وهو حذف «لو» وجوابها، وذاك من ألطف ضروب الإيجاز وأحسنها.
فأما حذف «لو» فكقوله تعالى: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله
[ ٢ / ٩٩ ]
لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض
تقديره ذلك إذا لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق.
وكذلك ورد قوله تعالى: وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون
تقديره: إذا لو فعلت ذلك لارتاب المبطلون، وهذا من أحسن المحذوفات.
ومما جاء من ذلك شعرا قول بعضهم في صدر الحماسة «١»:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو الّلقيطة من ذهل بن شيبانا
إذا لقام بنصري معشر خشن عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
فلو في البيت الثاني محذوفة؛ لأنها في البيت الأول قد استوفت جوابها بقوله: «لم تستبح إبلي» ثم حذفها في الثاني، وتقدير حذفها إذا لو كنت منهم لقام بنصري معشر خشن، وإذا لو كانوا قومي لقام بنصري معشر حسن.
وأما حذف جواب «لو» فإنه كثير شائع، وذلك كقولك: لو زرتنا لو ألممت بنا، معناه لأحسنا إليك، أو لأكرمناك، أو ما جرى هذا المجرى.
ومما ورد منه في القرآن الكريم قوله تعالى: ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب
؛ فإن جواب «لو» ههنا محذوف، تقديره: لرأيت أمرا عظيما، وحالا هائلة، أو غير ذلك مما جرى مجراه.
ومما جاء على نحو من هذا قوله ﷿: ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون
تقديره لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه، وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام ولا يقدرون على دفعها عن أنفسهم ولا يجدون ناصرا ينصرهم؛ لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هوّنه عليهم.
[ ٢ / ١٠٠ ]
ومما يجري على هذا النهج قوله تعالى: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد
فجواب لو في هذا الموضع محذوف، كما حذف في قوله تعالى:
ولو أن قرآنا سيرت به الجبال
أي: لو أن لي بكم قوة لدفعتكم، أو منعتكم، أو ما أشبهه، وكذلك قوله: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال
لكان هذا القرآن.
وهذا الضرب من المحذوفات أظهر الضروب المذكورة وأوضحها؛ لعلم المخاطب به؛ لأن قوله تعالى حكاية عن لوط ﵇: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد
يتسارع الفهم [فيه] إلى أن الكلام يحتاج الى جواب.
ومما جاء منه شعرا قول أبي تمام في قصيدته البائية التي يمدح بها المعتصم عند فتحه مدينة عمّورية «١» .
لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت له العواقب بين السّمر والقضب «٢»
فإن هذا محذوف الجواب، تقديره: لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبة الحذار، أو غير ذلك.
واعلم أن حذف هذا الجواب لا يسوغ في أي موضع كان من الكلام، وإنما يحذف ما دلّ عليه مكان المحذوف، ألا ترى أنه قد ورد في القرآن الكريم غير محذوف، كقوله تعالى: ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون
وهذا ليس كالذي تقدم من الآيات؛ لأن تلك علم مكان المحذوف منها، وهذه الآية لو حذف الجواب فيها لم يعلم مكانه؛ لأنه يحتمل وجوها، منها أن يقال: لما آمنوا، أو لطلبوا ما وراء ذلك، وقد تقدم القول في أول باب الإيجاز أنه لا بد من دلالة الكلام على المحذوف.