حذف الفعل وجوابه؛ اعلم أن حذف الفعل ينقسم قسمين:
أحدهما يظهر بدلالة المفعول عليه، كقولهم في المثل: أهلك واللّيل، فنصب «أهلك والليل» يدل على محذوف ناصب، تقديره: الحق أهلك وبادر اللّيل، وهذا مثل يضرب في التحذير؛ وعليه ورد قوله تعالى: فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها
ومما ورد منه في الأخبار النبوية أن جابرا تزوج فقال له رسول الله ﷺ: ما تزوجت؟
[ ٢ / ٨٧ ]
قال: ثيبا؛ فقال له: «فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك» يريد فهلا تزوجت جارية، فحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.
ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته الكافية التي يمتدح بها عضد الدولة أبا شجاع بن بويه، ومطلعها:
فدى لك من يقصّر عن مداكا «١»
وسأذكر الموضع الذي حذف منه الفعل وجوابه لتعلق الأبيات بعضها ببعض، وهي من محاسن ما يؤتى به في معنى الوداع، ولم يأت لغيره مثلها، وهي:
إذا التّوديع أعرض قال قلبي عليك الصّمت لا صاحبت فاكا
ولولا أنّ أكثر ما تمنى معاودة لقلت ولا مناكا
قد استشفيت من داء بداء وأقتل ما أعلّك ما شفاكا
فأكتم؟ منك نجوانا وأخفي هموما قد أطلت لها العراكا
إذا عاصيتها كانت شدادا وإن طاوعتها كانت ركاكا
وكم دون الثّويّة من حزين يقول له قدومي: ذا بذاكا
ومن عذب الرّضاب إذا أنخنا يقبّل رحل تروك والوراكا «٢»
يحرّم أن يمسّ الطّيب بعدي وقد عبق العبير به وصاكا «٣»
يحدّث مقلتيه النّوم عنّي فليت النّوم حدّث عن نداكا
وما أرضى لمقلته بحلم إذا انتبهت توهّمه ابتشاكا «٤»
[ ٢ / ٨٨ ]
ولا إلّا بأن يصغي وأحكي فليتك لا يتيّمه هواكا
فقوله «ولا مناكا» فيه محذوف، تقديره: ولا صاحبت مناكا، وكذلك قوله «ولا إلا بأن يصغي وأحكي» فإن فيه محذوفا، تقديره: ولا أرضى إلا بأن يصغي وأحكي.
أما القسم الآخر؛ فإنه لا يظهر فيه قسم الفعل؛ لأنه لا يكون هناك منصوب يدل عليه، وإنما يظهر بالنظر إلى ملاءمة الكلام.
فمما جاء منه قوله تعالى عرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة
فقوله د جئتمونا
يحتاج إلى إضمار فعل: أي فقيل لهم لقد جئتمونا، أو فقلنا لهم.
وقد استعمل هذا القرآن الكريم في غير موضع؛ كقوله تعالى: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا
فقوله: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا
يحتاج إلى تقدير الفعل المضمر.
وكذلك ورد قوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما
فقوله: وإن جاهداك
لا بد له من إضمار القول: أي وقلنا إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما.
ومن هذا الضرب إيقاع الفعل على شيئين وهو لأحدهما، كقوله تعالى:
فأجمعوا أمركم وشركاءكم
وهو لأمركم وحده، وإنما المراد أجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ لأن معنى أجمعوا من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه، وقد قرأ أبي ﵁ فاجمعوا أمركم وشركاءكم
وهذا دليل على ما أشرت اليه، وكذلك هو مثبت في مصحف عبد الله بن مسعود ﵁.
ومن حذف الفعل باب يسمى باب إقامة المصدر مقام الفعل؛ وإنما يفعل ذلك لضرب من المبالغة والتوكيد، كقوله تعالى: فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب
قوله: فضرب الرقاب
أصله فاضربوا الرقاب ضربا؛ فحذف الفعل
[ ٢ / ٨٩ ]
وأقيم المصدر مقامه، وفي ذلك اختصار مع إعطاء معنى التوكيد المصدري.
وأما حذف جواب الفعل فإنه لا يكون في الأمر المحتوم، كقوله تعالى:
فذرهم يخوضوا ويلعبوا*
فجزم يخوضوا ويلعبوا لأنهما جواب أمر فذرهم
وحذف الجواب في هذا لا يدخل في باب الإيجاز؛ لأنا إذا قلنا ذرهم أي اتركهم لا يحتاج ذلك إلى جواب، وكذلك ما يجري مجراه، وإنما يكون الجواب بالفاء في ماض، كقولنا: قلت له اذهب فذهب، وحينئذ يظهر الجواب المحذوف، كقوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا. فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا
ألا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية؛ فإن تقديره فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم تدميرا، فذكر حاشيتي القصة أولها وآخرها لأنهما المقصود من القصة بطولها، أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم.
ومن هذا الضرب أيضا قوله تعالى: قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون. أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون. قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون. قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون. فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب
فجواب الأمر من هذا الكلام محذوف، تقديره: فأرسله معهم، ويدلنا على ذلك ما جاء بعده من قوله: فلما ذهبوا به
كما حذف أيضا في قوله ﷿: وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون. يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان
الآية، فجواب الأمر من هذا الموضع محذوف، وتقديره: فأرسلوه إلى يوسف، فأتاه، فقال له: يوسف أيها الصديق؛ وكذلك قوله تعالى: وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم. قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه
الآية؛ ففي هذا الكلام حذف واختصار استغنى عنه بدلالة الحال عليه، وتقديره: فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك بالنسوة، وقال لهنّ: ما خطبكنّ.
[ ٢ / ٩٠ ]
وهكذا ورد قوله تعالى: ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين
وقد حذف جواب الأمر ههنا، وتقديره: فأتوه به، فلما كلمه، وفي سورة يوسف ﵇ محذوفات كثيرة من أولها إلى آخرها.
فانظر أيها المتأمل إلى هذه المحذوفات المذكورة ههنا التي كأنها لم تحذف من هذا الكلام؛ لظهور معناها وبيانه، ودلالة الحال عليه، وعلى نحو من ذلك ينبغي أن تكون محذوفات الكلام.