الذي يوجد في الجملة الواحدة من الكلام؛ وهو يرد حقيقة، ومجازا؛ أما الحقيقة فمثل قولهم: رأيته بعيني، وقبضته بيدي، ووطئته بقدمي، وذقّته بفمي، وكل هذا يظن الظان أنه زيادة لا حاجة إليها، ويقول: إن الرؤية لا تكون إلا بالعين، والقبض لا يكون إلا باليد، والوطء لا يكون إلا بالقدم والذّوق لا يكون ألا بالفم، وليس الأمر كذلك، بل هذا يقال في كل شيء يعظم مناله «١» ويعز الوصول اليه، فيؤكد الأمر فيه على هذا الوجه دلالة على نيله والحصول عليه، كقول أبي عبادة البحتري «٢»؛
[ ٢ / ١٢١ ]
تأمّل من خلال السّجف وانظر بعينك ما شربت ومن سقاني «١»
تجد شمس الضّحى تدنو بشمس إليّ من الرّحيق الخسرواني
ولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده، وكان الساقي فيه على هذه الصفة من الحسن؛ قال: أنظر بعينك.
وعلى هذا ورد قوله تعالى: ذلكم قولكم بأفواهكم
؛ فإن هذا القول لما كان فيه افتراء عظّم الله تعالى على قائله، ألا ترى إلى قوله تعالى في قصة الإفك:
إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم
فصرّح في هذه الآية بما أشرت أليه من تعظيم الأمر المقول.
وفي مساق الآية المشار إليها جاء قوله تعالى: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
ألا ترى أن مساق الكلام أن الإنسان يقول لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، ويقول لمملوكه: يا بنيّ؛ فضرب الله لذلك مثالا، فقال: كيف تكون الزوجة أمّا؟ وكيف يكون المملوك ابنا؟ والجمع بين الزوجية والأمومة وبين العبودية والبنوّة في حالة واحدة كالجمع بين القلبين في الجوف، وهذا تعظيم لما قالوه، وإنكار له؛ ولما كان الكلام في حال الإنكار والتعظيم أتى بذكر الجوف، وإلا فقد علم أن القلب لا يكون الا في الجوف، والتمثيل يصح بقوله: ما جعل الله لرجل من قلبين
وهو تام، لكن في ذكر الجوف فائدة، وهي ما أشرت اليها وفيها أيضا زيادة تصوير للمعنى المقصود؛ لأنه إذا سمعه المخاطب به صوّر لنفسه جوفا يشتمل على قلبين، فكان ذلك أسرع إلى إنكاره.
وعليه ورد قوله تعالى: فخر عليهم السقف من فوقهم
فكما أن القلب لا يكون إلا في الجوف فكذلك السقف لا يكون إلا من فوق، وهذا مقام ترهيب
[ ٢ / ١٢٢ ]
وتخويف، كما أن ذاك مقام إنكار وتعظيم، ألا ترى إلى هذه الآية بكمالها وهي قوله تعالى: قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون
ولذكر لفظة فوقهم
فائدة لا توجد مع إسقاطها من هذا الكلام، وأنت تحسّ هذا من نفسك؛ فإنك إذا تلوت هذه الآية يخيّل اليك أن سقفا خرّ على أولئك من فوقهم، وحصل في نفسك من الرعب ما لا يحصل مع إسقاط تلك اللفظة.
وفي القرآن الكريم من هذا النوع كثير؛ كقوله تعالى: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة
وقوله: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى
وكل هذه الآيات إنما أطنب فيها بالتأكيد لمعان اقتضتها؛ فإن النفخ في الصور الذي تقوم به الأموات من القبور مهول عظيم دلّ على القدرة الباهرة، وكذلك حمل الأرض والجبال، فلما كانا بهذه الصفة قيل فيهما: نفخة واحدة
ودكة واحدة
أي: أن هذا الأمر المهول العظيم سهل يسير على الله تعالى يفعل ويمضي الأمر فيه بنفخة واحدة ودكة واحدة، ولا يحتاج فيه الى طول مدة ولا كلفة مشقة، فجيء بذكر الواحدة لتأكيد الإعلام بأن ذلك هين سهل على عظمه.
وهذه المواضع وأمثالها ترد في القرآن الكريم ويتوهم بعض الناس أنها ترد لغير فائدة اقتضتها، وليس الأمر كذلك؛ فإن هذه الأسرار البلاغية لا يتنبه لها إلا العارفون بها، وهكذا يرد ما يرد منها في كلام العرب.
وههنا نكتة لا بد من الإشارة إليها؛ وذاك أني نظرت في قوله تعالى: نفخة واحدة
ودكة واحدة
وفي قوله تعالى: ومناة الثالثة الأخرى
فوجدت ذلك غير مقيس على ما تقدم، وسأبينه ببيان شاف؛ فأقول: إن قوله تعالى: ومناة الثالثة الأخرى
إنما جيء به لتوازن الفقر التي نظمت السورة كلها عليها، وهي:
والنجم إذا هوى
ولو قيل: أفرأيتم اللات والعزى ومناة
ولم يقل الثالثة الأخرى لكان الكلام عاريا عن الطلاوة والحسن، وكذلك لو قيل: ومناة الأخرى، من غير أن يقال الثالثة لأنه نقص في الفقرة الثانية عن الأولى، وذاك قبيح، وقد
[ ٢ / ١٢٣ ]
تقدم الكلام عليه في باب السجع، لكن التأكيد في هذه الآية جاء ضمنا لتوازن الفقر وتبعا، وأما نفخة واحدة
ودكة واحدة
فإنما جيء بلفظ الواحدة فيهما وقد علم أن النفخة هي واحدة والدكة هي واحدة لمكان نظم الكلام؛ لأن السورة التي هي الحاقة
جارية على هذا المنهاج في توازنها السجعي، ولو قيل نفخة من غير واحدة ودكة من غير واحدة ثم قيل بعدهما: فيومئذ وقعت الواقعة
لكان الكلام منثورا «١» محتاجا إلى تمام، لكن التأكيد جاء فيهما ضمنا وتبعا، وإذا تبين ذلك واتضح فاعلم أن الفرق بين هذه الآيات وبين قوله تعالى: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه
ظاهر، وذاك أن نفخة هي واحدة ومناة هي الثالثة.
وأما ما جاء منه على سبيل المجاز فقوله تعالى: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
ففائدة ذكر الصدور ههنا أنه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في القلب تشبيه، ومثل؛ فلما أريد إثبات ما هو خلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار احتاج هذا الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف؛ ليتقرر أن مكان العمي إنما هو القلوب لا الأبصار.
وهذا موضع من علم البيان كثيرة محاسنه، وافرة لطائفه، والمجاز فيه أحسن من الحقيقة؛ لمكان زيادة التصوير في إثبات وصف الحقيقي للمجازي، ونفيه عن الحقيقي.