هذا الفصل هو كنز الكتابة ومنبعها، وما رأيت أحدا تكلم فيه بشيء، ولما حبّبت إليّ هذه الفضيلة، وبلّغني الله منها ما بلّغني؛ وجدت الطريق ينقسم فيها إلى ثلاث شعب:
الأولى: أن يتصفح الكاتب كتابة المتقدمين، ويطلع على أوضاعهم في استعمال الألفاظ والمعاني، ثم يحذو حذوهم، وهذه أدنى الطبقات عندي.
الثانية: أن يمزج كتابة المتقدمين بما يستجيده لنفسه من زيادة حسنة: إما في تحسين ألفاظ، أو في تحسين معان، وهذه هي الطبقة الوسطى، وهي أعلى من التي قبلها.
الثالثة: أن لا يتصفح كتابة المتقدمين، ولا يطلع على شيء منها، بل يصرف همه إلى حفظ القرآن الكريم وكثير من الأخبار النبوية وعدة من دواوين فحول الشعراء ممن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ، ثم يأخذ في الاقتباس من هذه الثلاثة، أعني القرآن والأخبار النبوية والأشعار، فيقوم ويقع، ويخطىء ويصيب، ويضل ويهتدي، حتى يستقيم على طريقة يفتتحها لنفسه، وأخلق بتلك الطريق أن تكون مبتدعة غريبة لا شركة لأحد من المتقدمين فيها، وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد، وصاحبها يعد إماما في فنّ الكتابة، كما يعد الشافعيّ وأبو حنيفة ومالك رضي الله تعالى عنهم وغيرهم من الأئمة المجتهدين في علم الفقه، إلا أنها مستوعرة جدا، ولا يستطيعها إلا من رزقه الله تعالى لسانا هجاما، وخاطرا رقاما، وقد سهّلت لك صعابها، وذلّلت محاجّها»
، وكنت أشحّ «٢» بإظهار ذلك لما عانيت
[ ١ / ٩١ ]
في نيله من العناء؛ فإني سلكت إليه كل طريق حتى بلغته آخرا، وإنما تكون نفاسة الأشياء لعزة حصولها ومشقة وصولها:
ليس حلوا وجودك الشّيء تبغي هـ طلابا حتّى يعزّ طلابه «١»
ولقد مارست الكتابة ممارسة كشفت لي عن أسرارها، وأظفرتني بكنوز جواهرها؛ إذ لم يظفر غيري بأحجارها؛ فما وجدت أعون الأشياء عليها إلا حل آيات القرآن الكريم والأخبار النبوية، وحل الأبيات الشعرية، وقد قصرت هذا الفصل على ذكر وجوهها، وتقسيمها، وتمهيد الطريق إلى تعليمها، فمن وقف على ما ذكرته علم أنّي لم آت شيئا فريّا، وأن الله قد جعل تحت خواطري من بنات الأفكار سريّا، وهذه الطريق يجهلها كثير من متعاطي هذه الصناعة، والّذي يعلمها منهم يرضى بالحواشي والأطراف، ويقنع من لآلئها بمعرفة ما في الأصداف، ولو استخرج منها ما استخرجت، واستنتج ما استنتجت؛ لهام بها في كل واد، وتزوّد إلى سلوك طريقها كل زاد:
لو يسمعون كما سمعت كلامها خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا «٢»
ولا أريد بهذه الطريق أن يكون الكاتب مرتبطا في كتابته بما يستخرجه من القرآن الكريم، والأخبار النبوية، والشعر، بحيث إنه لا ينشىء كتابا إلا من ذلك، بل أريد أنه إذا حفظ القرآن الكريم وأكثر من حفظ الأخبار النبوية والأشعار، ثم نقّب عن ذلك تنقيب مطّلع على معانيه، مفتّش عن دفائنه، وقلّبه ظهرا لبطن؛ عرف
[ ١ / ٩٢ ]
حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه، واستعان بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية، ألا ترى أن صاحب الاجتهاد من الفقهاء يفتقر إلى معرفة آيات الأحكام، وأخبار الأحكام، وإلى معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنّة، وإلى معرفة علم العربية، وإلى معرفة الفرائض والحساب من المعلوم والمجهول من أجل مسائل الدور والوصايا وغيرها، وإلى معرفة إجماع الصحابة، فهذه أدوات الاجتهاد، فإذا عرفها استخرج بفكرته حينئذ ما يؤديه إليه اجتهاده، كما فعل أبو حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم من أئمة الاجتهاد، وكذلك يجري الحكم في الكتاب إذا أحب الترقي إلى درجة الاجتهاد في الكتابة؛ فإنه يحتاج إلى أشياء كثيرة قد ذكرتها في صدر كتابي هذا، إلا أن رأسها وعمودها وذروة سنامها ثلاثة أشياء: هي حفظ القرآن الكريم، والإكثار من حفظ الأخبار النبوية، والأشعار.
وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فأول ما أبدأ به على عقب ذلك أن أقول:
حل الأبيات الشعرية ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: منها، وهو أدناها مرتبة، أن يأخذ الناثر بيتا من الشعر فينثره بلفظه من غير زيادة؛ وهذا عيب فاحش، ومثاله كمن أخذ عقدا قد أتقن نظمه وأحسن تأليفه فأوهاه وبدّده، وكان يقوم عذره في ذلك أن لو نقله عن كونه عقدا إلى صورة أخرى مثله أو أحسن منه وأيضا فإنه إذا نثر الشعر بلفظه كان صاحبه مشهور السرقة، فيقال: هذا شعر فلان بعينه، لكون ألفاظه باقية لم يتغير منها شيء، وقد سلك هذا المسلك بعض العراقيين فجاء مستهجنا لا مستحسنا. كقوله في بعض أبيات الحماسة:
وألدّ ذي حنق عليّ كأنّما تغلي عداوة صدره في مرجل
أرجيته عنّي فأبصر قصده وكويته فوق النّواظر من عل
فقال في نثر هذين البيتين: فكم لقي ألدّ ذي حنق كأنه ينظر إلى الكواكب من عل، وتغلي عداوة صدره في مرجل، فكواه فوق ناظريه، وأكبّه لفمه ويديه. فلم يزد هذا الناثر على أن أزال رونق الوزن وطلاوة النظم لا غير.
[ ١ / ٩٣ ]
ومن هذا القسم ضرب محمود لا عيب فيه، وهو أن يكون البيت من الشعر قد تضمن شيئا لا يمكن تغيير لفظه، فحينئذ يعذر ناثره إذا أتى بذلك اللفظ، ومثاله قول الشاعر في أول الحماسة:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا
وقد نثرت ذلك فقلت: لست ممن تستبيح إبله بنو اللقيطة، ولا الذي إذا همّ بأمر كانت الآمال إليه وسيطة، ولكني أحمل الهمل، وأقرب الأمل، وأقول: سبق السّيف العذل؛ فذكر بني اللقيطة ههنا لا بد منه على حسب ما ذكره الشاعر، وكذلك الأمثال السائرة؛ فإنه لا بد من ذكرها على ما جاءت في الشعر.
وأما القسم الثاني: وهو وسط بين الأول والثالث في المرتبة، وهو أن ينثر المعنى المنظوم ببعض ألفاظه، ويعزم «١» عن البعض بألفاظ أخر، وهناك تظهر الصنعة في المماثلة والمشابهة ومؤاخاة الألفاظ الباقية بالألفاظ المرتجلة؛ فإنه إذا أخذ لفظا لشاعر مجيد قد نقحه وصححه فقرنه بما لا يلائمه كان كمن جمع بين لؤلؤة وحصاة، ولا خفاء بما في ذلك من الانتصاب للقدح، والاستهداف للطعن.
والطريق المسلوك إلى هذا القسم أن تأخذ بعض بيت من الأبيات الشعرية هو أحسن ما فيه ثم تماثله.
وسأورد ههنا مثالا واحدا ليكون قدوة للمتعلم، فأقول:
قد ورد هذا البيت من شعر أبي تمام في وصف قصيدة له:
حذّاء تملأ كلّ أذن حكمة وبلاغة وتدرّ كلّ وريد «٢»
[ ١ / ٩٤ ]
فقوله: «تملأ كل أذن حكمة» من الكلام الحسن، وهو أحسن ما في البيت، فإذا أردت أن تنثر هذا المعنى فلا بد من استعمال لفظه بعينه؛ لأنه في الغاية القصوى من الفصاحة والبلاغة، فعليك حينئذ أن تؤاخذه بمثله، وهذا عسر جدا وهو عندي أصعب منالا من ناثر الشعر بغير لفظه؛ لأنه مسلك مضيق؛ لما فيه من التعرض لمماثلة ما هو في غاية الحسن والجودة، وأما نثر الشعر بغير لفظه؛ فذلك يتصرف فيه ناثره على حسب ما يراه، ولا يكون مقيدا فيه بمثال يضطر إلى مؤاخاته.
وقد نثرت هذه الكلمات المشار إليها وأتيت بها في جملة كتاب فقلت:
وكلامي قد عرف بين الناس واشتهر، وفاق مسير الشمس والقمر، وإذا عوف الكلام صارت المعرفة له علامة، وأمن من سرقته إذ لو سرق لدلت عليه الوسامة، ومن خصائص صفاته أن يملأ كل أذن حكمة، ويجعل فصاحة كل لسان عجمة، وإذا جرت نفثاته في الأفهام قالت: أهذه بنت فكرة أم بنت كرمة.
فانظر كيف فعلت في هذا الموضع؟ فإني لما أخذت تلك الكلمات من البيت الشعري التزمت بأن أؤاخيها بما هو مثلها أو أحسن منها، فجئت بهذا الفصل كما تراه، وكذلك ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله.
وأما القسم الثالث: وهو أعلى من القسمين الأولين، فهو أن يؤخذ المعنى فيصاغ بألفاظ غير ألفاظه، وثمّ يتبين حذق الصائغ في صياغته، ويعلم مقدار تصرفه في صناعته؛ فإن استطاع الزيادة على المعنى فتلك الدرجة العالية، وإلا أحسن التصرف، وأتقن التأليف؛ ليكون أولى بذلك المعنى من صاحبه الأول.
واعلم أن من أبيات الشعر ما يتسع المجال لناثره، فيورده بضروب من العبارات، وذلك عندي شبيه بالمسائل السيالة في الحساب التي يجاب عنها بعدة من الأجوبة، ومن الأبيات ما يضيق فيه المجال حتى يكاد الماهر في هذه الصناعة ألّا يخرج عن ذلك اللفظ، وإنما يكون هذا لعدم النظير.
فأما ما يتسع المجال في نثره فكقول أبي الطيب المتنبي:
[ ١ / ٩٥ ]
لا تعذل المشتاق في أشواقه حتّى يكون حشاك في أحشائه «١»
وقد نثرت هذا المعنى، فمن ذلك قولي: لا تعذل المحبّ فيما يهواه، حتى تطوي القلب على ما طواه؛ ومن ذلك وجه آخر، وهو: إذا اختلفت العينان في النظر، فالعذل ضرب من الهذر.
ومن هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي أيضا:
إنّ القتيل مضرّجا بدموعه مثل القتيل مضرّجا بدمائه «٢»
أخذت هذا المعنى فنثرته؛ فمن ذلك قولي: القتيل بسيف العيون، كالقتيل بسيف المنون، غير أن ذلك لا يجرّد من غمده، ولا يقاد صاحبه بعمده؛ فزدت على المعنى الذي تضمّنه البيت، وغيرت اللفظ؛ ومن ذلك وجه آخر، وهو: دمع المحبّ ودم القتيل، متّفقان في التشبيه والتمثيل، ولا تجد بينهما بونا، إلا أنهما يختلفان لونا. وهذا أحسن من الأول.
وأما ما يضيق فيه المجال فيعسر على الناثر تبديل ألفاظه؛ فكقول أبي تمام:
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى لها اللّيل إلّا وهي من سندس خضر «٣»
[ ١ / ٩٦ ]
وقول أبي الطيب المتنبي:
وكان بها مثل الجنون فأصبحت ومن جثث القتلى عليها تمائم
وأمثال هذا لا تأتي إلا قليلا؛ وسببه أن المعنى ينحصر في مقصد من المقاصد حتى لا يكاد يأتي إلا قدا، كهذين البيتين، ألا ترى أن أبا تمام قصد المؤاخاة في ذكر لوني الثياب من الأحمر والأخضر وجاء ذلك واقعا على المعنى الذي أراده من لون ثياب القتلى وثياب الجنة، فإذا فك نظم هذا البيت وأريد صوغه بغير لفظه لا يمكن ذلك، وبيت أبي الطيب جار هذا المجرى؛ فإنه بناه على واقعة من الوقائع، وذاك أن حصنا من حصون سيف الدولة قصده الروم وانتزعوه وأخربوه فنهد «١» سيف الدولة إليه واسترجعه، وجدّد بناءه، وهزم الروم، ونصب من جثث القتلى على السور، فنظم المتنبي في هذا قصيدا أوله:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم «٢»
فلما انتهى إلى ذكر الحصن جاء بهذا البيت في جملة أبيات؛ فشرح صورة الحال في إزعاج الحصن بالقتال، وتعليق القتلى عليه، وأبرز ذلك في معنى التمثيل بالجنون والتمائم، وهذا لا يمكن تبديل لفظه؛ وهو وأمثاله مما يجب على الناثر أن يحسن الصنعة في فكّ نظامه؛ لأنه يتصدى لنثره بألفاظه؛ فإن كان عنده قوّة تصرف وبسطة عبارة فإنه يأتي به حسنا رائقا.
وقد نثرت هذين البيتين: أما بيت أبي تمام فإني قلت في نثره: لم تكسه المنايا نسج شفارها، حتى كسته الجنة نسج شعارها؛ فبدّل أحمر ثوبه بأخضره، وكأس حمامه بكأس كوثره؛ وهذا من الحسن على غاية يكون كمد حسودها، من جملة شهودها؛ وأما بيت أبي الطيب المتنبي فإني قلت في نثره: سرى إلى حصن
[ ١ / ٩٧ ]
كذا مستعيدا منه سبيّة نزعها العدو اختلاسا، وأخذها مخادعة لا افتراسا، فما نزلها حتى استقادها، ولا نزلها حتى استعادها، وكأنما كان بها جنون فبعث لها من عزائمه عزائم، وعلّق عليها من رءوس القتلى تمائم.
وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به؛ فمن شاء أن ينثر شعرا فلينثر هكذا، وإلّا فليترك.
وقد جئت بهذا المعنى على وجه آخر، وأبرزته في صورة أخرى، وذاك أني أضفت إلى هذا البيت البيت الذي قبله، وهو:
بناها فأعلى والقنا تقرع القنا وموج المنايا حولها متلاطم
ولما نثرت هذين البيتين قلت في نثرهما ما أذكره، وهو:
بناها والأسنّة في بنائها متخاصمة، وأمواج المنايا فوق أيدي البانين متلاطمة، وما أحلت الحرب عنها «١» حتى زلزلت أقطارها بركض الجياد، وأصيبت بمثل الجنون فعلّقت عليها تمائم من الرءوس والأجساد، ولا شك أن الحرب تعرّد «٢» عمن عزّ جانبه، وتقول: ألا هكذا فليكسب المجد كاسبه.
