حذف المفعول به، وذلك مما نحن بصدده أخص؛ فإن اللطائف فيه أكثر وأعجب، كقولنا: فلان يحلّ ويعقد، ويبرم وينقض ويضر وينفع، والأصل في ذلك على إثبات المعنى المقصود في نفسك للشيء على الإطلاق.
وعلى هذا جاء قوله تعالى: وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيا.
ومن بديع ذلك قوله ﷿: ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير. فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير
فإن في هاتين الآيتين قد حذف المفعول به في أربعة أماكن؛ إذ المعنى وجد أمة من الناس يسقون مواشيهم، وامرأتين تذودان مواشيهما، وقالتا لا نسقي مواشينا، فسقى لهما مواشيهما؛ لأن الغرض «١» أن يعلم أنه كان من الناس سقي ومن الامرأتين ذود وأنهما قالتا لا يكون منا سقى حتى يصدر الرعاء وأنه كان من موسى ﵇ بعد ذلك سقي؛ فأما كون المسقي غنما أو إبلا أو غير ذلك فخارج عن الغرض.
وقد ورد في الشعر من هذا النوع قول البعيث بن حريث من أبيات الحماسة «٢»:
[ ٢ / ٩١ ]
دعاني يزيد بعد ما ساء ظنّه وعبس وقد كانا على جدّ منكب
وقد علما أنّ العشيرة كلّها سوى محضري من حاضرين وغيّب
فالمفعول الثاني من «علما» محذوف؛ لأن قوله: «أن العشيرة» في موضع مفعول علما الأول، وتقدير الكلام: قد علما أن العشيرة سوى محضري من حاضرين وغيب لا غناء عندهم، أو سواء حضورهم وغيبتهم، أو ما جرى هذا المجرى.
ومن هذا الضرب أيضا حذف المفعول الوارد بعد المشيئة والإرادة، كقوله تعالى: لو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم
فمفعول شاء ههنا محذوف، وتقديره ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها.
وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: ولو شاء الله لجمعهم على الهدى
ومما جاء على مثال ذلك شعرا قول البحتري «١»:
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم كرما ولم تهدم مآثر خالد
الأصل في ذلك: لو شئت ألّا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها؛ فحذف ذلك من الأول استغناء بدلالته عليه في الثاني.
وقد تقدم أن من الواجب في حكم البلاغة ألّا تنطق بالمحذوف ولا تظهره إلى اللفظ، ولو أظهرت لصرت إلى كلام غث.
ومجيء المشيئة بعد «لو» وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معدّاة إلى شيء كثير شائع بين البلغاء، ولقد تكاثر هذا الحذف في «شاء» و«أراد» حتى إنهم لا يكادون يبرزون المفعول، إلا في الشيء المستغرب، كقوله تعالى: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء.
[ ٢ / ٩٢ ]
على هذا الأسلوب جاء قول الشاعر»
:
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع
فلو كان على حد قوله تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى
لوجب أن يقول:
ولو شئت لبكيت دما، ولكنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى هذه لأنه أليق في هذا الموضع، وسبب ذلك أنه كان بدعا عجيبا أن يشاء الإنسان أن يبكي دما؛ فلما كان مفعول المشيئة مما يستعظم ويستغرب كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر.