في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالماضي، فالأول الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي: اعلم أن. الفعل المستقبل إذا أتي به في حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي، وذاك لأن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي، وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه جعلا بمكانه، فإنه ليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض بجار هذا المجرى.
[ ٢ / ١٢ ]
وسأبين ذلك فأقول: عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين:
أحدهما بلاغي، وهو إخبار عن ماض بمستقبل، وهو الذي أنا بصدد ذكره في كتابي هذا الذي هو موضوع لتفصيل ضروب الفصاحة والبلاغة، والآخر غير بلاغي، وليس إخبار بمستقبل عن ماض، وإنما هو مستقبل دلّ على معنى مستقبل غير ماض، ويراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض.
فالضرب الأول كقوله تعالى: والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور
فإنه إنما قال: فتثير
مستقبلا وما قبله وما بعده ماض لذلك المعنى الذي أشرنا إليه، وهو حكاية الحبل التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة، وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تمييز وخصوصية، كحال تستغرب أو تهمّ المخاطب أو غير ذلك.
وعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوام ﵁ في غزوة بدر: فإنه قال: لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص وهو على فرس وعليه لأمة «١» كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: أنا أبو ذات الكئوس، وفي يدي عنزة «٢» فأطعن بها في عينه، فوقع، وأطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة متعقّفة «٣»؛ فقوله: «فأطعن بها في عينه، وأطأ برجلي» معدول به عن لفظ الماضي إلى المستقبل؛ ليمثل للسامع الصورة التي فعل فيها ما فعل من الإقدام والجراءة على قتل ذلك الفارس المستلئم، ألا ترى أنه قال أولا: لقيت عبيدة، بلفظ الماضي، ثم قال بعد ذلك: فأطعن بها في عينه، ولو عطف كلامه على أوله لقال: فطعنت بها في عينه.
[ ٢ / ١٣ ]
وعلى هذا ورد قول تأبّط شرّا «١»:
بأبّي قد لقيت الغول تهوي بسهب كالصّحيفة صحصحان «٢»
فأضربها بلا دهش فخرّت صريعا لليدين وللجران «٣»
فإنه قصد أن يصوّر لقومه الحال التي تشجّع فيها على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها مشاهدة، للتعجب من جراءته على ذلك الهول، ولو قال فضربتها عطفا على الأول لزالت هذه الفائدة المذكورة.
فإن قيل: إن الفعل الماضي أيضا يتخيّل منه السامع ما يتخيله من المستقبل قلت في الجواب: إن التخيل يقع في الفعلين معا، لكنه في أحدهما- وهو المستقبل- أوكد وأشد تخيلا؛ لأنه يستحضر صورة الفعل حتى كأن السامع ينظر إلى فاعلها في حال وجود الفعل منه، ألا ترى أنه لما قال تأبط شرا «فأضربها» تخيل السامع أنه مباشر للفعل، وأنه قائم بإزاء الغول، وقد رفع سيفه ليضربها، وهذا لا يوجد في الفعل الماضي؛ لأنه لا يتخيل السامع منه إلا فعلا قد مضى من غير إحضار للصورة في حالة سماع الكلام الدال عليه، وهذا لا خلاف فيه، وهكذا
[ ٢ / ١٤ ]
يجري الحكم في جميع الآيات المذكورة، وفي الأثر عن الزبير ﵁، وفي الأبيات الشعرية.
وعليه ورد قوله تعالى أيضا، وهو: ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق
فقال أولا: «خرّ من السّماء» بلفظ الماضي، ثم عطف عليه المستقبل الذي هو «فتخطفه» و«تهوي»، وإنما عدل في ذلك إلى المستقبل لاستحضار صورة خطف الطير إياه وهويّ الريح به، والفائدة في ذلك ما أشرت إليه فيما تقدم، وكثيرا ما يراعى أمثال هذا في القرآن.
