وهو حذف الموصوف والصفة، وإقامة كل منهما مقام الآخر، ولا يكون اطراده في كل موضع، وأكثره يجيء في الشعر، وإنما كانت كثرته في الشعر دون الكلام المنثور لامتناع القياس في اطراده.
فمما جاء منه في الشعر قول البحتري من أبيات في صفة إيوان كسرى «٥»؛ فقال في
[ ٢ / ٩٤ ]
ذكر التصاوير التي في الإيوان، وذلك أن الّفرس كانت تحارب الروم فصوّروا صورة مدينة أنطاكية في الإيوان وحرب الروم والفرس عليها؛ فمما ذكره في ذلك قوله:
وإذا ما رأيت صورة أنطا كيّة ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنوشر وان يزجي الصّفوف تحت الدّرفس «١»
في اخضرار من الّلباس على أص فر يختال في صبيغة ورس
فقوله «على أصفر» أي: على فرس أصفر، وهذا مفهوم من قرينة الحال؛ لأنه لما قال «على أصفر» علم بذلك أنه أراد فرسا أصفر.
والصفة تأتي في الكلام على ضربين: إما للتأكيد والتخصيص، وإما للمدح والذم، وكلاهما من مقامات الإسهاب والتطويل، لا من مقامات الإيجاز والاختصار، وإذا كان الأمر كذلك لم يلق الحذف به، هذا، مع ما ينضاف إليه من الالتباس وضد البيان، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بطويل، لم يبن من هذا اللفظ الممرور به إنسان هو أم رمح أم ثوب أم غير ذلك، وإذا كان الأمر على هذا فحذف الموصوف إنما هو شيء قام الدليل عليه أو شهدت به الحال، وإذا استبهم كان حذفه غير لائق.
ومما يؤكد عندك ضعف حذفه أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه، وذاك أن تكون الصفة جملة، نحو: مررت برجل قام أبوه، ولقيت غلاما وجهه حسن، ألا تراك لو قلت: مررت بقام أبوه، ولقيت وجهه حسن؛ لم يجز.
وقد ورد حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في غير موضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: وآتينا ثمود الناقة مبصرة
فإنه لم يرد أن الناقة كانت
[ ٢ / ٩٥ ]
مبصرة، ولم تكن عمياء، وإنما يريد آية مبصرة، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه.
ولقد تأملت حذف الموصوف في مواضع كثيرة فوجدت أكثر وقوعه في النداء وفي المصدر؛ أما النداء فكقولهم: يا أيّها الظّريف، تقديره: يا أيها الرجل الظريف، وعليه ورد قوله تعالى: يا أيها الساحر
تقديره: يا أيها الرجل الساحر، وكذلك قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا*
تقديره: يا أيها القوم الذين آمنوا، وأما المصدر فكقوله تعالى: ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا
تقديره:
ومن تاب وعمل عملا صالحا.
وقد أقيمت الصفة الشبيهة بالجملة مقام الموصوف المبتدأ في قوله تعالى:
وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك
أي: قوم دون ذلك.
وأما حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها، فإنه أقلّ وجودا من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، ولا يكاد يقع في الكلام إلا نادرا؛ لمكان استبهامه.
فمن ذلك ما حكاه سيبويه ﵀ من قولهم: سير عليه ليل، وهم يريدون ليل طويل، وإنما حذفت الصفة في هذا الموضع لما دلّ من الحال عليه، وذاك أنه يحسن في كلام القائل لذلك من التطريح والتطويح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل، وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وهو أن يكون في مدح إنسان والثناء عليه فتقول: «كان والله رجلا» أي رجلا فاضلا، أو شجاعا، أو كريما، أو ما جرى هذا المجرى من الصفات، وكذلك تقول: «سألناه فوجدناه إنسانا» أي إنسانا سمحا، أو جوادا، أو ما أشبهه، فعلى هذا ونحوه تحذف الصفة، فأما إن عريت عن الدلالة عليها من اللفظ أو الحال فإن حذفها لا يجوز.
وقد تأملت حذفها فوجدته لا يسوغ إلا في صفة تقدمها ما يدل عليها، أو تأخر عنها، أو فهم ذلك من شيء خارج عنها:
أما الصفة التي تقدمها ما يدل عليها فقوله تعالى: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا
[ ٢ / ٩٦ ]
فحذف الصفة: أي كان يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، ويدلّ على المحذوف قوله: فأردت أن أعيبها
فإن عيبه إياها لم يخرجها عن كونها سفينة، وإنما المأخوذ هو الصحيح دون المعيب، فحذفت الصفة ههنا لأنه تقدمها ما يدلّ عليها.
وأما التي تأخر عنها ما يدلّ عليها فقول بعض شعراء الحماسة «١»:
كلّ امريء ستئيم من هـ العرس أو منها يئيم «٢»
فإنه أراد كل امريء متزوّج؛ إذ دلّ عليه ما بعده من قوله: «ستئيم منه أو منها يئيم» إذ لا تئيم هي إلا من زوج ولا يئيم هو إلا من زوجة، فجاء بعد الموصوف ما دلّ عليه، ولولا ذلك لما صح معنى البيت؛ إذ ليس كل امريء يئيم من عرس إلا إذا كان متزوّجا.
وأما ما يفهم حذف الصفة فيه من شيء خارج عن الكلام فقول النبيّ ﷺ:
«لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد» فإنه قد علم علم جواز صلاة جار المسجد في غير المسجد من غير هذا الحديث؛ فعلم حينئذ أن المراد به الفضيلة والكمال، وهذا شيء لم يعلم من نفس اللفظ، وإنما علم من شيء خارج عنه.