ولا يكون اطراده في كل موضع، وأكثره يجيء في الشعر، وإنما كانت كثرته في الشعر دون الكلام المنثور لامتناع القياس في اطراده.
فمما جاء منه في الشعر قول البحتري في أبيات في صفة إيوان كسرى، فقال في ذكر التصاوير التي في الإيوان -وذلك أن الفرس كانت تحارب الروم، فصوروا صورة مدينة "أنطاكية"١ في الإيوان وحرب الروم، والفرس عليها- فمما ذكره في ذلك قوله٢:
_________________
(١) ١ أنطاكية -بالفتح ثم السكون والياء مخففة- مدينة هي قصبة العواصم من الثغور الشامية، من أعيان البلاد وأمهاتها، موصوفة بالنزاهة، والطيب والحسن وطيب الهواء، وعذوبة الماء وكثرة الفواكه، وسعة الخير، بينهما وبين حلب يوم وليلة. ٢ديوان البحتري ١/ ١٠٨ من قصيدته السينية المشهورة التي مطلعها: صنت نفسي عما يدنس نفسي وترفعت عن جدا كل جبس
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وإذا ما رأيت صورة أنط كية ارتعت بين روم وفرس١
والمنايا مواثل وأنوشر وان يزجي الصفوف تحت الدرفس٢
في اخضرار من اللباس على أص فر يختال في صبيغة ورس
فقوله: "على أصفر" أي: على فرس أصفر، وهذا مفهوم من قرينة الحال؛ لأنه لما قال: "على أصفر" علم بذلك أنه أراد فرسًا أصفر.
والصفة تأتي في الكلام على ضربين:
١- إما للتأكيد والتخصيص.
٢- وإما للمدح والذم.
وكلاهما من مقامات الإسهاب والتطويل، لا من مقامات الإيجاز والاختصار، وإذا كان الأمر كذلك لم يلق الحذف به، هذا، مع ما ينضاف إليه من الالتباس، وضد البيان.
ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بطويل لم يبن من هذا اللفظ الممرور به إنسان هو أم رمح، أم ثوب، أم غير ذلك.
وإذا كان الأمر على هذا فحذف الموصوف إنما هو شيء قام الدليل عليه، أو شهدت به الحال، وإذا استبهم كان حذفه غير لائق.
ومما يؤكد عندك ضعف حذفه أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه، وذاك أن تكون الصفة جملة نحو: مررت برجل قام أبوه، ولقيت غلاما وجهه حسن، ألا تراك لو قلت: مررت بقام أبوه، ولقيت وجهه حسن، لم يجز؟.
وقد ورد حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه في غير موضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ ٣، فإنه لم يرد أن الناقة كانت مبصرة، ولم
_________________
(١) ١ في الديوان "فإذا" موضع "وإذا". ٢ في الأصل "يرمي" موضع "يزجي" و"الدرس" موضع الدرفس، وهو تحريف، ومعنى يزجي يسوق، والدرفس هو العلم الكبير، ومواثل قائمات تنتظر العمل وقت الحرب، وأنوشروان أحد الأكاسرة. ٣ سورة الإسراء: الآية ٥٩.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
تكن عمياء، وإنما يريد آية مبصرة، فحذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه.
ولقد تأملت حذف الموصوف في مواضع كثيرة، فوجدت أكثر وقوعه في النداء، وفي المصدر.
أما النداء فكقولهم: يا أيها الظريف، تقديره: يا أيها الرجل الظريف.
وعليه ورد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ﴾ ١ تقديره: يا أيها الرجل الساحر، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢ تقديره: يا أيها القوم الذين آمنوا.
وأما المصدر فكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ٣، تقديره: ومن تاب وعمل عملا صالحا.
وقد أقيمت الصفة الشبيهة بالجملة مقام الموصوف المبتدأ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ ٤ أي: قوم دون ذلك.
وأما حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها: فإنه أقل وجودا من حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، ولا يكاد يقع في الكلام إلا نادرًا، لمكان استبهامه.
