وذلك باب عريض طويل شائع في كلام العرب، وإن كان أبو الحسن الأخفش١ -﵀- لا يرى القياس عليه.
فأما حذف المضاف، فكقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ٢، فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج٣، وهو سدهما، كما حذف المضاف إلى القرية في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٤، أي: أهل القرية٥.
ومن ذلك أيضًا قوله عزوجل: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ٦، أي: خصلة من اتقى، وإن شئت كان تقديره، ولكن ذا البر من اتقى، والأول أولى؛ لأن حذف المضاف
_________________
(١) ١ هو سعيد بن مسعدة أبو الحسن الأخفش الأوسط، وهو أحد الأخافش الثلاثة المشهورين، كان مولى بني مجاشع بن دارم، من أهل بلخ، سكن البصرة، البصرة، وقرأ النحو على سيبويه، وكان أسن منه، ولم يأخذ عن الخليل، وكان معتزليا، دخل بغداد، وأقام بها مدة، وروى وصنف بها، قال المبرد: أحفظ من أخذ عن سيبويه الأخفش ثم الناشئ، ثم قطرب قال: وكان الأخفش أعلم بالكلام، وأحذقهم بالجدل، صنف الأوساط في النحو، ومعاني القرآن، والمقاييس في النحو والاشتقاق، والمسائل: الكبيرة والصغيرة؛ والعروض والقوافي والأصوات، وغير ذلك، ومات سنة ٢١٠، وقيل: ٢٢١هـ -وانظر بغية الوعاة ٢٥٨. ٢ سورة الأنبياء: الآية ٩٦. ٣ هما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، وهمزهما عاصم فقط، وهما من ولد يافث بن نوح، أو يأجوج من الترك، ومأجوج من الجبل والديلم، قال النسفي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، قيل: كانوا يأكلون الناس، وقيل: كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا، احتملوه كلهم قد حمل السلاح، وقيل: هم على صفتين طوال مفرطو الطول، وقصار مفرطو القصر، ٢٠.٣". ٤ سورة يوسف: الآية ٨٢. ٥ عقب النسفي على هذه الآية يمثل ما عقب به الأثير، قال النسفي "٣/ ٦٩": أي فتح سدهما، فحذف المضاف، كما حذف المضاف إلى قربة، وقال في هذا الموضع: إن يأجوج ومأجوج قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج ومأجوج. ٦ سورة البقرة: الآية ١٨٩.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
ضرب من الاتساع، والخبر أولى بذلك من المبتدأ؛ لأن الاتساع بحذف الأعجاز أولى منه بحذف الصدور.
وقد حذف المضاف مكررًا في قوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ١.
أي: من أثر حافر فرس الرسول.
وهذا الضرب أكثر اتساعا من غيره.
ومما جاء منه شعرا قول بعضهم٢ من شعراء الحماسة:
إذا لاقيت قومي فاسأليهم كفى قوما بصاحبهم خبيرا٣
هل اعفو عن أصول الحق فيهم إذا عسرت وأقتطع الصدورا٤
أراد: أنه يقتطع ما في الصدور من الضغائن والأوغام٥؛ أي يزيل ذلك بإحسانه من عفو وغيره، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
أما حذف المضاف إليه، فإنه قليل الاستعمال.
فمما جاء منه تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٦، أي: من قبل ذلك ومن بعده.
وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ٧، قيل: أراد ظهر الأرض، فحذف المضاف
_________________
(١) ١ سورة طه: الآية ٩٦. ٢ لم ينسبها أبو تمام في ديوان الحماسة ٢/ ٢٧٣، ونقل التبريزي عن أبي هلال، أن البيتين لجثامة بن قيس أخي بلعاء بن قيس أحد بني أبي بكر بن كلاب، ومن شعرائهم، وكان رئيسًا على قبيلته يوم الفجار الثاني، لما قتل أخوه بلعاء بن قيس. ٣ رواية ديوان الحماسة "كفى قومي" موضع "كفى قوما"، وقوله: "بصاحبهم" يعني به نفسه. ٤ أراد بقوله: "أصول الحق" أي، وبقوله: "اقتطع الصدور أي: آخذ ما سهل مأخذه، والمعنى: إن سألت عن حقيقتي فاسألي قومي، فإنهم أخبر بصاحبهم. ولو سألتهم عن حسن معاملتي لهم، ورأفتي بهم لأخبروك بأني أتسامح بما يجب لي عليهم من الحقوق، وآخذ اليسير منها، ولا أستقصي في تقاضيها. ٥ الأوغام جمع وغم، ومن معانيه المناسبة هنا، الحرب، والترة، والحقد الثابت في الصدر. ٦ سورة الروم: الآية ٤. ٧ سورة فاطر: الآية ٤٥.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
إليه، وليس كذلك، وفإن الهاء والألف قائمة مقام الأرض، ألا ترى أن قوله: "ظهرها" يريد الأرض؛ لأنه ضمير راجع إليها.
وكذلك ورد قول جرير١:
إذا أخذت قيس عليك وخندف بأقطارها لم تدر من أين تسرح٢
وهذا لا يسمى إيجازا، وإنما هو تعويض٣ بالضمير عن الضمير.
_________________
(١) ١ ديوان جرير "١١١" من قصيدة له مطلعها: أجد رواح القوم أم لا تروح نعم كل من يعني يحمل مترح ٢ قيس وخندف قبيلتان، يقول: إذا أخذتا عليك الطرق لم يكن لك رواح، ولا مسرح، بل تنجحر فلا تظهر، وهذه القصيدة إحدى نقائضه في هجاء الأخطل، وفي الأصل "بأنظارها" موضع "بأقطارها" وهو تحريف، والتصويب عن الديوان. ٣ في الأصل "تعريض" -بالراء موضع الواو- وهو تحريف.
[ ٢ / ٢٤٤ ]