وهذا أحسن من الأول وأتم معنى.
وقد تصرفت في هذا الموضع بزيادة في معناه، ونثرته على أسلوب أحسن من هذا الأسلوب، فقلت: بناها ودون ذلك البناء شوك الأسل، وطوفان المنايا الذي لا يقال سآوي منه إلى جبل، ولم يكن بناؤها إلا بعد أن هدّمت رءوس عن أعناق، وكأنما أصيبت بجنون فعلقت القتلى عليها مكان التمائم أو شينت بعطل فعلّقت مكان الأطواق.
[ ١ / ٩٨ ]
وهذا الفصل فيه زيادة على الفصل الذي قبله.
وإذا انتهى بنا الكلام إلى ههنا في التنبيه على نثر الشعر، وكيفية نثره، وذكر ما يسهل منه وما يعسر؛ فلنتبع ذلك بقول كلّيّ في هذا الباب؛ فنقول:
من أحبّ أن يكون كاتبا، أو كان عنده طبع مجيب؛ فعليه بحفظ الدواوين ذوات العدد، ولا يقنع بالقليل من ذلك، ثم يأخذ في نثر الشعر من محفوظاته، وطريقه أن يبتدىء فيأخذ قصيدا من القصائد؛ فينثره بيتا بيتا على التوالي، ولا يستنكف في الابتداء أن ينثر الشعر بألفاظه أو بأكثرها؛ فإنه لا يستطيع إلا ذلك، وإذا مرنت نفسه، وتدرّب خاطره؛ ارتفع عن هذه الدرجة، وصار يأخذ المعنى ويكسوه عبارة من عنده، ثم يرتفع عن ذلك حتى يكسوه ضروبا من العبارات المختلفة، وحينئذ يحصل لخاطره بمباشرة المعاني لقاح فيستنتج منها معاني غير تلك المعاني، وسبيله أن يكثر الإدمان ليلا ونهارا، ولا يزال على ذلك مدة طويلة، حتى يصير له ملكة، فإذا كتب كتابا أو خطب خطبة تدفّقت المعاني في أثناء كلامه، وجاءت ألفاظه معسولة لا مغسولة، وكان عليها حدّة حتى تكاد ترقص رقصا، وهذا شيء خبرته بالتجربة، ولا ينبئك مثل خبير.
فإن قيل: الكلام قسمان: منظوم، ومنثور؛ فلم حضضت على حفظ المنظوم وجعلته مادة للمنثور، وهلا كان الأمر بالعكس؟.
قلت في الجواب: إن الأشعار أكثر، والمعاني فيها أغزر، وسبب ذلك أن العرب الذين هم أصل الفصاحة جل كلامهم شعر، ولا نجد الكلام المنثور في كلامهم إلا يسيرا، ولو كثر فإنه لم ينقل عنهم، بل المنقول عنهم هو الشعر، فأودعوا أشعارهم كل المعاني، كما قال الله تعالى: ألم تر أنهم في كل واد يهيمون
ثم جاء الطراز الأول من المخضرمين فلم يكن لهم إلا الشعر، ثم استمرت الحال على ذلك، فكان الشعر هو الأكثر، والكلام المنثور بالنسبة إليه قطرة من بحر، ولهذا صارت المعاني كلها مودعة في الأشعار، وحيث كانت بهذه الصورة، فكان حثّي على حفظها واستعمال معانيها في الخطب والمكاتبات لهذا السبب.
[ ١ / ٩٩ ]
وقد نثرت في هذا الموضع أبياتا تكون قدوة للمتعلم:
فمن ذلك قولي في فصل من فصول الكلام يتضمن ذكر السيادة، وهو:
الشريف من شرف بنفسه، لا بما دفن مع أبيه في رمسه؛ فإن تلك مكارم أتت فتجمّل الزمان بمأتاها، ثم مات أربابها فدفنت مع موتاها، ولو ساد الناس بآبائهم لكانت السيادة للطينة الأولى، ولقد خلق الأبناء من الآباء مجبولا، وهذا المعنى مأخوذ من قول الشاعر:
وما الفخر بالعظم الرّميم، وإنّما فخار الّذي يبغي الفخار بنفسه
غير أن الفصل الذي ذكرته يتضمن من المعنى زيادة على ما تضمنه هذا البيت.
ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب يتضمن معاتبة أخ لإخوته وتنصّله إليهم، فقلت: جرحوا قلبي وحبهم يذهب بألم الجراحة، وطرفوا عيني وهم يزيدون في نظرها ملاحة، وإذا صدرت الإساءة عن الأحباب لم يكن وقرها وقرا، وأصبحت وهي منسيّة إذا تجدّدت الإساءة بالذكرى، وما منهم إلا من سيط دمي بدمه ولحمي بلحمه، ولو أن الأسماء معارف الأشخاص لكان اسمي واردا على اسمه، وكيف أخشن عليهم وقد جبلني الله لهم على اللين، أم كيف أذود النفس عنهم وهي مشتقة منهم وآدم بين الماء والطين، ومتى أؤمل من شجرتي أغصانا كهذه الأغصان، وقد أصيبت جرثومتها بالجداد، ولهذا قيل: إن الإخوة يتعذر الاعتياض عنهم ولا يتعذر الاعتياض عن الأولاد.
آخر هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله:
تعزّيت عمّن أثمرتك حياته ووشك التّعزّي عن ثمارك أجدر
تعذّر أن نعتاض عن أمّهاتنا وأبنائنا والنّسل لا يتعذّر
غير أن ابن الرومي ذكر ذلك في تعزية إنسان بابنه، فتصرفت أنا في هذا المعنى ونقلته إلى هذا الفصل في تضمنه معاتبه أخ لإخوته.
[ ١ / ١٠٠ ]
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن ذم المشيب، فقلت: والعيش كل العيش في سن الحداثة، وما يأتي بعدها فلا يدعى إلا بسن الغثاثة، وليس بعد الأربعين من مصيف للذة ولا مربع، وهي نهاية القوة الصالحة من الطبائع الأربع، فإذا تجاوزها المرء أشفت ثمار عمره على خرصها، وصارت زيادته كزيادة التصغير التي هي زيادة تدل على نقصها، وأصبح بعد ذلك يدعى أبا بعد أن كان يدعى ابنا، وتقمّص ثوبا من المشيب لا يجر ثوبه خيلاء ولا يزهى به حسنا، وإن قيل إن أحسن الثياب شعار البياض قيل إلا هذا الثوب فإنه مستثنى، ويكفيه من الفظاظة أن ينظر الأحباب إليه نظر القتال، ولولا أن الخمود بعده لما استعير له لفظة الاشتمال، ومن الناس من يدلّس لونه بصبغة الخضاب، وليس ذلك إلا حدادا على فقد الشباب، وهو في فعله هذا كاذب ولا يخفى أنس الصادق من وحشة الكذاب، وخداع النفس أن تسلو عن بئره المعطّلة وقصره المشيد، ويحسّن لها الخروج في ثوب مرقّع وهي تراه بعين الثوب الجديد.
وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله:
رأيت خضاب المرء بعد مشيبه حدادا على شرخ الشّبيبة يلبس
غير أن في هذا الفصل معاني كثيرة لطيفة لا توجد في كلام آخر.
ومن ذلك قولي في وصف الجود والسخاء، وهذا الفصل يشتمل على معان متعددة؛ فمنها قولي في العطاء، وهو: شافهتني أسباب الغنى برؤيته حتى كادت تنطق، واخضرّت أكنان منزلي بعطائه حتى كادت تورق، ومن فضيلة بره أنه لا يأتي به على أعين الناس، وإذا غرسه عند إنسان ربّ ذلك الغراس؛ فلا يستكثر ما جادت به سحاب يده، ولا يمنعه عطاء يومه عن عطاء غده.
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس:
كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا لم يهدموا لبنائهم أسسا
ومن هذا المعنى أيضا قولي، وهو: أخذ المكارم من سمائها وأرضها، وقام بنفلها في الناس وفرضها، وتحلى ببعض أسماء الشهور حتى أصبح بعضها حاسدا
[ ١ / ١٠١ ]
لبعضها، فالمحرّم للعائذ بحرمه، وصفر للطامع في سعادة قدمه، وربيع لرائد نواله، ورجب لأقوال عذّاله.
وهذا مأخوذ من قول الفرزدق:
يداك بد ربيع النّاس فيها وفي الأخرى الشهور من المحرم
وقد قال الشعراء في ذلك كثيرا، إلا أني أنا تصرّفت في هذا المعنى تصرفا لم يتصرف فيه أحد غيري.
ومن هذا المعنى ما ذكرته في فصل من كتاب، وهو: ولقد سوّى بين أعدائه في البغض وبين أمواله؛ فهذه معنيّة بوقع نصاله، وهذه معنيّة «١» بصنائع نواله، ولو أحبّ المال لكان أحبّه إليه ما يبذله، كما أن أحبّ الناس إليه منح يسأله، ومن أحسن ما سنّه من الكرم أنه جاد حتى بدّل رغب العافين «٢» زهدا، ورأى الحمد عوضا من الصنيعة فأبى أن يعتاض من صنائعه حمدا.
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس، وهو:
ليت أعدائي كانوا لأبي إسحق مالا
ومن ذلك قولي في وصف القتال وموطن الحرب ووصف الشجاعة والأنجاد، وما يتعلق بذلك ويجري معه، وهذا الفصل يشتمل على معاني مختلفة:
فمن ذلك ما ذكرته في وصف العسكر، وهو: فسرنا في غمامة من الكتائب، تظلّها غمامة من الطيور الأشائب، فهذه يضمّها بحر من حديد، وهذه يضمها بر من صعيد «٣» وما مرّت ببلد إلا أزالت أرضه من سمائه، وألبست نهاره ثوب ظلمائه،
[ ١ / ١٠٢ ]
وبدّلت أحراره بعبيده وحرائره بإمائه، وكذلك فعلت بمدينة فلانة وقد ضرب الأمن عليها أسوارا، وبعد عهدها بالنوائب فلم تدخل لها ديارا، فهي تخبر عن بلهنية الخفض ولم ترع عنه بالانتقال، ولا رأت السيف وقد ألقى لونه في ذوائب الأطفال «١»، فما شعر أهلها إلا وقد رجمها الجيش بكاهله، ورماها بوابله قبل طلّه وطلّ السحاب قبل وابله، وبرزت خيل القوم ولها زيّ فرسانها، وهي مستبقة إلى طرادها كاستباقها إلى ميدانها، إلا من تتأوّد القناة من يده بين لهذمين، وتستقلّ السرج منه ومن جواده بين مطهّمين، فجرت المغاوير إلى المغاوير، وتلاقت الرياح بالأعاصير، وكان الطعن بينهم عناقا، واللبث وفاقا، وسبق ألم الموت ألم الجراح، ونفذت غير مخضّبة لسرعتها أسنّة الرماح، وحصل القوم [في] القبضة، وذمّوا عقبى النّهضة، وجيء بالأسرى مقرنين في الأصفاد، موقنين أن رءوسهم عواريّ على تلك الأجساد، ولو استطاع رأس أحدهم أن ينكر عنقه لأنكره، ولا يود وهو المعظم أن يقال ما أعظمه بل يقال ما أحقره، وتصرفت أيدي المسلمين في القتل والنهاب، وكان للسيف رقاب وللسبي رقاب.
في هذا الفصل معان كثيرة مستحسنة، ومنها ما أخذ من شعر المتنبي، كقوله:
سحاب من العقبان ترجف تحتها سحاب إذ استسقت سقتها صوارمه «٢»
وكقوله:
واستعار الحديد لونا وألقى لونه في ذوائب الأطفال «٣»
[ ١ / ١٠٣ ]
ومن ذلك ما ذكرته في وصف المسلوبين في فصل من جملة كتاب يتضمن البشرى بهزيمة الكفار، وهو: فسلبوا وعاضتهم الدماء عن اللباس، فهم في صورة عار وزيّهم زيّ كاس، وما أسرع ما خيط لهم لباسها المحمر، غير أنه لم يجب عليهم ولم يزر، وما لبسوه حتى لبس الإسلام شعار النصر، الباقي على الدهر، وهو شعار نسجه السّنان الخارق، لا الصّنع الحاذق، ولم يغب عن لابسه إلا ريثما غابت البيض في الطّلى والهام، وألّف الطعن بين ألف الخط واللام.
وهذه معان حسنة رائقة، ومنها معنى واحد مأخوذ من شعر البحتري؛ وهو:
سلبوا وأشرقت الدّماء عليهم محمرّة فكأنّهم لم يسلبوا «١»
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن فتحا، وهو: أصدر هذا الكتاب والفتح غضّ طريّ لم تنصل حمرة يومه، ولا أغمدت سيوف قومه، فسطوره مترّبة بمثار عجاجه، ممتلئة بخط ضربه وإعجام زجاجه.
وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي تمام:
كتّبت أوجههم مشقا ونمنمة ضربا وطعنا يقات الهام والصّلفا «٢»
كتابة ما تني مقروءة أبدا وما خططت بها لاما ولا ألفا «٣»
إن أن أبا تمام مثل آثار الضرب والطعان في الوجوه بالكتابة، وأنا مثلت الكتابة
[ ١ / ١٠٤ ]
وإعجامه بالضرب والطعن، فكأنني عكست المعنى الذي ذكره أبو تمام، وهذا مقصد في حل الأبيات الشعرية حسن، فإن استخراج المعنى من عكسه أدقّ من استخراجه من نفسه، وقد نبهت على ذلك في مواضع أخر من هذا الباب.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن فتحا من فتوح الكفار، وهو:
وأقبلت أحزاب الكفر وهي معتصمة بصليبها، ورفعته على أعواد عالية كهيئة خطيبها، ولم تعلم أن الله كتب عليه الهوان بعد تلك الكرامة، وأنه ذو شعب أربع والتربيع نحس في حكم النّجامة «١» وكيف ترجو بكفرها ظهورا ولها منه معنى الاختفاء وللإسلام معنى السلامة؛ ولما التقى الجمعان اصطفقت يمين وشمال، وزحفت جبال إلى جبال، وكثرت النفوس على المنايا حتى كادت لا تفي بالآجال، وأقدمت الخيل إقدام فرسانها، وأظلم النقع فلا تبصر إلا بآذانها، ونالت النحور ثأرها من كعوب الرماح، واشتكت الأسنّة فلا طريق بينها لمهبّ الرياح، واستؤصلت شجرة الكافرين بالقطع لا بالجداد، وحال حدّ السيف دون حديد الأصفاد، ونقلوا إلى جهنم يصلونها وبئس المهاد، وانقلب المسلمون وقد ملئوا الأغماد نصرا، والصحائف أجرا، والأيدي وقرأ، والقلوب جذلا والألسنة شكرا، وكان ذلك اليوم في الأيام علما، وفي الأقسام قسما، ولم يره الزمان منسوبا إليه إلا راجع شبابا بعد أن ناهز هرما.
في هذا الفصل شيء من معاني الشعر، وذلك من قول أبي الطيب المتنبي «٢»:
[ ١ / ١٠٥ ]
أتاهم بأوسع من أرضهم طوال السّبيب قصار العسب «١»
تغيب الشّواهق في جيشه وتبدو صغارا إذا لم تغب «٢»
ولا تعبر الرّيح في جوّه إذا لم تخطّ القنا أو تثب «٣»
ومن قوله أيضا «٤»:
في جحفل ستر العيون غباره فكأنّما يبصرن بالآذان»
ومن ذلك ما ذكرته في الإنجاد وإجابة الصّريخ، وهو: إذا استصرخ بعزم غذته صحبة الجيش، عن لذة العيش، فهو يستعذب حرّ الثّغور، على برد «٦» الثغور، ويلهو بالبيض الذكور، عن بيض الخدور «٧»، ولا طيب عنده إلا ريح
[ ١ / ١٠٦ ]
العجاج «١» . ولاعناق إلا أطراف الزّجاج «٢»، ولا أرب له في الرقاد إلا على صهوات الجياد، فعسكر قلبه أمضى في الوغى من عسكر، ونجدة بأسه تأبى لقاء الأقران في درع أو مغفر.
وهذه المعاني مأخوذة من أبيات الحماسة، ومن شعر مسلم بن الوليد.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف المخبر دون المنظر، وهو: إذا سموت لأمر فكن واحدا في مكانك، ولا ترض بكثرة الشركاء فيقال فلان من أقرانك، ألم تر إلى الحرباء الذي هو دويبة حقيرة الشأن، ضعيفة الأركان، فإنه ارتفع في هواه عن الأرض وأنسها، إلى السماء وشمسها، وقال: لا أحبّ من تفسد الأيام من حسنه، ولا من أحد بسمة خلّه ولا خدنه، والهمم ليست منوطة بجهارة المناظر، والتعويل على الخبر المستتر في الأفئدة الباطنة لا على الظواهر، ومن ههنا قيل: إنّ وضاءة النفوس أنضر من وضاءة الأجساد، ورقم الشّيم أحسن من رقم الأبراد.
وآخر هذا الفصل ينظر إلى قوم سحيم عبد بني الحسحاس.
إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرما أو أسود اللّون إنّي أبيض الخلق
إلا أن الفصل يتضمّن معنى غريبا لم يسبقني إليه أحد.
ومن ذلك ما ذكرته في الحسد في فصل من كتاب، وهو: حاسد سيّدنا ينظر إلى زهرة دنياه ولا ينظر إلى استحقاقه، وهو كالناظر إلى الاطواق الموضوعة في الحيد ولا يدري أن الجيد أحسن من أطواقه، ولو قاس الدنيا بالاستحقاق لذهب الحسد من صدره، وقال: ما لي أحسد من لم ينته قدر دنياه إلى معشار قدره.
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن الأعذار عن تواتر المكاتبات، وهو: إذا اعتذر من انقطاع الكتب اعتذار الخادم من اتصالها، ولو كانت واردة على
[ ١ / ١٠٧ ]
غير ذلك الباب الكريم لخاف من إملالها، وقد عد احتمال تثقيلها من جملة الأيادي التي أثقلته، وأراد أن يجري معها بسوابق شكره فأعجلته وما أمهلته، وهو الآن مرتهن بين قديم وجديد، وأصبح كخراش إذ تكاثرت عليه الظباء فلم يدر لكثرتها ما يصيد، فإن أمسك سيّدنا من أياديه وإلا فليتفضل على الشكر بالإنظار، وليعلم أن ذمة وفائه كذمة ديوان المال في الإعسار.
هذا فصل في هذا المعنى قلّما يؤتى بمثله، وفيه معنى واحد من قول الشاعر:
تكاثرت الظّباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد
ومن ذلك ما ذكرته في استصلاح مودة، فقلت: كنت عنده بالمنزلة التي آمن بها ما أجنيه فصرت أخاف ما لم أجنه، وكان لا يقبل عليّ شهادة عينه فأصبح الآن يقبل على شهادة أذنه، لكن لم يجعل الله القلوب بين أصبعين من أصابعه إلا ليذهب بها كلّ واد، ومن ههنا كانت تنتقل من وداد إلى قلّى ومن قلّى إلى وداد، ولا شك أن لها بين الحالتين عمرا تنتهي إليه كما تنتهي أعمار الأجساد، والصبر خير ما استعمل في جفاء الإخوان، والماء إذا جرى في مكان ثم انحرف عنه فلا بد أن يعود إلى ذلك المكان.
وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي [وهو قوله]:
عهدتك لا تعتدّ بالعين شاهدا عليّ فلم أصبحت تعتدّ بالأذن
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الملوك على يد بعض العفاة، وهو: الشّيم الكريمة للإنسان بمنزلة المسك في سرر الغزلان، غير أن طيب هذه يعبق بالأنوف وطيب هذه يعبق بالآذان، وقد جعل تفاوت المزية بين هذين الطيبين فرقا، فأحدهما يبقى دائما ولا يذهب والآخر يذهب ولا يبقى، ونصيب مولانا من الطيب الباقي نصيب زكت معادنه، وكثرت خزائنه، وسارت في الأرض محاسنه، ورفعه الله به إلى محل يبعد شأوه على الطالب، ولا يرى إلا في لسان شاعر أو لسان خاطب، وهو مما استثني من خلق الناس الذي هو من طين لازب،
[ ١ / ١٠٨ ]
ومن أجل ذلك يرون أشباها ما عداه، وما منهم إلا من يقر بفضله ولو كان من حساده أو عداه، وقد أصبحوا وهم يقلون لديه حين يكثرون، ويقول كل منهم لصاحبه أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون.
هذا الفصل وإن تضمن شيئا من القرآن الكريم فليس المراد ههنا القرآن الكريم، بل منه شيء مأخوذ من الشعر، وهو قول المتنبي:
النّاس ما لم يروك أشباه والدّهر لفظ وأنت معناه
ومن ذلك ما ذكر في وصف الخمر، وهو: الخمر لا تفي لذة إسكارها، بتنغيص خمارها، فهي خرقاء البيان، بذيّة اللسان، وتأنيثها يدلك أنها من ناقصات العقول والأديان، وقد عرف منها سنّة الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما استأثرت من الرءوس بجناية أقدامها.
وهذا أحسن من قول الشاعر وأغرب وألطف، لأنه قال:
ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت وهنا تداس بأرجل العصّار
لانت لهم حتّى انتشوا فتحكّمت فيهم فنادت فيهم بالثّار
وكذلك قلت في وصفها أيضا، وهو: مدامة تنفي خواطر الهموم، وتسري مسرى الأرواح في الجسوم، وتشهد بأن الكرم مستمد من ماء الكروم، ويتمثل حببها «١» نجوما إلا أنها مضلّة والهداية للنجوم.
وبعض هذا مأخوذ من قول أبي نواس:
إذا هي حلّت في اللهاة من الفتى دعا همّه من صدره برحيل
وما زال الشعراء يتواردون على هذا المعنى حتى سمج، لكن الذي ذكرته بعد هذا المعنى من محاسن المعاني في وصفها، وكذلك ما ذكرته في وصفها، وهو:
الخمر كالعذراء في نفورها، وملازمة خدورها، ولهذا تشمئز من نكاح المزاج،
[ ١ / ١٠٩ ]
وتصخب لمسّ الماء صخب الأبكار لمس الأزواج، ومن شأنها أن تلبس عند الزفاف إكليلا على رأسها، وكذلك شأن العرائس عند زفافها إلى أعراسها.
وهذه المماثلة بين الخمر وبين البكر على هذا النسق لم يأت بها أحد غيري، وإنما وصفت بأنها بكر، كقول أبي نواس:
فقلت لشيخ منهم متكلّم له دين قسّيس وفي نطقه كفر
أعندك بكر مرّة الطّعم قرقف صنيعة دهقان تراخى له العمر
فقال عروس كان كسرى ربيبها معتّقة من دونها الباب والسّتر
ووصفت بالنكاح والزواج، كقوله أيضا:
وقهوة كالعقيق صافية يطير من كأسها لها شرر
زوّجتها الماء كي تذلّ له فامتعضت حين مسّها الذّكر
ومن ذلك ما ذكرته في الحزم، وهو: لا ينبغي للحازم أن يساور المورد المؤذن بمضيقه وإن أفضى الصّدر إلى رحيبه، فإنّ توقّي الداء خير من التعرض له مع وجود طبيبه، ولندع قول من يقعد على تلّ السلامة ثم يلبس الكتائب بالكتائب، ويقول: ليس للعزم إلا تمام الصدور وليس عليه تمام العواقب.
بعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام «١»:
وركب كأطراف الأسنّة عرّسوا على مثلها واللّيل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتمّ صدوره وليس عليهم أن تتمّ عواقبه
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الرأي والكيد، وهو: أخفى على العدوّ كيده
[ ١ / ١١٠ ]
حتى لم يدع كائدا، وأعمى عليه سلوك الطريق حتى ظنه حائدا، فسيوفه تسطو على بعدها، ولا تقطع إلا وهي في غمدها.
وبعض هذا المعنى أخذته من شعر أبي تمام «١»، وهو:
سكن الكيد فيهم إنّ من أع ظم كيد أن لا يسمّى أريبا
وكذلك قولي في هذا المعنى، وهو: أخذ بسمع العدو وبصره، وسدّ مطلع ورده وصدره، فيداه مغلولة مع أنها مطلقة السّراح، ومقاتله بادية على أنها شاكية السّلاح.
وهذا المعنى ينظر إلى المعنى الذي قبله.
وكذلك قولي أيضا، وهو: يبيّت برأيه العدو قبل جيشه، وتلقاه يطيش قلمه الذي كلّ الحلم في طيشه، فإذا أطلّت وجوه الآراء كان رأيه لها صباحا، وإذا جهزت الجحافل لحرب كان قلمه لها سلاحا.
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر البحتري «٢»:
وهو المرء ما غزا بلدا بال- - رأي إلّا كفاه غزو الجنود
ومن ذلك ما ذكرته في وصف السير والركاب والخيل والقفار وما يتعلق بها.
[ ١ / ١١١ ]
فمنه ما يتعلق بالسير، وهو: ركب ظهر الليل يباري مسير شهبه بمسير أشهبه «١»، ويستقرب بعد المدى في نيل مطلبه، غير أن تلك تفري أديم الغياهب، وهذا يفري أديم السّباسب «٢»:
وهذا مأخوذ من قول المتنبي «٣»:
يباري نجوم القذف في كلّ ليلة نجوم له منهنّ ورد وأدهم
ومن هذا المعنى أيضا قولي، وهو: اتّخذ الليل ظهرا، واستلان خشونة المسرى، فلم يزل يقذف صبغة سواده، بصبغة جواده، حتى بدت في أديم الليل شيات صباحه، وشابه الأدهم في غرّته وأوضاحه، فعند ذلك أخذ أحدهما في رحيله، وأخذ الآخر في نزوله.
وهذا المعنى ينظر إلى الذي قبله، وفيه من شرف الصنعة ما لا خفاء به.
ومن ذلك ما ذكرته أيضا في فصل من كتاب، وهو: سرت وتحتي بنت قفرة لا يذهب السّرى بجماحها، ولا تستزيد الحادي من مراحها، فهي طموح بأثناء الزّمام، وإذا سارت بين الآكاد قيل هذه واحدة من الآكام، ولم تسمّ جسرة إلا لأنها تقطع عرض الفلاة كما يقطع الجسر عرض الماء، ولا سميت حرفا إلا لأنها جاءت لمعنى في العزائم لا لمعنى في الأفعال والأسماء، وخلفها جنيب من الخيل يقبل بجذع ويدبر بصخره، وينظر من عين جحظة ويسمع بأذن حشره، ويجري مع
[ ١ / ١١٢ ]
الريح الزّعزع فيذرها وقد ظهر فيها أثر القتره، وما قيد خلفها إلا وهو يهتدي بها في المسالك المضلّة، ويطأ على أثرها فيرقم وجوه البدور بأشكال الأهلة، هذا والليل قد ألقى جرانه فلم يبرح، والكواكب قد ركدت فيه فلم تسبح، وأنا أودّ لو زاد طوله، ولم تظهر غرة أدهمه ولا حجوله، فقد قيل: إنه أدنى للبعد وأكتم للأسرار، ودل عليه القول النبويّ بأن الأرض تطوى فيه ما لا تطوى في النهار، وما زلت أسير بريدها تنوء به حتى كاد ينضولون السواد، وظهر لون السرحان فأغار على سرح السماء كما يغير السرحان على سرح النقاد، فعند ذلك نهلت العين من الكرى نهلة الطائر، ولم يكن ذلك على ظهر الأرض المطمئنة وإنما كان على الظهر السائر.
في هذا الفصل كل مليحة من المعاني، ولو لم يكن في هذا الكتاب سواه لكان كافيا، وبعضه مأخوذ من الشعر، كقول أبي تمام «١»:
طموح بأثناء الزّمام كأنّما يخال بها من عدوها طيف جنّة «٢»
وكقوله «٣»:
بالشّذقميّات العتاق كأنّما أشباحها بين الأكام أكام «٤»
ومن ذلك ما ذكرته في النسب في فضل من كتاب، وهو: لهم نسب لا تدخله لام التعريف، وهو موضوع لا يجري على سنن التوقيف، فإذا ذكر أوله وقفت من عرفانه على طلل، ووجدته مهملا في جملة الهمل، وإن قيل إنه من نجوم السماء قلت لكنه لا يخرج عن الثور أو الحمل، فما أرهف لوصفه لسان إلا نبا، ولا اقتدح له زناد خاطر إلا كبا، وهم منه كآوى الذي يرى الناس له ابنا ولا يرون لابنه أبا.
[ ١ / ١١٣ ]
وهذا من أغرب ما يؤتى به في ذم النسب، وهو من باب توليد المعاني الذي يسمى الكيمياء، وبعضه مستولد من قول أبي نواس في هجاء الخصيب «١»:
وما خبزه إلّا كآوى يرى ابنه ولم يرآوى في حزون ولا سهل «٢»
فأبو نواس ذم خبز الخصيب في عدم رؤيته، وأنا نقلت ذلك إلى النسب، فجاء ألطف وأحسن وأليق وأدخل في باب الصنعة، وإذا حقق النظر فيما ذكره أبو نواس في هذا المعنى لم يوجد مناسبا، فإن الخبز في عدم رؤيته لا يحمل على ابن آوى، وإنما المناسبة تقع في النسب من أجل ذكر الابن والأب.