وأما الضرب الثاني- الذي هو مستقبل- فكقوله تعالى: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله
فإنه إنما عطف المستقبل على الماضي لأن كفرهم كان ووجد، ولم يستجدّوا بعده كفرا ثانيا، وصدّهم متجدد على الأيام لم يمض كونه، وإنما هو مستمر يستأنف في كل حين، وكذلك ورد قوله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير
ألا ترى كيف عدل عن لفظ الماضي ههنا إلى المستقبل فقال: فتصبح الأرض مخضرة
ولم يقل فأصبحت عطفا على أنزل، وذلك لإفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان، فإنزال الماء مضى وجوده، واخضرار الأرض باق لم يمض، وهذا كما تقول: أنعم عليّ فلانّ فأروح وأغدو شاكرا له، ولو قلت: فرحت وغدوت شاكرا له، لم يقع ذلك الموقع؛ لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى وهذا موضع حسن ينبغي أن يتأمل.
وأما الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل فهو عكس ما تقدم ذكره، وفائدته أن الفعل الماضي إذا أخبر به عن الفعل المستقبل الذي لم يوجد بعد كان ذلك ابلغ وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده؛ لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان ووجد، وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة التي يستعظم وجودها.
[ ٢ / ١٥ ]
والفرق بينه وبين الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذاك تبيين هيئة الفعل واستحضار صورته، ليكون السامع كأنه يشاهدها، والغرض بهذا هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد.
فمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى: ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض
فإنه إنما قال ففزع
بلفظ الماضي بعد قوله ينفخ
وهو مستقبل للإشعار بتحقيق الفزع، وأنه كائن لا محالة؛ لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به.
وكذلك جاء قوله تعالى: ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا
وإنما قيل وحشرناهم
ماضيا بعد نسير
وترى
وهما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسير والبروز ليشاهدوا تلك الأحوال، كأنه قال: وحشرناهم قبل ذلك؛ لأن الحشر هو المهم؛ لأن من الناس من ينكره كالفلاسفة وغيرهم، ومن أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي.
ومما يجري هذا المجرى الإخبار باسم المفعول عن الفعل المستقبل، وإنما يفعل ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضي، وقد سبق الكلام عليه.
فمن ذلك قوله تعالى إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود
فإنه إنما آثر اسم المفعول الذي هو (مجموع) على الفعل المستقبل الذي هو يجمع لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه الموصوف بهذه الصفة، وإن شئت فوازن بينه وبين قوله تعالى: يوم يجمعكم ليوم الجمع
فإنك تعثر على صحة ما قلت.
[ ٢ / ١٦ ]
وقد أغفل كثير من الشعراء ذلك، فمن جملتهم أبو الطيب المتنبي في قوله «١»:
يا بدر يا بحر يا غمامة يا ليت الشّرى يا حمام يا رجل «٢»
وينبغي أن يبدأ فيه بالأدنى فالأدنى، فإنه إذا فعل ذلك كان كالمرتفع من محل إلى محل أعلى منه، وإذا خالفه كان كالمنخفض من محل إلى محل أدنى منه، فأما قوله «يا بدر» فإنه اسم الممدوح، والابتداء به أولى، ثم بعده فيجب أن يقول: يا رجل، يا ليث، يا غمامة، يا بحر، يا حمام؛ لأن الليث أعظم من الرجل، والبحر أعظم من الغمامة، والحمام أعظم من البحر، وهذا مقام مدح فيجب أن يرقى فيه من منزلة إلى منزلة حتى ينتهي إلى المنزلة العليا آخرا «٣»، ولو كان مقام ذم لعكس القضية.
وعلى مثله ورد قول أبي تمام يفتخر «٤»:
سما بي أوس في الفخار وحاتم وزيد القنا والأثرمان ورافع «٥»
[ ٢ / ٣٣ ]
نجوم طوالع جبال فوارع غيوث هوامع سيول دوافع «١»
فإن السيول دون الغيوث، والجبال دون النجوم، ولو قدّم ما أخر لما اختل النظم «٢» بأن قال:
سيول دوافع غيوث هوامع جبال فوارع نجوم طوالع
وهذا عندي أشد ملامة من المتنبي، لأن المتنبي لا يمكنه تقديم ألفاظ بيته وتأخيرها، وأبو تمام متمكن من ذلك، وما أعلم كيف ذهب عليه هذا الموضع مع معرفته بالمعاني.
[ ٢ / ٣٤ ]