة عادلة فليسقط:
_________________
(١) ١ يروى عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، تزيد عليهم ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة"، قالوا: يا رسول الله من الملة الواحدة؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي"، وفي هذا الحديث روايات، والملة الواحدة، هي الفرقة الناجية. ٢ سورة محمد: الآية ٣٠. ٣ الشأفة: الأصل، واستأصل الله شأفته أذهبه، وأزاله من أصله.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وكذلك يجري الحكم فيمن قال بالتشبيه والتجسيم، أو قال بحدوث القرآن القديم، ومن ملحدي القرآن فرقة فرقت بين المعنى والخط، وفرقة قالت فيه بالشكل والنقط، وكل هؤلاء قوم خبثت سرائرهم، وعميت أبصارهم، وعظمت عند الله جرائمهم، فخذهم بالتوبة التي تطهر أهلها، وتجب ما قبلها، وليست التوبة عبارة عن ذكرى اللسان، والقلب لاه في قبضة النسيان، بل هي عبارة عن الندم على ما فات، واستئناف الإخلاص فيما هو آت، وقد جعل الله التائب من أحبابه، ووصفه في مواضع كثيرة من كتابه، ومن فضله أن الملائكة يستغفرون لذنبه، ويشفعون له إلى ربه، فإن أبت هذه الطوائف إلا إصرارًا، ولم يزدهم دعاؤك إلا فرارًا، فاعلم أن الله قد طبع على قلوبهم طبعًا، وألحقهم بالذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره، وكانوا لا يستطيعون سمعا، فخذهم عند ذلك بحد الجلد، فإن لم ينجع فبحد ذوات الحد، فإن هذه أمراض عمى لا ترجى لها الإفاقة، ولا تبرئ منها إلا الدماء المراقة.
وأما الفرقة المدعوة بالرافضة، التي هي لما رفعه الله خافضة، فإنهم أناس ليس لهم من الدين إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه، وإذا نقب عن مذهبهم وجد على العصبية موضوعًا، ولغير ما شرعه الله ورسوله مشروعا، ذبُّوا عن علي -﵁- فأسلموه، وأخروه إذ قدموه، وهؤلاء وضعوا أحاديث فنقلوها، وأولوا على ما أولوها، فتبع الآخر منهم الأول على غمة، وقالوا: إنا وجدنا آبائنا على أمة.
وههنا غير ما ذكرناه من عقائد محلولة، ومذاهب غير منقولة ولا مقبولة، وبالهدي يتبين طريق الضلال، وبالصحة يظهر أثر الاعتلال ولا عقيدة إلا عقيدة السنة والكتاب، ولا دين إلا دين العجائز الماء والمحراب.
وإذا فرغنا من الوصية بالأصول التي هي للدين ملاك، فلنتبعها بالفروع التي هي له مساك:
وأول ذلك الصلاة، وهي في مباني الإسلام الخمس أوكد خمسه، وآخر ما وصى به رسول الله ﷺ عند مفارقة نفسه، ومن فضلها أنها العمل الذي
[ ٢ / ٣٠٣ ]
ينهى عن الفحشاء والمنكر، ولا عذر في تركها لأحد من الناس فيقال: إنه يعذر، فاجمع الناس إليها، واحملهم عليها، ومرهم بالاجتماع لها في المساجد، وناد فيهم بفضيلة صلاة الجماعة على صلاة الواحد، وراقبهم عند أوقات الأذان في الأسواق التي هي معركة الشيطان، فمن شغل بتثمير مكسبه، ولها عنها بالإقبال على لهوه ولعبه، فخذه بالآلة العمرية التي تضع من قدره، وتذيقه وبال أمره، ولا يمنعك عن ذي هيبة هيبته، ولا عن ذي شيبة شيبته، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.
ومن مهمات الصلاة يوم الجمعة الذي هو في الأيام بمنزلة الأعياد في الأعوام، وفيه الساعة المخصوصة بالدعاء المجاب، التي ما صادفها عبد إلا ظفر بالطلاب، فمر الناس بابتداره في البواكر، والفوز فيه بقربان البدنات١ الأخاير، فإنه اليوم الذي لم تطلع الشمس على مثله، وبه فضل هذا الدين على أهل الكتاب من قبله -فهو واسطة عقد الأيام السبعة، ولاشتماله على مجموع فضلها سمي يوم الجمعة، وفي الأعوام مواسم لصلوات مخصوصة كالتراويح في شهر رمضان، والرغائب في أول جمعة من رجب، وليلة النصف من شعبان، فلتملأ المساجد في هذه المواسم التي تكثر فيها شهادات الأقلام، في كتب الطاعات ومحو الآثام، ومن حضرها وليس همه إلا أن يمر بها طروقًا، ويواعد إليه أخدانه رفثًا وفسوقًا، فهؤلاء هم الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فابعث عليهم قوما يسلبونهم سلبا، ويوجعونهم ضربا، ويملئون عيونهم مهابة وقلوبهم رعبا، فبيوت الله مطهرة من هذه الأدناس، ولم تعمر لشياطين الإنس وإنما عمرت للناس، فلا يحضرها إلا راكع وساجد، أو ذاكر وحامد.