ومن ذلك ما ذكرته في ذم قوم، وهو فصل من كتاب، فقلت: تركت قوما لم ينقعوا صدى، ولم يجروا إلى مدى، فأعراضهم نكرة العارف، وأموالهم حنظلة الناقف، لا تمطر سحبهم على كثرة مائها، ولا تزكو الذريعة بأرضهم على نمائها.
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر الشريف الرضي «٣»:
تركت أناسا لم يهشّوا لمنّة ولم ينقعوا غلّ الظّماء الخوامس
على القرب فيهم إنّني غير طامع ومنك على بعد المدى غير آيس «٤»
[ ١ / ١١٤ ]
ومن هذا الباب أيضا قولي، وهو: تركت قوما يسلون الحبيب، ويملّون القريب، ولا يرعون من يرعاهم، ولا يدرّ اللبن على مرعاهم، فنوالهم تحايا، وأعراضهم ضحايا، ومن أحسن صفاتهم أنهم يعاقبون على الظنة، ولا يرتاحون لمنة، فالذرائع لديهم مدفونة، والصنائع غير مسنونة.
وبعض هذه المعاني مأخوذ من شعر أبي الطيب «١» المتنبي:
رأيتكم لا يصون العرض جاركم ولا يدرّ على مرعاكم اللّبن
جزاء كلّ قريب منكم ملل وحظّ كلّ محبّ منكم ضغن
ومن ذلك ما ذكرته على الحث على الاغتراب، وهو: لولا التغرب لما ارتقت بنات الأصداف إلى شرف الأعناق، ولا ارتقى تراب الأحجار إلى نور الأحداق.
وكذلك قولي في هذا المعنى، وهو: في الانتقال تنويه لخامل الأقدار، ولولا ذلك لم يكس الهلال حلة الأبدار، والمندل الرطب حطب في أوطانه، والمسك دم في سرر غزلانه، ولولا فراق السهم وتره لم يحظ بفضل الإصابة، ولولا فراق الوشيج منبته لم يتحلّ بعز السّنان ولا شرف الذّؤابة.
وهذا الفصل فصل من القول في معناه، ومما لم ينبش للخواطر ابتناء مبناه؛ فمنه ما هو مأخوذ من الشعر، ومنه ما منح به الخاطر على غير مثال، وهو يشهد لنفسه.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الأيام، وهو: أيام تعدّ بأعوام «٢» لقصر أعمارها، وشهور لا يشعر بأنصافها ولا سرارها؛ فالأوقات بها أصائل، والمحاسن فيها
[ ١ / ١١٥ ]
شمائل، والمآرب في ساعاتها رياض في خمائل؛ فما أدري أهي خيالات أحلام غرت، أم أحاديث أمان مرت.
وبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة «١»:
شهور ينقضين وما شعرنا بأنصاف لهنّ ولا سرار «٢»
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الإخوان، وهو: ليس الصّديق من عدّ سقطات قرينه، وجازاه بغثّه وسمينه، بل الصديق من ماشى أخاه على عرجه، واستقام له على عوجه، فذلك الذي إن رأى سيئة وطئها بالقدم، وإن رأى حسنة رفعها على علم.
وبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة «٣»:
[ ١ / ١١٦ ]
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا عنّي، وما سمعوا من صالح دفنوا «١»
إلا أن الذي ذكرته ضدّ هذا المعنى، وقد يستخرج المعنى من ضده. وهو أحسن مما يستخرج من نفسه.
ومن هذا قولي أيضا، وهو: ليس الصديق من صرّى أخلاف ودّه «٢» وغشّ في صفقة عهده بل الصديق من لا ترد سلعة وده بإقالة ولا عيب، ولا تخص محافظة إخائه بشهادة دون غيب «٣» فذلك أخي من غير نسب، وكنزي من غير نشب.
وهذا مأخوذ من الفقه في تصرية ضرع الشاة عند البيع، وذلك يوجب الرد.
ومما ينتظم بهذا السلك قولي، وهو: الانتقال عن خلة الوداد، كالانتقال عن نسب الميلاد، وكما يحرم هذا في نص الحكم المشروع، فكذا يحرم هذا في خلق الكرم المطبوع، على أن نسب الخلة الذي ينميه القلب إلى القلب، أوصل من نسب الرحم الذي ينميه الابن إلى الأب، ولهذا كانت مودة سلمان قربى، ونسب أبي لهب سبّا وتبّا.
وبعض هذا مأخوذ من شعر أبي نواس، وهو:
كانت مودّة سلمان له نسبا ولم يكن بين نوح وابنه رحم
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الديار، وهو: دار كانت مقاصر جنة، فأصبحت وهي ملاعب جنّة، ولقد عميت أخبار قطّانها، وأنشاز أوطانها، حتى شابهت إحداهما في الخفاء، الأخرى في العفاء، وكنت أظن أنها لا تسقى بعدهم بغمام، ولا يرفع عنها جلباب ظلام، غير أن السحاب بكاهم فجرت بها سوافح دموعه، والليل شق عليهم ثوبه فظهر الصباح من خلال صدوعه.
[ ١ / ١١٧ ]
وهذه معان لطيفة جدا، وبعضها مأخوذ من شعر الشريف الرضي رحمه الله تعالى «١»:
أمرابع الغزلان غيّرك البلى حتّى غدوت مراتعع الغزلان «٢»
ومما يلتئم بهذا المعنى قولي أيضا، وهو: دار أصبحت مراتع أذواد، بعد أن كانت مناجع روّاد، فلو تصورت الآمال التي مثلت بفنائها، كما تصورت الآثار المماثلة من بنائها؛ لرأيت رسومها مع رسوم القباب. وعلمت كم غار بها من بحر ونضب من سحاب.
وهذا معنى حسن له من نفسه مثن وحامد، ومن سامعه يمين وشاهد، وهو من معانيّ المستخرجة.
ومن ذلك قولي أيضا، وهو: النقص موكّل بكمال النعماء، ولذلك كان الوخم مقترنا بالمرعى والماء وقلّما ترى ثمرة إلا ومعها زنبور، ولا لذة إلا وإلى جانبها شيء محذور.
وكذلك قولي أيضا، وهو: لا يظفر الرجل بمطالبه شفعا، ولا تؤتيه من كل جهة نفعا، بل يرى مرعى بلا ماء وماء بلا مرعى، ولذلك كانت النحلة مع الشهدة، والشوكة مع الوردة.
[ ١ / ١١٨ ]
وبعض هذه المعاني مأخوذ من قول أبي تمام «١»:
أرض بها عشب زاك وليس بها ماء وأخرى بها ماء ولا عشب «٢»
إلا أن في الكلام المنثور زيادة على ما تضمنه الشعر، وكأنه ينظر إليه نظرا بعيدا.
ومن سبيل المتصدّي لهذا الفن أن يأخذ المعنى من الشعر فيجعله مثل الإكسير في صناعة الكيمياء، ثم يخرج منه ألوانا مختلفة من جوهر وذهب وفضة، كما فعلت في هذا الموضع؛ فإني أخذت معنى هذا البيت من الشعر فاستخرجت منه ما ليس منه، وهذا أعلى الدرجات في نثر المعاني الشعرية.
وقد بسطت القول في هذا الموضع، وكشفت عن دفائنه، في الكتاب الذي وسمته ب «الوشي المرقوم في حلّ المنظوم» وهو كتاب مفرد [في] هذا الفن خاصة.
ومن هذا الضرب الذي هو الكيمياء في توليد المعاني ما ذكرته في وصف الربيع فقلت: فصل الربيع هو أحد ميزاني عامه، والمستقيد لسامه من حامه، وقد وصف بأنه ميعاد نطق الأطيار، وميلاد أجنّة الأزهار، والذي تستوفي به حولها سلافة العقار، فإذا سلّت السحب فيه سيوفها كان ذلك للرضا لا للغضب، وإذا خلعت على الأرض غلالتها الدّكناء لبست منها ديباجة منسوجة بالذهب.
وهذا المعنى مستولد من قول أبي تمام في وصف السحاب «٣»:
[ ١ / ١١٩ ]
سلبته الجنوب والدّين والدّنيا وصافي الحياة في سلبه «١» إلا أن في الذي ذكرته معنيين غريبين إذا أمعن الناظر نظره فهمهما.
ومن ذلك ما ذكرته في لين القول وإعادته، وما يجري مجراه، كقولي في فصل من كتاب، وهو: لم أعد عليه القول لأنه لا يبلغ مدى ميدانه، إلا بتحريك سوطه وعنانه، بل أخذا بأدب الله في اذكار القرآن، واتباعا لسنة نبيه ﷺ في تثويب الأذان.
وبعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام «٢»:
لو رأينا التّأكيد خطّة عجز ما شفعنا الأذان بالتّثويب «٣»
وكذلك قولي أيضا، وهو: وقد علم أن لين القول أنجع قبولا، وهو من أدب كليم الله إذ بعثه إلى فرعون رسولا، ألا ترى أن الحداء يبلغ من المطايا بلطفه، ما لا يبلغه السوط على عنفه.
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي تمام «٤»:
[ ١ / ١٢٠ ]
وخذهم بالرّقى إنّ المهارى يهيّجها على السّير الحداء «١»
ومن ذلك ما ذكرته في ذم الدنيا، وهو: أنكاد الدنيا مشوبة بالأشياء التي جبلت النفوس على حبّها، وكل ما تستلذه الأبدان من مأكلها فإنه يضرها من جهة طبها، ولهذا يذمم من منفعة الهليلج، ومضرة اللوزينج. وأعجب من ذلك أنه لا ينتفع الإنسان بشيء من لذاتها إلا ضره من جهة ثوابه، وهو كالذي ينتفع باصطلاء النار وهي محرقة لأثوابه، وقد ضرب لذلك مثل من الأمثال، وقيل: إن كل ما ينفع الكبد مضرّ بالطحال.
وهذا مأخوذ من الأمثال العربية والمولدة.
ومن ذلك ما ذكرته في الزهد، وهو: الناس في الدنيا أبناء الساعة الراهنة، وكما أن النفوس ليست فيها بقاطنة فكذلك الأحوال ليست بقاطنة، ولهذا كانت المآتم بها كالأعراس يتفرق نديّ جمعها، فهذه تنسي ما مضى من لذة سرورها وهذه تنسي ما مضى من ألم فجعها، ولا شبيه لها على ذلك إلا الأحلام التي يتلاشى خيالها عاجلا، وتجعل اليقظة حقها باطلا، وما ينبغي حينئذ أن يفرح بها مقبلة ولا يؤسى عليها مدبرة، وكل ما تراه العين منها ثم يذهب فكأنها لم تره، وغاية مطلوب الإنسان منها أن يمدّ له في مدة عمره، ويملى له في امتداد كثره، أما تعميره فيعترضه المشيب الذي هو عدم في وجود، وهو أخو الموت في كل شيء إلا في سكنى اللحود، فالجوارح التي يدرك بها الشهوات ترى وكل منها قد تحول، وأصبح كالطلل الدارس الذي ليس عنده من «٢» معوّل، فلا ليلى بليلى ولا النّوار بالنوار، ولا الأسماع أسماع ولا الأبصار أبصار، وأما ماله فإن أمسكه فهو عرضة لوارث يأكله، أو
[ ١ / ١٢١ ]
لحادث يستأصله، وإن أنفقه كان عليه في الحلال حسابا، وفي الحرام عقابا، فهذه زهرة الدنيا الناضرة، وهذه عقباها الخاسرة.
وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر صالح بن عبد القدّوس:
وإذا الجنازة والعروس تلاقيا ألفيت جمعا كلّه يتفرّق
ومن قول أبي العتاهية:
أنّما أنت طول عمرك ما عمّرت في السّاعة الّتي أنت فيها ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن تعزية، وهو: كيف يظلم ذلك اللّحد وبه من أعمال ساكنه أنوار؟ أم كيف يجدب وبه من فيض يمينه سحاب مدرار؟ أم كيف توحش أقطاره والملائكة داخلة عليه من تلك الأقطار؟ أم كيف يخفيه طول العهد على زوّاره وطيب ترابه هاد للزوار، وما أعلم ما أقوله في هذا الخطب الجليل، الذي دقّ فيه الحزن الجليل، وسمحت له النفوس بالفدية على حب الحياة وذلك من الفداء القليل، وقد قيل: إنه لم يخلق الدمع إلا إنذارا بأن نوائب الزمان ستنوب، وقد جعله الله ذخرا للقائها وإنما يذخر السلاح للقاء الحروب، والذي ذخرته منه لم يغن عني في هذه النائبة، وأيّ جنّة تقوم في وجه سهامها الصائبة، لا جرم أني أصبحت بين يديها هدفا للرماء، ولم يبق مني إلا ذماء الحشاشة ومن العجب بقاء الذّماء.
وشيء من هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي:
لم يخلق الدّمع لامرئ عبثا الله أدرى بلوعة الحزن
وكذلك ذكرت فصلا في كتاب آخر يتضمن تعزية، وهو: فيا ويح أيد أسلمته إلى الثرى وما كان يسلمها إلى الإعدام، وألبسته ظلمة اللحد وطالما جلا عنها غيابة الظّلم والإظلام، وغادرته بوحدته مستوحشا وقد كان يؤنسها بنوافل الإنعام، ومثله لا يوارى القبر منه إلا صورة يدركها النفاد، وتبلى كما يبلى غيرها من الأجساد، ولكنه لا يستطيع مواراة الذكر الخالد الذي يذهب بشماتة الحساد، ويتمثل في السماء بصورة الكواكب وفي الأرض بصورة الأطواد.
[ ١ / ١٢٢ ]
وبعض هذا مأخوذ من قول بعض شعراء الحماسة «١»:
فإن تدفنوا البكريّ لا تدفنوا اسمه ولا تدفنوا معروفه في القبائل «٢»
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام بالفصاحة، وهو فصل من كتاب؛ فقلت:
وله البيان الذي يغض من نسق الفريد، ولا يخلق نضرة لباسه الجديد، وهو فرق كلام المجيد ودون القرآن المجيد، وإذا اختصروا صفته قيل: إنه يستميل سمع الطروب، ويستحق وقار القلوب، ويتمثل آيات بيضاء من غير ضمّ إلى الجيوب، ويرى في الأرض غير لاغب إذا مسّ غيره فترة اللّغوب، ولا تزال الناس في عشق معانيه ضربا واحدا والعاشقون ضروب، ولما وقفت عليه قلت: سبحان من أعطى سيدنا فلم يبخل، وخصّه بنبوّة البيان إلا أنه لم يرسل، ولولا أن الوحي قد سدّ بابه لقيل: هذا كتاب منزل، ولقد خار الله لأولي الفصاحة إذ لم يحيوا إلى عصره، ولم يبتلوا فيه بداء الحسد الذي يصليهم بتوقّد جمره، ولئن سلموا من ذلك فما سلمت أقوالهم من أقواله التي محتها محو المداد، وقد كانت باقية بعدهم فلما أتى صارت كما صاروا إلى الألحاد.
