وذاك من ألطف ضروب الإيجاز وأحسنها.
فأما حذف "لو" فكقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١.
تقدير ذلك: إذ لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٢.
تقديره: إذ لو فعلت ذلك لارتاب المبطلون.
وهذا من أحسن المحذوفات.
ومما جاء من ذلك شعرًا قول بعضهم٣ في صدر الحماسة:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا٤
_________________
(١) ١ سورة "المؤمنون": ٩١. ٢ سورة العنكبوت: الآية ٤٨. ٣ هو قربط بن أنيف أحد بني العنبر، وهو شاعر إسلامي، قال البغدادي: تتبعت كتب الشعراء والتراخيم، فلم أظفر له بترجمة، وانظر ديوان الحماسة "١/ ١٣". ٤ قوله: "بنو اللقيطة" هكذا في شرح الحماسة والشواهد، وقال أبو محمد الأعرابي: والصواب ما أنشده أبو الندى: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو الشقيقة من ذهل بن شيبانا قال: والشقيقة هي بنت عباد بن يزيد بن عوف بن ذهل بن شيبان، وأما اللقيطة فهي أم حصن بن حذيفة من بني فزازة، ولا اتصال لها بذهل بن شيبان.
[ ٢ / ٢٥١ ]
إذا لقام بنصري معشر خشن عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا١
ف"لو" في البيت الثاني محذوفة؛ لأنها في البيت الأول قد استوفت جوابها بقوله: "لم تستبح إبلي" ثم حذفها في الثاني، وتقدير حذفها: إذا لو كنت منهم لقام بنصري معشر خشن، أو: إذ لو كانوا قومي لقام بنصري معشر خشن.
وأما حذف جواب "لو" فإنه كثير شائع، وذلك كقولك: لو زرتنا، لو ألممت بنا، معناه لأحسنا إليك، أو لأكرمناك أو ما جرى هذا المجرى.
ومما ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ ٢.
فإن جواب "لو" ههنا محذوف، تقديره: لرأيت أمرا عظيما، وحالا هائلة، أو غير ذلك، مما جرى مجراه.
ومما جاء على نحو من هذا قوله ﷿: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٣.
تقديره: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه، وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام، ولا يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر، والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عليهم.
_________________
(١) ١ اللوثة اللين مع الضعف، يقول: لو كنت من هذه القبيلة لما أغار بنو ذهل على إبلي، ولو كان ذلك لقام بنصري قوم صعاب أشداء، يدفعون عني، ويأخذون بحقي ممن اعتدى علي إذا لان ذو الضعف ولم يدفع ضيما، ولم يحم حقيقة. ٢ سورة سبأ: الآية ٥١. ٣ سورة الأنبياء: الآيتان ٣٨ و٣٩.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
ومما يجري على هذا النهج قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ١.
فجواب "لو" في هذا الموضع محذوف، كما حذف في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ ٢.
أي: لو أن لي بكم قوة لدفعتكم، أو منعتكم، أو ما أشبهه، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ لكان هذا القرآن.
وهذا الضرب من المحذوفات أظهر الضروب المذكورة، وأوضحها، لعلم المخاطب به؛ لأن قوله تعالى -حكاية عن لوط ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يتسارع الفهم فيه إلى أن الكلام يحتاج إلى جواب.
ومما جاء منه شعرا قول أبي تمام في قصيدته البائية٣، التي يمدح بها المعتصم عند فتحه مدينة عمورية٤:
لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت له المراقب بين السمر والقضب٥
فإن هذا محذوف الجواب، تقديره: لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبة الحذار، أو غير ذلك.
واعلم أن حذف هذا الجواب لا يسوغ في أي موضع كان من الكلام، وإنما يحذف ما دل عليه مكان المحذوف.
ألا ترى أنه قد ورد في القرآن الكريم غير محذوف، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ
_________________
(١) ١ سورة هود: الآية ٨٠. ٢ سورة الرعد: الآية ٣١. ٣ من قصيدته التي أولها: السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب ٤ عمورية -بفتح أوله وتشديد ثانيه- ببلاد الروم، غزاه المعتصم ففتحه، وكان من أعظم فتوح الإسلام. ٥ رواية الديوان "كمنت له المنية"، وفي بعض الروايات "لم يعلم" مكان "لو يعلم"، و"خبأت" موضع "كمنت" والسمر الرماح، والقضب السيوف.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ ١.
وهذا ليس كالذي تقدم من الآيات؛ لأن تلك علم مكان المحذوف منها، وهذه الآية لو حذف الجواب فيها لم يعلم مكانه؛ لأنه يحتمل وجوها، منها أن يقال: لما آمنوا، أو لطلبوا ما وراء ذلك، وقد تقدم القول في أول باب الإيجاز أنه لا بد من دلالة الكلام على المحذوف.
_________________
(١) ١ سورة الحجر: الآيتان ١٤ و١٥.
[ ٢ / ٢٥٤ ]