وههنا عظيمة عضيهة٢، وفاحشة يفقه لها من ليست نفسه بفقيهة، وهي الربا، فإنه قد كثر أكله، وتظاهر به فاعله، وقال فساق الفقهاء بتأويله؛ وتوصلوا إلى
_________________
(١) ١ البدنات: الأضاحي. ٢ العضبهة: الإفك والبهتان.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
شبهة تحليله، ولا يتسارع إلى ذلك إلا من أعمى الله قلبه، ومحق كسبه، قال النبي -ﷺ: "لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها، وباعوها وأكلوا أثمانها"، ونحن نأمرك أن تشمر في هذا الأمر تشميرًا يرهبه الناس، ولا تدع ربا حتى تضعه، وأول ربًا تضعه ربا العباس١؛ فتأديب الكبير قاض بتهذيب الصغير، والأسوة بالرفيع خلاف الأسوة بالنظير؛ وجل معاملة الربا تجري في سوق الصرف الذي تختلف به النقود، وتفترض فيه العقود، ويخاض في نار نيره إلى النار ذات الوقود، وبه قوم أوسعوا عيون الموازين غمزًا، وألسنتها همزًا ولمزًا، وأصبح الدرهم والدينار عندهم بمنزلة الصنمين: اللات والعزى، ولا يرى منهم إلا من الحرص مفاض على ثيابه، وقد جمع بين المعرفة بالحرام والهجوم على ارتكابه، فعدل ميل هؤلاء تعديلا، وتخولهم على مرور الأيام تخويلا، واعلم أنك قد وليت من الكيل، والميزان أمرين هلكت فيهما الأمم السالفة، فباشرهما بيدك مباشرة الاختبار والاختيار، ولا تقل أهلهما عثرة، فإن الإقالة لا تنتهى عن العثار، وكل هؤلاء من سواد الناس ممن لم يزك غرسه، ولا فقهت نفسه، وليس همه إلا فرجه وضرسه، فخذهم بآلة التعزيز التي هي نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى، ومن آثارها أنها ترج أرض الرأس رجا، وتفرج سماءه فرجا، ويسلك بصاحبه هديا ونهجا. وقد كثر في الأسواق الخلابة والنجش٢، وتلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي، وتنفيق السلعة باليمين الكاذبة، وكل هذه من المحظورات التي وردت الأخبار النبوية ببيانها، والنهي عن تورد مكانها، فمن قارف شيئا منها جاهلًا بتحريمه فقومه بالتعليم، واهده إلى الصراط المستقيم، ومن عرف ما اقترف، فأذقه حر التأديب، قبل أن يذاق غدًا حر التعذيب، وأعلمه أن الأرزاق بيد الله تعالى لا ينقصها عجز
_________________
(١) ١ من خطبة رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع قوله: "وإن ربا الجاهلية موضوع -أي ساقط لا حساب عليه- وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب". ٢ النجش أن تواطئ رجلا إذا أراد بيعا أن نمدحه، أو أن يزيد الإنسان أن يبيع بياعة، فتساومه فيها بثمن كثير، لينظر إليك ناظر فيقع فيها، أو أن ينفر الناس عن الشيء إلى غيره.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
القاعد، ولا يزيدها حرص الكادح، وقد ينقلب الجاهد فيها بصفقة الخاسر، والوادع بصفقة الرابح، ومن سنة الله تعالى أن ينمي الحلال وإن كان يسيرًا، ويمحق الحرام، وإن كان كثيرًا.
ومن الناس من آتاه الله مالا فبث في الأسواق جنود ذهبه وورقه، واحتكر ما حمله الميزان من ذوات رطله، ووسعه الكيل من ذوات وسقه، فأصبح فقراء بلده في ضيق من عدم الرفق، ومدد الرزق، فليمنع هؤلاء أن يجعلوا رزق الله محتكرًا، ومعاش عباده محتجرًا، وليؤمروا بأن يتراحموا، ولا يتزاحموا، وأن يأخذ الغني منهم بقدر الكفاف، ويترك للفقير ما يعينه على الإسعاف، قال عمر بن الخطاب -﵁: "لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من أرزاق الله تعالى ينزل بساحتنا، فيحتكرونه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده، فذلك ضيف عمر، فليبع كيف شاء الله، وليمسك كيف شاء الله".
