ما ليس بسبب ولا مسبب، ولا إضمار على شريطة التفسير، ولا استئناف.
فأما ما حذف فيه من الجمل المفيدة، فكقوله تعالى في سورة يوسف ﵇: قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون. ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون.
ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون. وقال الملك ائتوني به
قد حذف من هذا الكلام جملة مفيدة، تقديرها: فرجع الرسول إليهم فأخبرهم بمقالة يوسف، فعجبوا لها، أو فصدقوه عليها، وقال الملك ائتوني به، والمحذوف إذا كان كذلك دلّ عليه الكلام دلالة ظاهرة؛ لأنه إذا ثبتت حاشيتا الكلام وحذف وسطه ظهر المحذوف؛ دلالة الحاشيتين عليه.
وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضا: فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا. قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون. قالوا يا أبانا
[ ٢ / ٨٢ ]
استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين. قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين
قد حذف أيضا من هذا الكلام جملة مفيدة، تقديرها: ثم إنهم تجهّزوا وساروا الى مصر، فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه.
وقد ورد هذا الضرب في القرآن الكريم كثيرا، كقوله تعالى في سورة القصص: وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى أمه كي تقر عينها
في هذا محذوف، وهو جواب الاستفهام؛ لأنها لما قالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم
احتاج الى جواب لينتظم بما بعده من ردّه ألى أمه، والجواب: فقالوا نعم، فدلّتهم على امرأة، فجيء بها وهي أمه ولم يعلموا بمكانها، فأرضعته، وهذه الجملة الثاينة- أعني قوله تعالى: فرددناه إلى أمه
- تدلّ على المحذوف؛ لأنّ ردّه إلى أمه لم يكن إلا بعد ردّ الجواب على أخته، ودلالتها إياهم على امرأة ترضعه، ويكفي هذا الموضع وحده لمن يتبصر في مواقع المحذوفات وكيفيتها.
ومما يجري على هذا المنهج قوله تعالى في قصة سليمان ﵇ وقصة الهدهد في إرساله بالكتاب إلى بلقيس قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين.
اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون. قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم
وفي هذا محذوف، تقديره: فأخذ الكتاب وذهب به، فلما ألقاه إلى المرأة وقرأته قالت يا أيها الملأ.
ومن حذف الجمل المفيدة ما يعسر تقدير المحذوف منه، بخلاف ما تقدم، ألا ترى أنّ الآيات المذكورة كلها إذا تأملها المتأمل وجد معانيها متصلة من غير تقدير للمحذوفات التي حذفت منها، ثم إذا قدر تلك المحذوفات سهل تقديرها ببديهة النظر، والذي أذكره الآن ليس كذلك، بل إذا تأمله المتأمل وجده غير متصل المعنى، وإذا أراد أن يقدر المحذوف عسر عليه.
فمما جاء منه قوله تعالى: وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من
[ ٢ / ٨٣ ]
فواق، وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب. اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب
فهذا الكلام إذا تأمله المتأمل لم يجده متصل المعنى، ولم يتبين له مجيء ذكر داود ﵇ ردفا لقوله تعالى: اصبر على ما يقولون
وإذا أراد أن يقدر ههنا محذوفا يوصل به المعنى عسر عليه، وتقديره يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قال: اصبر على ما يقولون
وخوّفهم أمر معصية الله وعظّمها في عيونهم بذكر قصة داود الذي كان نبيّا من الأنبياء وقد آتاه الله ما آتاه من النبوة والملك العظيم، ثم لما زلّ زلّة قوبل بكذا وكذا، فما الظن بكم أنتم مع كفركم؟ الوجه الآخر: أنه قال: اصبر على ما يقولون
واحفظ نفسك أن تزلّ في شيء مما كلّفته من مصابرتهم واحتمال أذاهم، واذكر أخاك داود وكرامته على الله كيف زلّ تلك الزلّة فلقي من توبيخ الله ما لقي؛ فهذا الكلام كما تراه يحتاج إلى تقدير حتى يتصل بعضه ببعض، وهو من أغمض ما يأتي من المحذوفات، وبه يتنبه على مواضع أخرى غامضة.
وأما ما ورد من هذا الضرب في حذف الجمل التي ليست بمفيدة فنحو قوله تعالى: يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا. قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا. قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا. قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا. فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا. يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا
هذا الكلام قد حذف منه جملة دلّ عليها صدره، وهو البشرى بالغلام، وتقديرها: ولما جاءه الغلام ونشأ وترعرع قلنا له: يا يحيى خذ الكتاب بقوّة، فالجملة المحذوفة ليس من الجمل المفيدة.
على هذا النهج ورد قوله تعالى: ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى. قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري
[ ٢ / ٨٤ ]
يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي
وقد حذف من هذا الكلام جملة، إلا أنها غير مفيدة، وتقديرها: فلما رجع موسى ورآهم على تلك الحال من عبادة العجل قال لأخيه هرون: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألّا تتبعني.
وكذلك ورد قوله تعالى في قصة سليمان ﵇ من سورة النمل: قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين. قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين. قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون
وفي هذا محذوف، وتقديره: فلما جاء به قال نكروا لها عرشها؛ لأن تنكيره لم يكن إلا بعد أن جيء به إليه، وقد أغنى عن المحذوف صدر الكلام وآخره، وكان ذلك دليلا عليه.
ومما ورد على ذلك شعرا قول أبي الطيب المتنبي «١»:
لا أبغض العيس لكنّي وقيت بها قلبي من الهمّ أو جسمي من السّقم
وهذا البيت فيه محذوف، تقديره: لا أبغض العيس لإنضائي إيّاها في الأسفار، ولكني وقيت بها كذا وكذا؛ فالثاني دليل على حذف الأول.
وهذا موضع يحتاج في استخراجه واستخراج أمثاله إلى فكرة وتدقيق نظر.
وممّا يتصل بهذا الضرب حذف ما يجيء بعد أفعل؛ كقولنا: «الله أكبر» فإنّ هذا يحتاج إلى تمام: أي أكبر من كل كبير، أو أكبر من كل شيء يتوهم كبيرا، أو ما جرى هذا المجرى، ومثله يرد قولهم: زيد أحسن وجها، وأكرم خلقا، تقديره أحسن وجها من غيره، وأكرم خلقا من غيره، أو ما يسدّ هذا المسد من الكلام.
[ ٢ / ٨٥ ]
وعليه ورد قول البحتري «١»:
الله أعطاك المحبّة في الورى وحباك بالفضل الّذي لا ينكر
ولأنت أملأ في العيون لديهم وأجلّ قدرا في الصّدور وأكبر
أي: أنت أملأ في العيون من غيرك.