وفي هذا الفصل شيء من المعاني الشعرية كقول البحتري «٣»:
[ ١ / ١٢٣ ]
مستميل سمع الطّروب المعنّى عن أغانيّ معبد وعقيد «١»
وقول الشريف الرضي ﵀ «٢»:
عشقت ومالي يعلم الله حاجة سوى نظري، والعاشقون ضروب
وفيه أيضا شيء من معاني القرآن الكريم، إلا أنها جاءت ضمنا وتبعا، وموضعها يأتي بعد الأبيات الشعرية.
وكذلك ذكرت فصلا آخر من هذا الأسلوب، وهو: إن للكلمة طعما يعرف مذاقه من بين الكلام، وخفّة الأرواح معلومة من بين ثقل الأجسام، فلو لم نعرفه بطعمه، عرفناه بوسمه، والصباح لا يتمارى في إسفاره، ولا يفتقر إلى دليل على إشراق أنواره، وقد علم أن العرف يعرف بغصنه، وأن القول يعرف بلحنه، ونفائس هذه العقود لا يبرزها إلا أنفاسه، فدررها لفظه وسلوكها قرطاسه.
ومن هذا الباب قولي أيضا، وهو: ألفاظ كخفق البنود، أو زأر الأسود، ومعان تدل بإرهافها أنها هي السيوف وأن قلوبا نمتها هي العمود، فيخالها المتأمل حومة طعان، أو حلبة رهان.
وبعض هذا مأخوذ من شعر البحتري «٣»:
يقظان ينتخب الكلام كأنّه جيش لديه يريد أن يلقى به
[ ١ / ١٢٤ ]
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان من أهل الكتابة كان اعتدى عليه شخص يدّعي الكتابة وليس من أهلها، فقلت: وقد نيط بسيدنا قلما الخطّ اللذان ينسب أحدهما إلى المداد وينسب الآخر إلى الصّعاد «١»، فهو يدير هذا في معركة المقال وهذا في معركة الطّراد، ولربما صهل أحد قلميه من فوق صفحات الدروج، كما تصهل الجياد من تحت أعواد السّروج، فله احتفال المواطن والمجالس، وإليه غناء أصحاب العمائم والقلانس، لا كمن لا يجاوز همّه طرفي ردائه، وإذا نودي لفضيلة قيل: إنما يسمع الحيّ بندائه، وكم في الناس من صور لا تجد لمعناها أثرا، وإذا رأيتها قلت أرى خالا ولا أرى مطرا، وأيّ جمال عند من ليس له إلا جمال ثيابه، وهل ينفع السيف الكهام أن تجعل من الذهب حلية قرابه، وكل من هؤلاء ذنب يسعى بغير رأس، ولا له همّ إلا في عيشة الطاعم الكاس «٢» وإذا اعتبر حاله وجد من البهائم وإن كان منسوبا إلى الناس، والسيادة ليست في وشي الثياب، ولا في طيب الطعام والشراب، وإنما هي في شيئين: إما شهامة قلم تفرق لها قلوب الغمود، أو شهامة رمح تفرق لها قلوب الأسود، وكأني بقوم يسمعون هذا وكلهم يمتعض امتعاض المغضب، وتتابع نفسه تتابع المتعب، ويعترض الشّجى في حلقه حتى يغصّ من غير أن يشرب، ولم يزل بالحساد من سيدنا داء يورثهم أرقا، ويوسعهم شرقا، وكثيرا ما تعرق له جباههم وكذا الميت يندى جبينه عرقا، وما أرى لهؤلاء دواء إلا أن يطرحوا عن مناكبهم ثقل المساجلة، والحسد إنما يكون ممن يجري مع صاحبه في مضمار المماثلة، وكنت أحبّ أن يقام على الكتابة
[ ١ / ١٢٥ ]
محتسب حتى يتفلس منها خلق كثير، وتستريح جياد كثيرة من ركوب حمير، وفي مثل هذا السوق يظهر أهل الخلابة والنجش، وما منهم إلا من هو في الحضيض الأسفل وقد أجلس نفسه قائمة العرش، ونار الآلة العمرية تميز خالص النقود من زيفها، ولا حيف في هذا المقام على من أسرفت دعواه الكاذبة في حتفها.
وبعض هذا الفصل مأخوذ من شعر عبد السلام بن رغبان عرف بديك الجن «١»:
يزهى به القلمان إلّا أنّ ذا لدن المجسّ وأنّ ذا بكعوب «٢»
عودان: يقضب ذا الطّلى بلعابه، ويجوب ذا المهجات بالتّركيب
ويكفيك أيها المتوشح لنثر الشعر أن تنظر إلى هذا الفصل، وتتأمل الموضع الذي أخذت معنى هذين البيتين ووضعته فيه؛ فإن فيه غناء ومقنعا.
وأما حلّ آيات القرآن العزيز فليس كنثر المعاني الشعرية؛ لأن ألفاظه ينبغي أن يحافظ عليها، لمكان فصاحتها، إلا أنه لا ينبغي أن يؤخذ لفظ الآية بجملته؛ فإن ذلك من باب التضمين، وإنما يؤخذ بعضه، فإما أن يجعل أولا لكلام أو آخرا، على حسب ما يقتضيه موضعه، وكذلك تفعل بالأخبار النبوية.
على أنه قد يؤخذ معنى الآية والخبر فيكسى لفظا غير لفظه، وليس لذلك من الحسن ما للقسم الأول؛ للفائدة التي أشرنا إليها.
وقد سلكت في ذلك طريقا اخترعتها، وكنت أبا ابن عذرتها، وعند تأمل ما أوردته منها في هذا الكتاب يظهر للمتأمل صحة دعاويّ، ولئن كان من تقدّمني أتى بشيء من ذلك فإني ركبت فيه جوادا وركب جملا، ونال من مورده نهلة واحدة ونلت منه نهلا وعللا، ومن آتاه الله في القرآن بصيرة فإنه يسبك ألفاظه ومعانيه في كلامه، ويستغني به عن غيره، إلا أنه ينبغي أن يكون فيه صوّاغا يخرج منه ضروب
[ ١ / ١٢٦ ]
المصوغات، أو صرّافا يتجهبذ في نقوده المختلفة من الذهب المختلف الألوان، ولا أقول من الفضة؛ فإنه ليس فيه من الفضة شيء، وهو أعلى من ذلك، أو يكون فيه تاجرا يديره على يده، ويتصرّف في أرباحه، ويخرج من الأمتعة المجلوبة من مناسجه كلّ غريبة عجيبة، وكل هذا يفهمه من عرف فلزم، وحكم بما علم.
وما كلّ من قال القريض بشاعر ولا كلّ من عانى الهوى بمتيّم
واعلم أن المتصدّي لحل معاني القرآن يحتاج إلى كثرة الدرس؛ فإنه كلما ديم على درسه ظهر من معانيه ما لم يظهر من قبل، وهذا شيء جرّبته وخبرته؛ فإني كنت آخذ سورة من السور وأتلوها، وكلما مر بي معنى أثبتّه في ورقة مفردة، حتى أنتهي إلى آخرها؛ ثم آخذ في حل تلك المعاني التي أثبّتها واحدا بعد واحد، ولا أقنع بذلك حتى أعاود تلاوة تلك السورة، وأفعل مثل ما فعلته أولا، وكلما صقلتها التلاوة مرّة بعد مرة، ظهر في كل مرة من المعاني ما لم يظهر لي في المرة التي قبلها.
وسأورد في هذا الموضع سورة من السور، ثم أردفها بآيات أخرى من سور متفرقة، حتى يتبين لك أيها المتعلم ما فعلته فتحذو حذوه، وقد بدأت بالسورة أولا، وهي سورة يوسف ﵇؛ لأنها قصة مفردة برأسها، وفيها معان كثيرة:
فالأول: ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب، وهو: وصل كتاب الحضرة السامية أحسن الله أثرها، وأعلى خطرها، وقضى من العلياء وطرها، وأظهر على يدها آيات المكارم وسورها، وأسجد لها كواكب السيادة وشمسها وقمرها.
وهذا أول معنى في السورة، وقد نقلته عن قصة المنام إلى الدعاء.
ثم أبرزت هذا المعنى في صورة أخرى، وهو: أكرم النّعم ما كان فيها ذكرى للعابدين، وتقدمه إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين
، فهذه النعمة هي التي تأتي بتيسير العسير، وتجلو ظلمة الخطب بالصباح المنير؛ فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها، إنّ ذلك لمحيي الموتى وهو على كلّ شيء قدير.
[ ١ / ١٢٧ ]
ثم تصرّفت في هذا المعنى فأخرجته في معرض آخر، وهو فصل من جملة تقليد يكتب من ديوان الخلافة لبعض الوزراء، فقلت: وقد علمه أمير المؤمنين فأدنى مجلسه من سمائه، وآنسه على وحدة الانفراد بحفل نعمائه، وذلك مقام لا تستطيع الجدود أن ترقى إلى رتبته، ولا الآمال أن تطوف حول كعبته، ولا الشفاه أن تتشرف بتقبيل تربته، فليزد إعحابا بما نالته مواطىء أقدامه، ولينظر إلى سجود الكواكب له في يقظته لا في منامه.
ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل، وهو: لم أر كمواهب فلان ملأت أملي بطمع وعودها، وفرغت يدي من نيل جودها، فلم أحظ إلا بلامع سرابها، وكانت كدم القميص في كذابها.
ومن ذلك ما ذكرته في تزكية إنسان مما رمي به، وهو: لم ترم بذنب إلا نابت البراءة له مناب الشهود، وجيء من أهلها بشهادة القميص المقدود.
ومن ذلك ما ذكرته في عذر الهوى، وهو: لم يهو حبيبا إلا كان لأهل التقى فيه أسوة، ولا ليم من أجله إلا اعتذر عذر امرأة العزيز إلى النسوة.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من جواب كتاب إلى بعض الإخوان، وهو: إن كان الكلام كما قيل ذكرا والجواب أنثى فجوابي هذا عروس تجلى في حللها المحبّرة، وعقودها المشذرة، وتزهي بما آتاها الله من الحسن الذي ليس بالمجلوب، ولا ترضى بتقطيع الأيدي دون تقطيع القلوب، وها قد أرسلتها إلى سيدنا حتى يعلم أن نتائج خاطري على الفطرة، وأنها معشوقة الصور فكل الناس في هواها بنو عذرة.
وفي هذا الفصل معنى الآية والخبر النبوي والبيت من الشعر.
ومن ذلك ما ذكرت في تقلب الأيام، وهو: لقينا أياما ضاحكات، وليتها أيام عابسات، فكانت كسبع سنبلات خضر وأخر يابسات.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، وهو: ليس ممن يرقب عجف الزمان
[ ١ / ١٢٨ ]
فيذر الحب في سنبله، ولكنه يستأنف الصبر في آخره ويستهلك المال في أوله، فلا يبقي من يومه لغده، ولا يتّهم ربه فيما بيده.
ومن ذلك ما ذكرته في حب الرشوة، وهو: الرّشوة تحلّ عقد القلوب، وتهوّن فراق المحبوب، ألا ترى أن ردّ البضاعة، حكم على أخي يوسف بالإضاعة.
ومن ذلك ما ذكرته في الاستسلام لحكم الأقدار، وهو: لا تحترس من جنود الأقدار بالآراء المتعمقة، وسواء عندها الباب الواحد والأبواب المتفرقة.
ومن ذلك ما ذكرته في تتابع الإساءة، وهو: لم يزل يرشقني بقوارصه حتى تكاثر النّبل واستحكم التّبل، ولم يكفه الإلقاء في غيابة الحبّ حتى قال: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل.
ومن ذلك ما ذكرته في التوكل، وهو: إذا طلب أمرا أجمل في المطلوب، ووكله إلى الذي بيده مفاتيح الغيوب، وتأسى في حاجته منه بالحاجة التي كانت في نفس يعقوب.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الكيد، وهو: لم يأت أمرا إلا أخفى أسباب أواخيه، وبدأ فيه بالأوعية قبل وعاء أخيه.
وهذه ثلاثة عشر معنى من سورة يوسف ﵇.
وأما الآيات التي هي من سور متفرقة فأولها ما كتبته في صدر كتاب إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وهو: ورد كتابه عشية يوم كذا فعرض علي عرض الجياد على سليمان، وتساوينا في الاشتغال منه ومنها بالاستحسان، غير أن الجياد وإن حسنت فإنها لا تبلغ في الحسن مبلغ الكتاب، لكن قلت كما قال إنّي أحببت حبّ الخير عن ذكر ربي حتّى توارت بالحجاب، ولئن قضي الاشتغال هناك بمسح سوق وأعناق، فإنه لم يقض ههنا بمسح سطور ولا أوراق، وإنما اشتغلت عن عبادة بعبادة، ولو شئت لقلت عن إفادة بإفادة.
وهذا مأخوذ من قصة سليمان ﵇ في سورة ص، وهي قوله تعالى:
ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب. إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد.
[ ١ / ١٢٩ ]
فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب. ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق
، فانظر كيف أخذت هذه القصة وقابلت بينها وبين الكتاب، ثم إني تصرفت فيها بالموافقة بينهما تارة والمخالفة بينهما أخرى، وهكذا ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله.
ومن ذلك ما كتبته عن الملك الأفضل علي بن يوسف إلى الديوان العزيز النبوي ببغداد في فصل من كتاب، وهو: وقد علم أن المال الذي يختزن، كالماء الذي يحتقن، فكما أن هذا يأجن بتعطيل الأيدي عن امتياح مشاربه، فكذلك يأجن هذا بتعطيل الأيدي عن امتياح مواهبه، وأيّ فرق بين وجوده وعدمه لولا أن تملك به القلوب، وتقلّ به الخطوب، ويركب به ظهر العزم الذي ليس بركوب، ومن بسط الله يده فيه ثم قبضها بحله فإنه يقف دون الرجال مغمورا، ويقعد عن نيل المعالي ملوما محسورا، وإذا أدركته منية مضى وكأنه لم يكن شيئا مذكورا، ومذ ناط الله بيد الخادم ما ناطه من أمر بلاده لم يدخر منها إلا مربط أشقره، ومركز أسمره، وما عداهما فإنه مصروف إلى قوة الإسلام في سد ثغوره وتكثير جنوده، وإيقاد حرب عدوه بعد خمودها واستباحة جمرها عند وقوده، وما يفضل عن ذلك فإنه للناس يشتركون في وشله وغمره، والمسلم أخو المسلم يساويه في حقه من بيت المال وإن خالفه في مزية قدره، ولا سبيل على الخادم وهو يفعل ما يفعله أن يدلس من هذا المال بتبعة المطلوب، أو يلتحق بالقوم الذين يكنزونه فيجزي عليه بكيّ الجباه والظهور والجنوب، ولم يأت به الله على فترة من مثله إلا ليمحو به سيئات الدين ويعيد به الإسلام إلى وطنه بعد أن طال عهده بمفارقة الوطن، ولا يكون حسنة من حسنات أمير المؤمنين، ترقمها الدنيا في ديوانه، وتثقل بها في الآخرة كفّة ميزانه.