فمن ذلك ما حكاه سيبويه٥ -﵀- من قولهم: "سير عليه ليل"،
_________________
(١) ١ سورة الزخرف: الآية ٤٩، وتتمه الآية: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ . ٢ تردد هذا النداء في آيات كثيرة من سورة القرآن الكريم. ٣ سورة الفرقان: الآية ٧١. ٤ سورة الجن: الآية ١١. ٥ هو أبو بشر، ويقال: أبو الحسن، عمرو بن عثمان بن قنبر إمام البصريين، أصله من البيضاء من أرض فارس، ونشأ بالبصرة، وأخذ عن الخليل ويونس وأبي الخطاب الأخفش وعيسى بن عمر، قال أبو عبيد: قيل ليونس بعد موت سيبويه: أن سيبويه صنف كتابا في ألف ورقة من علم الخليل، فقال: ومتى سمع سيبويه هذا كله من الخليل؟ جيئوني بكتابه، فلما رآه قال: يجب أن يكون صدق فيما حكاه عن الخليل كما صدق فيما حكاه عني، وقال بعضهم: كنت عند الخليل فأقبل سيبويه؛ فقال: مرحبا بزائر لا يمل، قال: وما سمعت الخليل بقولها لغيره، واختلف في وفاته بين ١٨٠ و١٦١ و١٨٨ و١٩٤: بالبيضاء أو بشيراز، أو بالذرب، أو بالبصرة، وقال ابن الجوزي: مات بساوة، ومن أعجب العجب هذا الاختلاف الكثير في وفاة هذا العلم الإمام!
[ ٢ / ٢٤٦ ]
يريدون: ليل طويل، وإنما حذفت الصفة في هذا الموضع لما دل من الحال عليه، وذاك أنه يحسن في كلام القائل لذلك من التصريح، والتطويح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل، وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وهو أن يكون في مدح إنسان، والثناء عليه فتقول: "كان والله رجلا" أي: رجلا فاضلا، أو شجاعا أو كريما، أو ما جرى هذا المجرى من الصفات، وكذلك تقول: "سألناه فوجدناه إنسانا" أي: إنسانا سمحا، أو جوادا، أو ما أشبهه، فعلى هذا ونحوه تحذف الصفة، فأما إن عريت عن الدلالة عليها من اللفظ أو الحال، فإن حذفها لا يجوز.
وقد تأملت حذفها فوجدته لا يسوغ إلا في صفة تقدمها ما يدل عليها، أو تأخر عنها، أو فهم ذلك من شيء خارج عنها.
أما الصفة التي تقدمها ما يدل عليها، فقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ١، فحذف الصفة: أي كان يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، ويدل على المحذوف قوله: "فأردت أن أعيبها"، فإن عيبه إياها لم يخرجها عن كونها سفينة، وإنما المأخوذ هو الصحيح دون المعيب، فحذفت الصفة ههنا؛ لأنه تقدمها ما يدل عليها.
وأما التي تأخر عنها ما يدل عليها فقول بعض شعراء الحماسة٢:
كل امرئ ستئيم من هـ العرس أو منها يئيم٣
_________________
(١) ١ سورة الكهف: الآية ٧٩. ٢ هو يزيد بن الحكم الثقفي، شاعر إسلامي عاصر الفرزدق وجريرًا، ومر عليه الفرزدق ذات يوم وهو ينشد في المجلس شعرًا، فقال: من هذا الذي ينشد شعرا كأنه من أشعارنا؟ فقالوا: يزيد بن الحكم، فقال: نعم، أشهد الله أن عمتي ولدته، وكان شاعر ثقيف في الإسلام، والبيت من قصيدة له يعظ فيها ابنه بدرا، أولها. يا بدر والأمثال يض ربها لذي اللب الحكيم وهي في ديوان الحماسة "٢/ ٤١". ٣ في الأصل "سنتم" وهو تحريف، والتصويب عن ديوان الحماسة "٢/ ٤٤" والأيم من لازوج له، والعرس الزود، وتئيم منه تصبح المرأة أيما بموت الزوج وعكسه يئيم منها، والمعنى أن الموت لا بد منه لكل حي، وأن نظام الأسرة لا بد أن يفرط عقده.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
فإنه أراد كل امرئ متزوج، إذ دل عليه ما بعده من قوله: "ستئيم منه"، أو "منها يئيم" إذ لا تئيم هي إلا من زوج، ولا يئيم هو إلا من زوجة، فجاء بعد الموصوف ما دل عليه، ولولا ذلك لما صح معنى البيت، إذ ليس كل امرئ يئيم من عرس ولا تئيم منه عرس إلا إذا كان متزوجا.
وأما ما يفهم حذف الصفة فيه من شيء خارج عن الكلام، فقول النبي -ﷺ: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، فإنه قد علم جواز صلاة جار المسجد في غير المسجد من غير هذا الحديث، فعلم حينئذ أن المراد به الفضيلة والكمال، وهذا شيء لم يعلم من نفس اللفظ، وإنما علم من شيء خارج عنه.
[ ٢ / ٢٤٨ ]