وأما التسعير فإنه وإن آثره القاسطنون، وحكم به القاسطون، وقيل: إن في ذلك للفقير تيسير العسير، فليس لأحد أن يكون يد الله في حفظ ما رفع، وبذل ما منع، فقف أنت حيث أوقفك حكم الحق، ودع ما يعن من مصلحة الخلق، ولا تكن ممن اتبع الرأي والنظر، وترك الآية والخبر، فحكمة الله مطوية فيما يأمر به على ألسنة رسله، وليست مما يستنبطه ذو العلم بعلمه، ولا يستدل عليه ذو العقل بعقله، "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا"١.
ومما نأمرك به أن تمحو الصغيرة، كما تمحو الكبيرة، فإن لمم الذنوب كالقطر يصير مجتمعه سيلا متدفقا، وكان أوله قطرًا متفرقا.
وقد استمر في الناس عوائد تهاونوا باستمرارها، ولم ينظروا إلى ثقل أوزارها، فمن ذلك لبس الذهب، والحرير الذي لم يلبسه إلا من عدم عند الله خلاقا، وإن قيل: إنه
_________________
(١) ١ سورة النساء: الآية ٨٢.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
شعار للغني فلم يزد صاحبه من الحسنات إلا إملاقًا، وللبس عباءة مع التقوى أحسن في العيون شعارًا، وأعظم في الصدور وقارًا.
ويلتحق بهذه المعصية صوغ الذهب، والفضة آنية يمنع منها حق الصدقات، وهو حق يقاتل مانعه، ويعصى في استعمالها أمر الله، وهو حد من حدوده يعاقب عاصيه، ويثاب طائعه.
وكذلك يجري الحكم في الصور المرقومة في البيوت والثياب، وعلى الستور المغلقة على الأبواب، وإخراجها في ضروب أشكال الحيوان لملاعبة الصبيان، وذلك مماثلة لخلق الله في التقدير، ولهذا يؤمر صانعه بنفخ الروح فيما صوره من التصوير.
ومما يغلظ نكيره إطالة الذيول للاجترار، والمباهاة لما فيها من عنجهية التيه والاستكبار، ولن يخرق صاحبها الأرض بإعجابه، ولا يبلغ الجبال بإطالة ثيابه١، قال النبي -ﷺ: "إن الله لا ينظر إلى من جر ثوبه خيلاء".
ومما هو أشد نكيرًا أمر الحمامات، فإن الناس قد أصروا بها على الإجهار، وترك الاستتار، والتهاون بأمر العورات التي لصاحبها اللعنة، وله سوء الدار.
والنساء في هذا المقام أشد تهالكًا من الرجال، وقد ابتذلن أنفسهن حتى أفرطن في فاحشة الابتذال، ولهن محدثات من المنكر أحدثها كثرة الإرفاه والإتراف، وأهمل إنكارها حتى سرت في الأوساط والأطراف، وقد أحدثن الآن من الملابس ما لا يخطر للشيطان في حساب، وتلك من لباس الشهرة الذي لا يستر منه إسبال مرط٢، ولا إدناء جلباب.
ومن جملتها أنهن يعتصبن عصائب كأمثال الأسنمة، ويخرجن من جهارة
_________________
(١) ١ مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٧] . ٢ المرط: بالكسر كساء من صوف، أو خز وجمعه مروط.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
أشكالها في الصور المعلمة، وقد أخبر رسول الله ﷺ "بها فيما ورد عنه من الأخبار، وجعل صاحبها معدودًا من زمرة أصحاب النار.
ومما حيد به عن السنن قراءة القرآن بضروب الألحان، وتلك قراءة تخرج حروفها من غير مخرج، وتبدو معوجة وهو قرآن عربي غير ذي عوج، وقد أمر الله بترتيله، وإيراده على هيئة تنزيله، فمن قرأه بالترجيع والترديد، وزلزل حروفه بالتمطيط والتمديد، فقد ألحقه بدرجات الأغاني، وذهب بما فيه من طلاوة الألفاظ والمعاني، قال النبي -ﷺ: "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق ولحون أهل الكتابين، وسيجيء بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء، والنوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم".