وفي هذا الفصل معنى آيتين: إحداهما: في سورة هل أتى، والأخرى: في سورة براءة.
ومن ذلك ما كتبته عنه إلىّ عمه الملك العادل أبي بكر بن أيوب من كتاب يتضمن استعطافه والتنصّل إليه، وهو من شيمة الأقدار أن تذهب ببصائر ذوي الألباب، ويمثل لهم الخطأ في مثال الصواب، ولولا ذلك لما زلّ الحكيم واعوجّ
[ ١ / ١٣٠ ]
المستقيم، والمملوك يقبّل اليد الكريمة المولوية الملكية العادلية لا زال عرفها مأمولا، وإحسانها عند الله مقبولا، وفعلها في المكرمات مبتدعا إذا كان فعل الأيادي مفعولا، ونستغيث إلى عفوها الذي يكفي فيه لفظة الاعتذار، ولا ينفد بمواظبة الآصار، ولو عرف ذنبه باديا لقرع له سن الندامة، وعاد على نفسه بالملامة. ولما كان عجيبا أن يكون مليما، وأن يكون مولانا كريما، لكنه حمل آصرة الذنب وهو بريء من حملها، وخاف أن تكون هذه كأخواتها التي سلفت من قبلها، والأمور المتشابهة يقاس البعض منها على البعض، والملسوع لا يستطيع أن يرى مجرّ حبل على الأرض، ولم يجترم الملوك الآن جريمة سوى أن فر إلى الاعتصام، وألقى بيده إلى أقوام لم يكونوا له بأقوام، وإذا ضاق على المرء أقربه كان الأبعد له من ذوي الأرحام.
وليس بأوّل من ذهب هذا المذهب، ولا بأول من حمل نفسه على ركوب هذا المركب، ولئن قال بعض الناس إنه عجّل في اعتصامه وفراره، وإنه لو صبر ابتلي بما ابتلي به من قوارص مولانا مرة بعد أخرى، ولقد تكاثرت عليه هذه الأقوال المؤنبة حتى ملأت طرفه كحل السّهاد، وجنبه شوك القتاد، وأصبح وهو يرى أنه زلق في خطيئته زلقا، وغص بندمه من أجلها شرقا، وبدت له سوأته حتى طفق يخصف عليها ورقا، ومع هذا فإنه واثق أن حلم مولانا لا يؤتى من الزلل، وأن حصاة الذنوب لا تخف بوزن ذلك الجبل، وها هو قد جاء نازعا وللنازع العتبى، وعاد مستشفعا ولا شفيع أكرم من القربى.
ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب.
وفي الذي أوردته من هذا الفصل معنى آية من القرآن في سورة الأعراف، وهي قوله تعالى: فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة.
ومن ذلك ما كتبته عن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان بن مسعود صاحب الموصل إلى الديوان العزيز ببغداد بعد وفاة والده يسأل في التقليد، وكان عمره إذ ذاك ستّ عشرة سنة؛ فمما جاء في صدر الكتاب بعد الدعاء قولي، وهو:
إذا توفّي وليّ من أولياء الدولة فمن السّنّة أن يعزى بفقده، ويستخرج إذنها في سليله
[ ١ / ١٣١ ]
القائم من بعده، حتى لا تخلو أرضها من رواسي الجبال، ولا سماؤها من مطالع الكواكب التي تجلو ظلمة الليال، وقد مضى والد العبد إلى رحمة الله وهو متزود من الطاعة خير زاد، غير خائف من إحصاء الرقيب العتيد إذ جعلها له من العتاد، وما عليه وقد ثقلت كفّة ميزانه ما كان في الكفة الأخرى من السجلات الكثيرة الأعداد، ومضمون وصيته التي عهدتها أن نمشي في الطاعة على أثره، ونهتدي بالأوامر الشريفة في مورد الأمر ومصدره، وقد جعلها العبد نجيّ فكره إذا قام وإذا قعد، وسبحة صلاته إذا ركع وإذا سجد، وهو يرى أنه لم يمض والده حتى أبقى للدولة من يثبت قدمه موضع قدمه، وعند ذلك يقال: إن غصن الشجرة كالشجرة في ثبات أصله وقوة معجمه، وهذا مقام لا تمتاز فيه الآباء عن الأبناء، وليست المزية لاكتهال السن إنما هي لشبيبة الغناء، وقد أوتي يحيى الحكم قبل أن يجري القلم في كتابه، وشهد له بالتزكية قبل أن ينتصب في محرابه، وكذلك قد أمّر رسول الله ﷺ أسامة على فتاء عمره، وشهد أنه خليق بما أسند إليه من أمره، والعبد وإن بسط الاستحقاق لسانه فإن الأدب يحكم بانقباضه، ويريه أن التفويض إلى إنعام الديوان العزيز أسرع في نجح أغراضه، ولا شك أن منتهى الآمال لا يبلغ أدنى تلك المواهب، ولو جمعت في صعيد واحد ثم سألت مطالبها لما نقصت خزائن العطايا من تلك المطالب.
وهذا الفصل من أول الكتاب، وفيه معنى آيتين من سورة مريم ﵍:
أما الأول: فقوله تعالى عند ذكر يحيى ﵇: وآتيناه الحكم صبيا
وأما الثانية: فقوله تعالى: وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا
وفي هذا الفصل أيضا معاني ثلاثة من الأخبار النبوية، وليس هذا موضعها، وإنما جاءت ضمنا وتبعا.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الغبار في الحرب، وهو: وعقد العجاج شفقا فانعقد، وأرانا كيف رفع السماء بغير عمد، غير أنها سماء بنيت بسنابك الجياد، وزيّنت بنجوم الصّعاد، ففيها مما يوعد من المنايا لا ما يوعد من الأرزاق، ومنها تقذف شياطين الحرب لا شياطين الاستراق.
وهذه المعاني مأخوذة من سورة الرعد، وسورة الصافات، وسورة الذاريات.
[ ١ / ١٣٢ ]
ومن ذلك ما ذكرته في وصف طعام، وهو فصل من كتاب، فقلت: طعام لا يملّ إذا شينت الأطعمة بمللها، وكأنما تولّته يد الخلقة ولم تباشره الأيدي بعملها، فهو من بقايا المائدة التي نزلت من السماء، وقد طاب حتى لا يحتاج من بعده إلى استعمال الماء، وما رآه ذو شبع إلا رأى تركه غبنا، وودّ لو زيد إلى بطنه بطنا.
وبعض هذا مأخوذ من سورة المائدة.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: قد تكاثرت وسائل الخادم حتى لا يدري ما يجعله لطلابه سفيرا، وما منها إلا ما يقال: إنه أول وليس فيها ما يجعل أخيرا، غير أنه لا يذكر منها إلا ما هو توأم إيمانه، والذي لا ينظر الله من ابن آدم إلا إلى مكانه، وفي ذلك كاف عن الوسائل التليدة والطريفة، وقول لا إله إلّا الله لا يعدله شيء من الحسنات المودعة في الصحيفة، وقد تجدّد الآن للخادم مطلب هو بالنسبة إلى مواهب الديوان العزيز يسير، ولو قامت مطالب الناس في صعيد واحد لأعطي كلا منها مرامه ولم يقل ذلك كثير، وكتابه هذا سائر إلى تلك المواهب التي يضيق عنها صدر الأرض باتساعه، وليس الذي يسأله ممنّعا فيحال على النظر إلى الجبل في امتناعه، وكما أن عبيد الديوان العزيز أطوار فكذلك مطالبهم أطوار، وقد جعل الله الأشياء متفاوتة في مراتبها وكلّ شيء عنده بمقدار.
وهذا الفصل من أحسن ما يكتب في استنجاز مطلوب، وفيه معاني ثلاثة:
أخبار نبوية، ومعنى آيتين من القرآن الكريم، وليس هذا موضع الأخبار، وإنما جاء ضمنا وتبعا؛ فالآية الأولى في سورة الأعراف، والآية الثانية في سورة الرعد.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب، وهو: إذا دجا ليل قلمه، وطلعت فيه نجوم كلمه، لم يقعد له شيطان بلاغة مقعدا، إلا وجد له شهابا مرصدا، فأسرارها مصونة عن كل خاطف، مطويّة عن كل قائف.
وهذا المعنى مأخوذ من سورة الجن.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب أيضا، فقلت: له بنت فكر ما تمخّضت
[ ١ / ١٣٣ ]
بمعنى إلا أنتجته من غير ما تهمله، وأتت به قومها تحمله، ولم يعرض على ملأ من البلغاء إلا ألقوا أقلامهم أيّهم يستعيره لا أيهم يكفله.
وفي هذين السطرين آيتان من القرآن الكريم: الأولى في سورة مريم، وقصتها وقصة ولدها ﵉، وهي قوله تعالى: فأتت به قومها تحمله
والثانية في سورة آل عمران في قوله: إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن وصف القلم، فقلت: وقد أوحى الله تعالى إلى قلمه ما أوحاه إلى النحل، غير أنها تأوي إلى المكان الوعر وهو يأوي إلى البيان السّهل، ومن شأنه أن يجتني من ثمرات ذات أرواح لا ذات أكمام، ويخرج من نفثاته شراب مختلف طعمه فيه شفاء للأفهام، وأين ما تنبته كثافة الخشب مما تنبته لطافة المعنى، ولا تستوي نضارة هذا الثمر وهذا الثمر ولا طيب هذا المجنى وهذا المجنى، وقد أرخص الله ما يكثر وجوده فيذهب في لهوات الأفواه، وأغلى ما يعز وجوده فيبقى خالدا على ألسنة الرّواه، وكل هذه الأوصاف لا تصح إلا في قلم سيدنا الذي إذا خلا بخاطره امتلأت بحديثه المحافل، وإذا حلا كتابه وحدت الكتب الحالية من قبله وهي عواطل، فله حينئذ أن ينظر إلى غيره بعين الاحتقار، ولواصفه أن يسهب وهو قائم مقام الاختصار.
هذا الفصل غريب عجيب، وقد جمع بين الأضداد، فمناله بعيد، وفهمه قريب، وهو مأخوذ من سورة النحل.
ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل، وهو: له شيمة في الجود لا يشام نائلها، وإذا هزّها سائلها قال: إنها كلمة هو قائلها.
وهذا مأخوذ من سورة المؤمنين.
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب، وهو: وصل كتابه فوقف منه على اللفظ الرخيم، والمعنى الذي هو في كل واد يهيم، وقال: يا أيّها الملأ إنّي ألقي إليّ كتاب كريم، ثم أخذ في إعلاء قدره، وتنويه ذكره، ولم يستفت الملأ في الإذعان لأمره، ولا أهدى في قبالته سوى هدية لسانه وصدره، لا جرم أنها تقبل ولا ترد،
[ ١ / ١٣٤ ]
ويعتد بها ولا تعدّ، فإنها مال لا ينفده الإنفاق، وجوهر تتحلّى به الأخلاق لا الأعناق.
وهذا مأخوذ من قصة سليمان ﵇ في كتابه إلى بلقيس، وهي مذكورة في سورة النمل، وفي هذا من شرف الصنعة أنه خولف بين معانيه ومعاني ما أتى به القرآن الكريم.
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمن ذكر معركة حرب بين المسلمين والكفار، وهو: إذا خطب القلم عن الرمح الذي هو نديده قام محتفلا، وأسهب متروّيا ومرتجلا، حتى يأتي في خطابته بالمعاني الأخائر، وأصدق القول ما صدر عن شهادة الضرائر للضرائر، وكتابنا هذا يصف معركة احمرّت ضبابتها، وضاقت بالأسود غابتها، فالطعن بها محتضر، والموت محتقر، والنصر من كلا الفريقين مقتسر، وكان الإسلام هناك زجر السنيح، وفوز القدح المنيح، وليس الذي يرقب المعونة من الله الذي هو رب المسيح كمن يرقبها من المسيح، ولقد نفذت الرماح في أعداء الله تعالى حتى اعتدلت من جانبي الصدور والظهور، وتركت الناجي منهم وهو لا ينظر إلى الصليب إلا نظر الخائف المذعور، فليس لهم من بعدها جيش يجمع، ولا لواء يرفع، وقد كانت بلادهم من قبل مانعة وهي الآن لا تذب عنها ولا تمنع، وهذه معركة قلّت بها الرقاب المأسورة، وكثرت النفوس المقتولة، وقربت بها القرابين التي تأكلها النار لا لأنها مقبولة.
ومعنى الآية في هذا الفصل مأخوذ من سورة آل عمران، إلا أنها تخالفه، وذاك أن القربان كان يقبل فتنزل النار تأكله وأجساد هؤلاء الكفار قربان تأكله النار لكنها لا تأكله لأنه مقبول، وباقي الفصل يتضمن معنى حسنا رقيقا.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن الشكوى من خلق بعض الإخوان، وهو: ولقد صبرت على أخلاقه العائثة، وعاملته بالخليقة الرائثة، وعالجته بضروب المعالجات فلم تنفع فيه رقى الراقية ولا نفث النافثة، ولما أعيا عليّ إصلاحه أخذت بمقالة الخضر لموسى في المرة الثالثة.
وهذا مأخوذ من قصة موسى ﵇ وقصة الخضر في سورة الكهف.
[ ١ / ١٣٥ ]
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب، وهو: تجمعوا في نار الندم يعرضون عليها غدوّا وعشيّا، وصار الأمر الذي كانوا يرجونه مخشيّا، وأضحوا كأهل النار الذين صاروا أعداء وكانوا شيعا، وقال ضعفاؤهم للذين استكبروا: إنّا كنا لكم تبعا.
وهذا مأخوذ من سورة حم المؤمن، ومن سورة سبأ.
ومن ذلك ما ذكرته في ذم غلام أبله كنت أقاسي من بلهه نكذا فكتبت يوما من الأيام إلى بعض إخواني كتابا وعرضت فيه بذكره، فقلت: ولقد ملكه النسيان حتى كأنه يقظ في صورة نائم، وحتى حقّق قول التناسخ في نقل أرواح الأناسيّ إلى البهائم، فما أرسل في حاجة إلا ذهبت عن قلبه يمنة ويسرة، ولا طلب منه ما استحفظه إلا قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة.
وهذا فصل يشتمل على عدة معان؛ منها ما هو مأخوذ من القرآن الكريم من سورة الكهف.