ويلتحق بذلك اقتناء القينات المغنيات اللاتي يلعبن بالعقول لعبهن بالأسماع، ويغنين الشياطين بغنائهن عن بث الجنود والأشياع، وفتيا النفس الأمارة في ذلك أن تقول: هؤلاء إماء يحل نغمة سماعهن، كما يحل ما تحت قناعهن، وقد علم أن لكل شيء تماما، وقد ينقلب فيصير حرامًا، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، قال النبي -ﷺ: "لا تبيعوا القينات المغنيات ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام". وفي مثل هذا أنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ١.
وكذلك يجري الحكم في المواشط اللاتي يجعلن الحسن موفورًا، والقبح مستورًا، ويخدعن الناظر حتى يجعلنه مسحورًا، فهن يبدين صدقًا من كذب، وجدا من لعب، وفعلهن هذا من الغش الذي نهى رسول الله -ﷺ عنه، وقال: "إنه ليس منه" ٢، وقد لعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة والواشرة والمستوشرة٣.
_________________
(١) ١ سورة لقمان: الآية ٦. ٢ إشارة إلى قوله -ﷺ: "من غشنا فليس منا"، أو من غش أمتي فليس مني". ٣ الواصلة التي تصل شعرها بشعر غيرها، والواشرة التي تحدد أسنانها، والواشمة التي تشم يدها أو غير ذلك من أعضائها، والمستفعل من كل هذه الأشياء من يطلبها.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
ومن غش المنكرات أيضًا خضاب الشيب الذي يخالف فيه الظاهر الباطن، ويتخلق صاحبه بخلق الكاذب الخائن، وهب أنه أخفى لون شعره، وهل يخفي أخلاق لباسه، وإذا استسن ملائم المرء، فلا يغنيه سواد عارضه، ولا سواد رأسه، وقد جعل الله الشيب من نعمه المبشرة بطول الأعمار، وسماه نورا للونه وهدايته، ولا تستوي الظلمات والأنوار، قال النبي -ﷺ: " قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة" والأولى بصاحب١ الشيب أن يشتغل بتغيير صيغة الكتاب٢، ويدأب في محو سواد العقاب ببياض الثواب، ففي بقية عمره مندوحة لادخار ما يحمد ذخره، وتبديل ما تقدم سطره.
ومما خولفت فيه السنة عقد مجالس التعازي لحضور الناس، وإظهار شعار الأسود، والأزرق من اللباس، والتشبيه٣ بالجاهلية في النوح والندب، ومجاوزة دمع العين وخشوع القلب إلى الإعلان بإسخاط الرب، وقد تواطأ النساء على ضرب الخيام على القبور، وجعل الأعياد مواسم لاجتماع الزائر والمزور، فصارت المآتم بينهم ولائم، والمنادب عندهم مآدب، وربما نشأ من ذلك ما يغض طرفا، ويجدع أنفا، ويوجب حدا وقذفا، وهكذا أهمل أمر الإسلام في تشبه أهل الذمة بأهله، وما كانوا ليشابهوه في زي غرته، ويخالفوه في سلوك سبله، ولا بد من الغيار بأن يشد النصراني عقدة زناره، ويصفر اليهودي أعلى إزاره.
وليمنعوا من الظاهر٤ بطغيان النعمة وعلو الهمة، ويؤمروا بالوقوف عند ما حكم عليهم من الأحكام، وأخذوا فيه بالاختفاء والاكتتام، فخمورهم تستر،
_________________
(١) ١ سقط هذا الحديث من أصول الكتاب وجميع طبعاته، وقد أكملنا الحديث الشريف، ونقلنا الكلمتين الواردتين بعقده من رسائل ابن الأثير "١٤٧" التي حررها، وحققها الأستاذ أنيس المقدسي -بيروت١٩٥٩م. ٢ أي محو ما كتب عليه من ذنوب بالتوبة، والعمل الصالح. ٣ في الأصل "التشبيه" وهو تحريف، والصواب عن رسائل ابن الأثير. ٤ في الأصل "الظاهر" وهو تحريف.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وشعائر دينهم لا تظهر، وموتاهم تقبر بالخمول قبل أن تقبر، فلا يوقد خلف ميتهم مصباح، ولا يتبع بندب ولا صياح.
ومما عرف الناس منكره إثارة التحريش بين الحيوانات، وهي ذوات أكباد رطبة، وأخلاق صعبة وما منها إلا ما يحل أكله، ولا يحل قتله، كالكبش والحجلة والديك، والسماني وما أشبهها، وقد أكثر الناس من اقتنائها، والمواظبة على إضرام شحنائها، وربما نشأ من ذلك فتنة تئول إلى ضراب، وشق ثياب، وإحداث شجاج، وإثارة عجاج وتحزب إلى أحزاب كثيرة وأفواج.