ومن ذلك ما ذكرته في تقليد قاض، وهو فصل منه، فقلت: والفضائل ما بقيت موجودة ولم تفقد، وهي حية وإن أودى أربابها، ولا يموت من لم يولد، ومن أكرم ما أوتيه منها فضيلة التقوى التي الكرم من شعارها، والعاقبة والحسنى كلاهما من آثارها، وما نقول إلا أنه اتخذها حارسا يمنع الخصم من تسوّر محرابه، ويؤمن قلبه من الفتنة الداعية إلى استغفاره ومتابه، وقد قرن الله له هذه الفضيلة بالعلم الذي أعلمه بعلامته، ووسمه بوسامته، وقذف في روعه ما لا يسأل معه عن السفينة وخرقها والغلام وقتله والجدار وإقامته، وعلى ما بلغه منه فإنه فيه أحد المنهومين اللّذين لا يشبعان، وإذا كان لغيره فيه نظر واحد ومسمع فله فيه نظران ومسمعان.
وفي هذا الفصل المختصر معاني عدة آيات، وخبر من الأخبار النبوية؛ أما الآية الأولى: فقوله تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم
وأما الآية الثانية: فقوله تعالى: والعاقبة للتقوى
وأما الثالثة: فقوله تعالى: وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب
وأما الآية الرابعة: فقوله تعالى: فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها
وكذلك إلى آخر القصة، وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب.
[ ١ / ١٣٦ ]
ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن عناية ببعض الفقراء، فقلت بعد الابتداء بصدر الكتاب: وقد علم منه أنه يعد لطالب فضله فضلا، ويرى التبرّع بمعروفه فرضا إذا رآه غيره مع المساءلة نفلا، وما ذاك إلا لمزية خلق توجد بطيب التربة، وشرف الرتبة، وأوتي من كنوز الكرم ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة، ولهذا خرج على قومه من الأخلاق في زينته، وفضل الخلق بطينة غير طينته، ومن فضله أنه يسأل عن السائلين، ويحتال في استنباط أمل الآملين.
ثم مضيت على هذا النهج حتى أنهيت الكتاب.
والغرض أن تعلم أيها المتعلم كيف تضع يدك في أخذ ما تأخذه من بعض الآية، ثم تضيف إليه كلاما من عندك، وتجعله مسجوعا كما قد فعلت أنا في هذا الموضع، ألا ترى أني أخذت بعض هذه الآية في قصة من سورة القصص، وهي قوله تعالى: إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين
فهذه الآية أخذت بعضها وأضفت إليه كلاما من عندي حتى جاء كما تراه مسجوعا، وكذلك فعلت بالآية الأخرى من هذه السورة أيضا، وهي قوله: فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم
وهكذا ينبغي لك إذا أردت أن تسلك هذه الطريق، وقدرت على سلوكها، وهي من محاسن الصناعة البلاغية، وليس فوقها من الكلام ما هو أعلى درجة منها؛ لأنها ممزوجة بالقرآن لا على وجه التضمين بل على وجه الانتظام به، والله يختص بها من يشاء من عباده.
وفيما ذكرته من نثر هذه الآيات كفاية للمتعلم.
وأما الأخبار النبوية فكالقرآن العزيز في حل معانيها.
فإن قلت: إن الأخبار النبوية لا يجري فيها الأمر مجرى القرآن؛ إذ القرآن له حاصر وضابط، وكل آياته تدخل في الاستعمال، كما قال بعضهم: لو ضاع مني عقال لوجدته في القرآن الكريم، وأما الأخبار فليست كذلك؛ لأنها كثيرة لا
[ ١ / ١٣٧ ]
تنحصر، ولو انحصرت لكان منها ما يدخل في الاستعمال ومنها ما لا يدخل، ولا بد من بيان يمكن الإحاطة به، والوقوف عنده.
قلت في الجواب عن هذا: إنك أول ما تحفظه من الأخبار هو كتاب الشهاب؛ فإنه كتاب مختصر، وجميع ما فيه يستعمل؛ لأنه يتضمن حكما وآدابا؛ فإذا حفظته وتدرّبت باستعماله كما أريتك ههنا حصل عندك قوة على التصرف والمعرفة بما يدخل في الاستعمال وما لا يدخله، وعند ذلك تتصفح كتاب صحيح البخاري ومسلم والموطأ والترمذي وسنن أبي داود وسنن النسائي وغيرها من كتب الحديث، وتأخذ ما يحتاج إليه، وأهل مكة أخبر بشعابها، والذي تأخذه إن أمكنك حفظه والدرس عليه فهو المراد؛ لأن ما لا تحفظه فلست منه على ثقة، وإن كان لك محفوظات كثيرة كالقرآن الكريم ودواوين كثيرة من الشعر وما ورد من الأمثال السائرة وغير ذلك مما أشرنا إليه فعليك بمداومة المطالعة للأخبار والإكثار من استعمالها في كلامك حتّى ترقم على خاطرك، فتكون إذا احتجت منها إلى شيء وجدته، وسهل عليك أن تأتي به ارتجالا، فتأمّل ما أوردته عليك واعمل به.
وكنت جردت من الأخبار النبوية كتابا يشتمل على ثلاثة آلاف خبر كلها تدخل في الاستعمال، وما زلت أواظب [على] مطالعته مدة تزيد على عشر سنين فكنت أنهي مطالعته في كل أسبوع مرة، حتى دار على ناظري وخاطري ما يزيد على خمسمائة مرة، وصار محفوظا لا يشذ عني منه شيء، وهذا الذي أوردته ههنا في حل معاني الأخبار هو من هناك.
وسأذكر ما دار بينى وبين بعض علماء الأدب في هذا الأسلوب الذي أنا بصدده ههنا، وذاك أنه استوعره وأنكره، وقال: هذا لا يتهيأ إلا في الشيء اليسير من الأخبار النبوية، فقلت: لا، بل يتهيأ في الأكثر منها؛ فقال: قد ورد عن النبي ﷺ أنه اختصم إليه في جنين فقضى على من أسقطه بغرّة عبد أو أمة، فأين يستعمل هذا؟ فأفكرت فيما ذكره، ثم أنشأت هذا الفصل من الكلام، وأودعته فيه: قد كثر الجهل حتى لا يقال فلان عالم وفلان جاهل، وضرب المثل بباقل وكم في هذه الصورة الممثلة من باقل، ولو عرف كل إنسان قدره لما مشى بدن إلا تحت رأسه ولا انتصب رأس إلا على بدنه، ولكان صاحب العمامة [أحقّ] بعمامته وصاحب
[ ١ / ١٣٨ ]
الرّسن أحقّ برسنه، وكنت سمعت بكاتب من الكتاب كلمه إلى غثاثة، وقلمه بغاثة لا يستنسر «١» وأيّ بطش لبغاثة، وإذا وجب الوضوء على غيره بالخارج من السبيلين وجب عليه من سبل ثلاثة، هذا وهو يدّعي أنه في الفصاحة أمّة وحده «٢»، ومن قسّ إياد وسحبان وائل عنده؟ وإذا كشف عن خاطره وجد بليدا لا يخرج عن العمه والكمه، وإن رام أن يستنتجه في حين من الأحيان قضى عليه بغرة عبد أو أمه، وكثيرا ما يتقدم ونقيصته هذه على الأفاضل من العلماء، وقد صار الناس إلى زمان يعلو فيه حضيض الأرض على هام السماء.
فلما أوردته عليه ظهرت أمارة الحسد على صفحات وجهه وفلتات لسانه، مع إعجابه به، واستغرابه إياه، ثم قال: وقد ورد عن النبي ﷺ هذا الحديث، وهو:
«لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا تمثال» فهذا أين يستعمل من المكاتبات؟.
فتروّيت في قوله تروّيا يسيرا، ثم قلت: هذا يستعمل في كتاب إلى ديوان الخلافة، وأمليت عليه الكتاب، فجاء هذا الحديث في فصل منه، وهو: إذا أفاض الخادم في وصف ولائه نكصت همم الأولياء عن مقامه، وعلموا أنه أخذ الأمر بزمامه، فقد أصبح وليس بقلبه سوء الولاء والإيمان؛ فهذا يظهر أثره في طاعة السر وهذا في طاعة الإعلان، وما عداهما فإن دخوله إلى قلبه من الأشياء المحظورة، والملائكة لا تدخل بيتا فيه تمثال ولا صورة، فليعول الديوان العزيز على سيف من سيوف الله يفري بلا ضارب ويسري بلا حامل، ولا يسلّ إلا بيد حق ولا يغمد إلا في ظهر باطل، وليعلم أنه كرشه وعيبته في تضمن الأسرار، وأنه أحد سعديه إذا عدت مواقف الأنصار.
[ ١ / ١٣٩ ]
فلما رأى هذا الفصل بهت له، وأعجب منه، ثم إني لم أقنع بإيراد ذلك الحديث حتى قرنت به حديثا آخر، وهو قول النبي ﷺ: «الأنصار كرشي وعيبتي» .
وحيث عرفتك أيها المتعلم ما تقتدي به في هذا الموضع فقد ذكرت لك أمثلة كثيرة تتدرب بها.
فمن ذلك ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب، وهو: أعاذ الله أيامه من الغير، وبيّن بخطر مجده نقص كل خطر، وجعل ذكره زادا لكل ركب وأنسا لكل سمر، ومنحه من فضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وهذا المعنى مأخوذ من الحديث في وصف نعيم الجنة فنقلته إلى الدعاء.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الحلم، وهو: تركته حتى جال في الميدان، وامتد في الأشطان، ولم أنتصر خوفا من قيام الملك وقعود الشيطان، والحليم لا يظهر أثر حلمه إلا عند تلدّده، والكظيم هو أشد ما يخاف من تبدده.
وهذا المعنى أخذته من قصة أبي بكر ﵁ في خصامه، فإنه بغي عليه ثلاث مرات وهو ساكت، ففي الثالثة انتصر، فقال النبي ﷺ: «كان الملك جالسا إلى جانب أبي بكر يكذب خصمه بما يقول فلما انتصر قام الملك وقعد الشّيطان» .
ومن ذلك ما ذكرته في النصرة على العدو في موطن القتال، وهو: أخذنا بسنّة رسول الله ﷺ في النصر الذي نرجوه، ونبذنا في وجه العدو كفّا من التراب وقلنا:
شاهت الوجوه، فثبّت الله ما تزلزل من أقدامنا، وأقدم حيزوم فأغنى عن إقدامنا.
وهذان المعنيان أحدهما: مأخوذ من حديث غزوة حنين، وما فعله رسول الله ﷺ في أخذ قبضة من التراب وألقاها في وجوه الكفار وقوله: «شاهت الوجوه»؛ والمعنى الآخر: مأخوذ من حديث غزوة بدر، وذاك أن رجلا من المسلمين لاقى رجلا من الكفار وأراد أن يضربه فخر على الأرض ميتا قبل أن يصل إليه، وسمع الرجل المسلم صوتا من فوقه، وهو يقول: «أقدم حيزوم» فجاء إلى النبي ﷺ وأخبره، فقال: «ذاك من مدد السّماء الثّالثة» .
[ ١ / ١٤٠ ]
ومن ذلك ما ذكرته في ضيق مجال الحرب، وهو: وضاق الضرب بين الفريقين حتى اتصلت مواقع البيض الذكور، وتصافحت الفور بالفور والصدور بالصدور، واستظل حينئذ بالسيوف لاشتباك مجالها، وتبوّئت مقاعد الجنة التي هي تحت ظلالها.
وهو مأخوذ من الحديث النبوي، وهو قول النبيّ ﷺ: «الجنّة تحت ظلال السّيوف» .
ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب أذمّ فيه الزمان؛ فقلت: ولكنها الأيام تبدي لنا من جوهرها كل غريبة، وتسوسنا سياسة العبد المجدّع الذي كأنّ رأسه زبيبة، وليس للمرء فيما يلقاه من أحداثها نعمى كانت أو بوسى، إلا أن يكل الأمور إلى وليها فيقول: حاجّ آدم موسى.
وهذا مأخوذ من الخبر النبوي في قوله ﷺ: «حاجّ آدم موسى، فقال له موسى: أنت أخرجت النّاس بخطيئتك من الجنّة وأشقيتهم، فقال له آدم: أنت الّذي اصطفاك الله تعالى برسالته وكلامه؟ أتلومني على أمر كتبه الله تعالى عليّ قبل أن يخلقني؟» قال رسول الله ﷺ: «فحجّ آدم موسى» .
ومن ذلك ما ذكرته في وصف بعض الكتاب؛ وهو فصل من كتاب كتبته إليه؛ فقلت: ولقد سردت عليه أحاديث البلاغة فاستغنى عن بسط ردائه، وهدي إلى جوامع كلها فاقتدى الناس باهتدائه، فإذا اشتبهت عنده مسالك طرقها لم يملكه سلطان الحيرة، وإن أغرب في أساليبها لم يقل فيه ما قيل في رواية أبي هريرة.
وهذا الفصل من أحسن ما يؤتى به في صناعة نثر المعاني، وهو مأخوذ من حديث أبي هريرة؛ قال: قلت: يا رسول الله، أسمع منك أشياء فلا أحفظها، فقال: «ابسط رداءك» فبسطته فحدّث حديثا كثيرا فما نسيت شيئا حدثني به؛ وأما رواية أبي هريرة فشكّ فيها قوم لكثرتها.
وقد اجتمع في هذا الفصل معنى الحديث النبوي وغيره، ومثل هذا لا يتفطن
[ ١ / ١٤١ ]
له عند الوقوف إلا من تبحّر في الوقوف على الأخبار النبوية؛ ومن أجل ذلك جعلته ركنا من أركان الكتاب في الفصل التاسع.
ومن ذلك ما ذكرته في ذم بعض البلاد الوخمة، فقلت: ومن صفاتها أنها مدرة مستوبلة الطينة، مجموع لها بين حرّ مكة ولأواء المدينة، إلا أنها لم يأمن حرمها في الخطفة، ولا نقلت حمّاها إلى الجحفة.
في هذه الكلمات القصار آية من القرآن الكريم، وخبران من الأخبار النبوية؛ فالآية من سورة العنكبوت، وهي قوله تعالى: أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم
وهذا موضع يختص بالأخبار لا بالآيات، غير أن الآية جاءت ضمنا وتبعا، وأما الخبران فالأول منهما قول النبي ﷺ: «من صبر على حرّ مكّة ولأواء المدينة ضمنت له على الله الجنّة» وأما الثاني فقوله ﷺ في دعائه للمدينة: «اللهمّ حبّبها إلينا كما حبّبت إلينا مكة وانقل حمّاها إلى الجحفة» .
فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكلمات حتى تعلم أن عدتها مصوغة من الآية والخبرين سواء بسواء، وهذا طريق لو ادّعيت الانفراد بسلوكه لما اختلف عليّ في الاعتراف به اثنان.
ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان جوابا عن كتاب ورد، وكان كتابه تأخر عني زمانا طويلا، فقلت: ولما تأملته ضممته إليّ والتزمته، ثم استلمته والتثمته، وعلمت أن المعارف وإن قدمت أيامها أنساب وشيجة، وتأسّيت «١» بالخلق النبوي في العجوز التي كانت تأتي في زمن خديجة.
وهذا مأخوذ من الخبر المنقول عن عائشة ﵂، وهو أنها قالت:
كان رسول الله ﷺ يذبح الشاة فيعضّيها «٢» أعضاء ويقسمها في أصدقاء خديجة، وكانت تأتيه عجوز فيكرمها ويبسط لها راءه، فسألته عن ذلك، فقال: «هذه كانت تأتينا في زمن خديجة وحسن العهد من الإيمان» .
[ ١ / ١٤٢ ]
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كتاب، وهو: كل سطر منه روضة غير أنها ليل في صباح، وكل معنى منه دمية غير أن ليس على مصورّها من جناح.
وهذا مأخوذ من الحديث في تحريم الصور «١» .
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، وهو: فأغنى بجوده إغناء المطر، وسما إلى المعالي سموّ الشمس وسار في منازلها مسير القمر، ونتج من أبكار فضائله ما إذا ادّعاه غيره قيل: للعاهر الحجر.
وهذا المعنى من قول النبي ﷺ: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» .
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الفصاحة، فقلت: أفكار الخواطر لا تستولد على انفرادها، وغايتها أن يتناكح في استنتاج أولادها، وأنا أنكح فكري لفكر نكاح الأنساب، ولا أخاف أن أضوي فأميل إلى الاغتراب.
وهذا مأخوذ من قول النبي ﷺ في الأمر بنكاح البعيدة النسب فقال: «غرّبوا لا تضووا» يريد بذلك أن الإنسان إذا نكح المرأة القريبة إليه حصل بينهما حياء يمنع من قضاء الشهوة كما ينبغي فيجيء الولد ضاويا: أي هزيلا، وهذا معنى غريب لي استخرجته من الحديث النبوي.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، جوابا عن كتاب ورد منه يتضمن الشكوى من شخص جرت بينه وبينه مخاصمة، فقلت: وصل كتابه وهو كتاب من أكثر الشكوى، وطلب العدوى، ونزل من التظلم بالعدوة الدّنيا وأنزل خصمه القصوى، والقاضي لا يحكم لأحد الخصمين حتى يحضر صاحبه، وإن فقئت عين أحدهما فربما فقئت عين الآخر وهشم جانبه، على أنه قد اعترف أن كليهما كان للحم أخيه آكلا، وعليه في حال محضره جاهلا، وسباب المؤمن معدود من فسوقه، وإطراقه عن تورد هذا المقام أولى من طروقه، ولولا تغليظ النكير لما
[ ١ / ١٤٣ ]
جعل اللسان واليد سواء فيما جرحا، ولما أخر الله المغفرة عن ألخائضين فيها حتى يصطلحا؛ فكن أنت ممن أطاع تقواه لا هواه، واتّبع من علم الحق فرآه أو سمعه فرواه، واعلم أن تهاجر الأخوين فوق الثلاثة من منهيّات الحرام، وأن الفائز بالأجر منهما هو البادئ بالسلام، ودفع السيئة بالحسنة يجعل العدو وليّا حميما، وقد جعل الله المتخلق بهذا الخلق صابرا وجعل له حظا عظيما، والشيطان إنما يحوم على آثاره مواقع الشّنآن، ولا يحمد من أعمال بنيه شيئا إلا ما زيّل بين الإخوان.
في هذا الفصل معاني آيات وأخبار، وهذا الموضع مختص بذكر الأخبار دون الآيات؛ فأول المعاني المأخوذة من الأخبار قول النبي ﷺ: «إذا أتاك أحد الخصمين وقد فقئت عينه فلا تحكم له، فربّما أتى خصمه وقد فقئت عيناه»؛ وأما المعنى الثاني فقوله ﷺ: «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر»؛ وأما المعنى الثالث فقوله ﷺ: «إنّ الأعمال تعرض على الله يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكلّ امرئ لا يشرك بالله شيئا إلّا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء؛ فيقول: اتركوا هذين حتّى يصطلحا»؛ وأما المعنى الرابع فقوله ﷺ: «لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث»؛ وأما المعنى الخامس فقول النبي ﷺ: «إذا التقى المتهاجران فأعرض هذا وأعرض هذا فخيرهما الّذي يبدأ بالسّلام»؛ وأما المعنى السادس فقوله ﷺ: «إنّ إبليس له عرش على البحر فيبثّ بنيه في آفاق الأرض، فيأتي أحدهم فيقول: فعلت كذا وفعلت كذا؛ فيقول: ما فعلت شيئا، ويأتي أحدهم فيقول: زيّنت بينه وبين أخيه أو بينه وبين زوجته؛ فيقول: نعم الولد أنت» .
فانظر كم في هذه الأسطر اليسيرة من معنى خبر نبوي، هذا سوى ما فيها من معاني الآيات، وإذا عددت هذه الكلمات المذكورة في هذه الأسطر وجدتها جميعا منتظمة من الآية والخبر، وهذا مما يدلك على الإكثار من المحفوظ واستحضاره عند الحاجة إليه على الفور.
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب، وهو جواب عن كتاب يتضمّن تهديدا وتخويفا، فقلت: ورد الكتاب مضمّنا من الوعد والوعيد ما آنس نفس المملوك
[ ١ / ١٤٤ ]
وأوحشها، ونقع ضلوعه وأعطشها، وأقام له من الظنون السيئة جنودا تقاتله، وتأخذ عليه شعب الأفكار فلا تزاوله، وكانت كلماته طوالا وأوراقه ثقالا، وما أفلت سطر من سطوره إلا كان الآخر له عقالا، ولما استكمل الوقوف عليه ثقلت أطوار الخوف والرجاء من أطواره، وعرضت عليه الجنة والنار في قرطاسه كما عرضت على رسول الله ﷺ في عرض جداره، ولولا وثوقه بأناة مولانا لذهبت نفسه فرقا، وابتغى في السماء سلما وفي الأرض نفقا، لكنه قد توسّم في كرمه مخابل الصنع الوسيم، وغره منه ما غره من ربه الكريم، وعلم أن خلق حلمه يغلب خلق غضبه إذ هذا حادث وذاك قديم وفي هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبوية، وهو أنه كان صلوات الله عليه يخطب فمال بيده إلى الجدار، وقال: «عرضت عليّ الجنّة والنّار في عرض هذا الجدار فلم أر كاليوم في الخير والشّرّ» .
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى بعض الإخوان، وهو: الخادم يواصل بالدعاء الذي لا يزال لقلبه زميلا، وللسانه رسيلا، وإذا رفع أدنته الملائكة قربا إذا تباعدت من غيره ميلا، ولا اعتداد بالدعاء إلا إذا صدر عن أكرم مصدر، ووجد له فوق السماء مظهرا وإن لم يكن هناك من مظهر، ووصف باطنه بأنه الأبيض الناصع الذي هو خير من ظاهر الأشعث الأغبر، ولا يعامل الخادم أهل ودّه إلا بهذه المعاملة، ومن خلقه المجازفة في بذل المودة إذ أخذ الناس نسبة المكايلة.
في هذا معنى خبرين: أحدهما: قول النبي ﷺ: «إنّه إذا كذب الكاذب تباعد الملك عنه ميلا لنتن كذبه»، والآخر: قوله ﷺ: «ربّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه» .
ومن هذا الباب ما ذكرته في كتاب يتضمن خطبة مودة، فابتدأت الكلام فيه بعد تصدره بالدعاء، فقلت: لولا العادة لرفع الخادم كتابه هذا أن يسطر في ورقة، وليس ذلك إلا لإرساله في خطبة مودة رأى صورتها في سرقة، ولما تأملها قال: إن يكن ذلك من عند الله يمضه، وأبدى لها صفحة الرضا وإن كانت كل مودة لم ترضه، وخير المودات ما ليس لها ضرة تشاركها في وسامتها، ولا تضاهيها في درجة
[ ١ / ١٤٥ ]
كرامتها؛ فتلك التي تزدهي ذا الهمة أبوة وجمالا، ولم يغله مهرها ولو بذل فيه نفسا لا مالا، وما يظنها الخادم إلا هذه المودة التي خطبها، وقد علت أن تكون راغبة ولكن هو الذي أرغبها، على أنه لم يترشح لها إلا من هو من أكفائها، وليست الكفاءة ههنا إلا ما تبذله الضمائر من صفائها، وقد أتاح الله لها كفئا يكثر من إيناسها، ويضعها من البرّ في محلة ناسها، ويجعل كل يوم من أيامها عرسا حتى تتصل مواسم أعراسها.
ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب، والمعنى المأخوذ فيه من الخبر النبوي في موضعين: الأول: أن النبيّ ﷺ قال لعائشة ﵂: «إنّ جبريل ﵇ عرض عليّ صورتك في سرقة» والسرقة: حريرة بيضاء «وقال: هذه زوجتك في الدّنيا والآخرة، فقلت: إن يكن ذلك من عند الله يمضه» فأخذت أنا هذا المعنى ونقلته إلى خطبة مودة، ولا يأتي في خطبة المودات شيء أحسن منه، ولا ألطف، ولا أشد مقصدا؛ الخبر النبوي الثاني: قول النبي ﷺ: «إنّما تنكح المرأة لأربع لحسبها أو لدينها أو لمالها أو لجمالها» فقلت أنا: فتلك التي تزدهي ذا الهمة أبوة وجمالا: أي قد جمعت الحسب والجمال.
ومن ذلك ما ذكرته في سبب حب المال، وهو: بين المال علاقة وكيدة وبين القلوب، وهي له بمنزلة المحب وهو لها بمنزلة المحبوب، وليس ذلك إلا لأن الله قبض قبضة من جميع الأرض فخلق آدم من تلك القبضة، ويوشك حينئذ أن صورة قلبه تكونت من معدن الذهب والفضة، ولولا أن يكون منهما عنصرا بدائه، لما جعلهما الأطباء دواءه من دائه، فلا تستغرب إذن أن تكون على حبهما مطبوعا، إذ كان منهما مصنوعا.
وهذا المعنى من قول النبي ﷺ: «إنّ الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض: منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والحزن والسّهل، والخبيث والطّيّب» غير أني استنبطت أنا حبّ المال من هذا الحديث، وهو معنى غريب لم أسبق إليه.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام، وهو: ليس السّحر ما أودع في جف
[ ١ / ١٤٦ ]
طلعة، بل ما أودع في صوغ معنى أو نظم سجعة، ولذلك لبيد في شعره، أسحر من لبيد في سحره «١» وكلا صنعهما من الغريب العجيب، غير أن ما يستنبط من القلب أعجب مما يدفن في القليب.
وهذا المعنى مأخوذ من قصة لبيد بن الأعصم في سحره النبي ﷺ، ومن عرف القصة وصورتها علم ما قد ذكرته في نثر هذه الكلمات البديعة.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف المنجنيق في جملة كتاب، فقلت: ونصب المنجنيق فجثم بين يدي السور مناصيا، وبسط كفه إليه مواتيا، ثم تولى عقوبته بعصاه التي تفتك بأحجاره، وإذا عصى عليها بلد أخذت في تأديب أسواره، فما كان إلا أن استمرت عقوبتها عليه حتى صار قائمه حصيدا وعاصيه مستقيدا، وقال:
ألم يكن نهى عن المد والتجريد فمالي لا أرى إلا مدا وتجريدا، وعند ذلك أذعن لفتح الأبواب، وتلا قوله تعالى: «لكل أجل كتاب»
، وكذلك لم نأت صعبا إلا استسهل، ولا حثثنا مطيّا إلا استعجل، ولطالما وقف غيرنا على هذا البلد فشقه طول الانتظار، ولم يحظ منه إلا بمساءلة المنصب أحجار الديار.
في هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبوية، وهو قول النبي ﷺ في النهي عن ضرب المحدود: «لا مدّ ولا تجريد»: أي لا يمد على الأرض ولا يجرّد عنه ثوبه.
[ ١ / ١٤٧ ]
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى الديوان العزيز النبوي، وهو:
خلّد الله دولة الديوان العزيز النبوي، ولا زالت أكنافها وادعة، وعلياؤها جامعة، وجدودها كالنجوم التي ترى في كل حين طالعة، وأيامها كالليالي ساكنة ولياليها كالأيام ناصعة، وأبوابها كأبواب الجنة التي يقال فيها ثامن وثامنة إذا قيل في أبواب غيرها سابع وسابعة، وهذا الدعاء قد استجابه الله قبل أن ترفع إليه يد أو ينطق به ضمير، فإذا دعا به الخادم وجد صنع الله قد سبقه أولا وجاء هو في الزمن الأخير، فليس له حينئذ إلا أن يدعو لما خوّله الدّيوان العزيز بالدوام، وأن يعيذه من النقص من التمام، ثم يستهدي ما يؤهل له من الخدم التي يعتدها من لطائف الإحسان، وإذا ندب لتكليف أوامرها قال: والحمد والشكر يسجدان، ولا شك أنّ درجات الأولياء تتفاوت في الصفات والأسماء؛ فمنها ما يكون ببطن الأرض ومنها ما يرى كالكوكب في أفق السماء، ولولا النّهي عن تزكية المرء نفسه لادّعى الخادم أن له أعلاها، وجاء بالأولياء من بعده فقال: «والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها»
، لكنه لا يمن بما يعتده عند الله من ذخره، وسرّ الولاء في هذا المقام أكرم من جهره، وليس الذي يمنّ بصلاته وصيامه كالذي يمنّ بسرّ وقر في صدره، والله لا ينظر إلى الأعمال وإنما ينظر إلى القلوب، وفرق بين المطيع بمحضر الشهادة وبين المطيع بظهر الغيوب، ولو اطّلع الديوان العزيز على ضمير الخادم في الطاعة لسرّه، وعلم أنه الأشعث الأغبر الذي لو أقسم على الله لأبرّه.
في هذا الفصل من الآيات والأخبار عدة مواضع؛ وهذا الموضع مختص بالأخبار فلنذكرها دون الآيات: أما الأول منها فقوله النبي ﷺ: «إنّكم ترون أهل الدّرجات العلى في الجنّة كما ترون المواكب في أفق السّماء»؛ وأما الخبر الثاني:
فقوله ﷺ: «ما فضلّكم أبو بكر بصلاة ولا صيام ولكن فضلكم بسرّ وقر في صدره»؛ وأما الخبر الثالث: فقوله ﷺ: «ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبرّه» .
وفيما أوردته من حل المعاني الشعرية وحل آيات القرآن والأخبار النبوية طريق واضح لمن يقوى على سلوكه، والله الموفق للصواب.
[ ١ / ١٤٨ ]