ويتصل بهذه المنكرات المذكورة أشياء أخرى تجري مجراها في التقديم، وتتنزل منزلتها في التحريم، فاحكم فيها بحكمك، وامض في شبهاتها بدليل علمك، ونب عنا في التذكير والتحذير، والتعريف والتنكير، حتى يتقود الأود، ويتضح الرشد ويمكث في الأرض ما ينفع ويذهب الزبد، وليكن عملك لله الذي يسمع ويرى، وله ما في السموات وما في الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى.
واعلم أن الأمر بالمعروف عبادة يتعدى نفع صاحبها إلى غيره، وتستضيف خير المأمور بها إلى خيره، وهي الجهاد الأكبر الذي تقاتل فيه عواصي النفوس، وتضرب به رءوس الشهوات التي هي أمنع من معاقد الرءوس، فقتيله يحيا بقتله، وجريحه يؤسى بجراحة نصله، وبمثل هذا الجهاد تستنزل أمداد النعم مضعفة، كما تستنزل أمداد النصر مردفة، فأقدم عليه ذا عزم باتر، وطرف ساهر، وقدم ثابت صابر، حتى تظل لمعاقل الشيطان فاتحا، وتكون فيمن دعا إلى الله وعمل صالحًا.
واعلم أنك في صبيحة كل يوم يبتدرك الملك والشيطان، وكل منهما يقول: يأيها الإنسان، فإن أجبت نداء الملك كتبك في زمرة من مهد لجنبه، وخاف مقام ربه، وعرج بعملك١ إلى الله طيبا نشره، مضاعفا أجره، وإن أجبت نداء الشيطان
_________________
(١) ١ في الأصل "عرج بك"، ورواية رسائل ابن الأثير "١٤٨" انسب، ولذلك أثرناها.
[ ٢ / ٣١٠ ]
كتبك في زمرة من أغواه، وقرنك بمن أغفل الله قلبه واتبع هواه، ثم نزل به إلى الأرض خبيثا مخثبا، وأقبل به على إخوانه من الشياطين محدثا.
وهذا آخر ما عهدناه إليك من العهد الذي طوقت اليوم بكتابه، وستناقش غدًا على حسابه، وكما جعلناه لك في الدنيا ذكرًا، فاجعله لك في الآخرة ذخرًا، إن شاء الله تعالى والسلام.
وهذا الذي ذكرته في هذين من الكتاب، والتقليد يتضمن إطنابا مستوفى الأقسام، ولولا خوف الإطالة التي لا حاجة إليها لأوردت قصائد من الشعر أيضا، حتى لا يخلو الموضع من ضرب أمثلة من المنظوم والمنثور، لكن في الذي ذكرته كفاية لمن يحمله على أشباهه ونظائره.
فإن قيل: إن الإطناب في الكلام وضعتموه اسما على غير مسمى، فإن الكلام لا يخلو من حالتين: إما أن لا يزيد لفظه على معناه، وهو "الإيجاز"، أو يزيد لفظه على معناه، وهو "التطويل"، وليس ههنا قسم ثالث، فما الإطناب إذا؟
قلت في الجواب: اعلم أن "الإيجاز" هو ضد "التطويل"، كما أن السواد ضد البياض، غير أن بين الضدين مراتب، ومنازل ليست أضدادًا، فالإطناب لا إيجاز هو ولا تطويل، كما أن الحمرة أو الخضرة ليست بياضًا ولا سوادًا.
وقد قدمنا القول أن الإطناب يأتي في الكلام مؤكدا كالذي يأتي بزيادة التصوير للمعنى المقصود، إما حقيقة وإما مجازا، والتطويل ليس كذلك، فإنه التعبير عن المعنى بلفظ زائد عليه يفهم ذلك المعنى بدونه، فإذا حذفت تلك الزيادة بقي المعنى المعبر عنه على حاله لم يتغير منه شيء.
وهذا بخلاف الإطناب، فإنه إذا حذفت منه تلك الزيادة المؤكدة للمعنى تغير ذلك المعنى، وزال ذلك التأكيد عنه، وذهبت فائدة التصوير، والتخييل التي تفيد السامع ما لم يكن إلا بها.
[ ٢ / ٣١١ ]
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، وهذا لا يسمى إيجازا؛ لأنه أتى فيه بزيادة لفظ، وهو ذكر الصدور، وقد علم أن القلوب لا تكون إلا في الصدور ولا يسمى تطويلا؛ لأن التطويل لا فائدة فيه أصلا، وهذا فيه فائدة، وهي ما أشرنا إليه، وكذلك باقي أقسام الإطناب التي نبهنا عليها، وهذا لا نزاع فيه.
[ ٢ / ٣١٢ ]