وهو عندي عيب فاحش، وسبب ذلك أن السجع يكون قد استوفى أمده من الفصل الأول بحكم طوله، ثم يجيء الفصل الثاني قصيرا عن الأول، فيكون كالشيء المبتور؛ فيبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها.
وإذ انتهينا إلى ههنا وبيّنّا أقسام السجع ولبّه وقشوره فسنقول فيه قولا كلّيّا، وهو أن السجع على اختلاف أقسامه ضربان:
أحدهما: يسمى السجع القصير، وهو أن تكون كل واحدة من السجعتين مؤلفة من ألفاظ قليلة، وكلما قلّت الألفاظ كان أحسن، لقرب الفواصل المسجوعة من سمع السامع، وهذا الضرب أوعر السجع مذهبا، وأبعده متناولا، ولا يكاد استعماله يقع إلا نادرا.
والضرب الآخر: يسمى السجع الطويل، وهو ضد الأول؛ لأنه أسهل متناولا.
وإنما القصير من السجع أوعر مسلكا من الطويل لأن المعنى إذا صيغ بألفاظ قصيرة عزّ مواتاة السجع فيه؛ لقصر تلك الألفاظ، وضيق المجال في استجلابه، وأما الطويل فإن الألفاظ تطول فيه ويستجلب له السجع من حيث وليس، كما يقال، وكان ذلك سهلا.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وكل واحد من هذين الضربين تتفاوت درجاته في عدة ألفاظ.
وأما السجع القصير فأحسنه ما كان مؤلفا من لفظتين لفظتين، كقوله تعالى:
والمرسلات عرفا، فالعاصفات عصفا
وقوله تعالى: يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر
، ومنه ما يكون مؤلفا من ثلاثة ألفاظ وأربعة وخمسة، وكذلك إلى العشرة.
وما زاد على ذلك فهو من السجع الطويل.
فمما جاء منه قوله تعالى: والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى
وقوله تعالى: اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر.
وأما السجع الطويل فإن درجاته تتفاوت أيضا في الطول؛ فمنه ما يقرب من السجع القصير، وهو أن يكون تأليفه من إحدى عشرة إلى اثنتي عشرة لفظة، وأكثره خمس عشرة لفظة.
كقوله تعالى: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليوس كفور، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور
فالأولى إحدى عشرة لفظة، والثانية ثلاث عشرة لفظة.
وكذلك قوله تعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين روف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.
ومن السجع الطويل ما يكون تأليفه من العشرين لفظة فما حولها؛ كقوله تعالى: إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور، وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور.
[ ١ / ٢٣٦ ]
ومن السجع الطويل أيضا ما يزيد على هذه العدة المذكورة، وهو غير مضبوط.
واعلم أن التصريع في الشعر بمنزلة السجع في الفصلين من الكلام المنثور، وفائدته في الشعر أنه قبل كمال البيت الأول من القصيدة تعلم قافيتها، وشبه البيت المصرّع بباب له مصراعان متشاكلان.
وقد فعل ذلك القدماء والمحدثون، وفيه دلالة على سعة القدرة في أفانين الكلام؛ فأما إذا كثر التصريع في القيدة فلست أراه مختارا؛ إلا أنّ هذه الأصناف من التصريع والترصيع والتجنيس وغيرها إنما يحسن منها في الكلام ما قلّ وجرى مجرى الغرّة من الوجه، أو كان كالطراز من الثوب، فأما إذا تواترت وكثرت فإنها لا تكون مرضية؛ لما فيها من أمارات الكلفة وهو عندي ينقسم إلى سبع مراتب، وذلك شيء لم يذكره على هذا الوجه أحد غيري:
فالمرتبة الأولى:- وهي أعلى التصريع درجة- أن يكون كل مصراع من البيت مستقلّا بنفسه في فهم معناه غير محتاج إلى صاحبه الذي يليه، ويسمى التصريع الكامل، وذلك كقول امرئ القيس «١»:
أفاطم مهلا بعض هذا التّدلّل وإن كنت قد أزمعت هجرا فأجملي
فإن كل مصراع من هذا البيت مفهوم المعنى بنفسه غير محتاج إلى ما يليه.
وعليه ورد قول المتنبي «٢»:
إذا كان مدح فالنّسيب المقدّم أكلّ فصيح قال شعرا متيّم
[ ١ / ٢٣٧ ]
المرتبة الثانية: أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه غير محتاج إلى الذي يليه، فإذا جاء الذي يليه كان مرتبطا به، كقول امرئ القيس «١»:
قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
فالمصراع الأول غير محتاج إلى الثاني في فهم معناه، لكن لما جاء الثاني صار مرتبطا به.
وكذلك ورد قول أبي تمام «٢»:
ألم يأن أن تروى الظّماء الحوائم وأن ينظم الشّمل المبدّد ناظم
وعليه ورد قول المتنبي «٣»:
الرّأي قبل شجاعة الشّجعان هو أوّل وهي المحلّ الثّاني
المرتبة الثالثة: أن يكون الشاعر مخيرا في وضع كل مصراع موضع صاحبه، ويسمى التصريع الموجّه، وذلك كقول ابن الحجاج البغدادي:
من شروط الصّبوح في المهرجان خفّة الشّرب مع خلوّ المكان
فإن هذا البيت يجعل مصراعه الأول ثانيا ومصراعه الثاني أولا؛ وهذه المرتبة كالثانية في الجودة.
المرتبة الرابعة: أن يكون المصراع الأول غير مستقل بنفسه، ولا يفهم معناه إلا بالثاني، ويسمى التصريع الناقض، وليس بمرضي ولا حسن.
[ ١ / ٢٣٨ ]
فمما ورد منه قول المتنبي «١»:
مغاني الشّعب طيبا في المغاني بمنزلة الرّبيع من الزّمان
فإن المصراع الأول لا يستقل بنفسه في فهم معناه دون أن يذكر المصراع الثاني.
المرتبة الخامسة: أن يكون التصريع في البيت بلفظة واحدة وسطا وقافية، ويسمى التصريع المكرر، وهو ينقسم قسمين: أحدهما: أقرب حالا من الآخر، فالأول أن يكون بلفظة حقيقية لا مجاز فيها، وهو أنزل الدرجتين؛ كقول عبيد بن الأبرص «٢»:
فكلّ ذي غيبة يثوب وغائب الموت لا يثوب
القسم الآخر: أن يكون التصريع بلفظة مجازية يختلف المعنى فيها؛ كقول أبي تمام «٣»:
فتى كان شربا للعفاة ومرتعا فأصبح للهنديّة البيض مرتعا
المرتبة السادسة: أن يذكر المصراع الأول ويكون معلقا على صفة يأتي ذكرها
[ ١ / ٢٣٩ ]
في أول المصراع الثاني، ويسمى التصريع المعلّق؛ فمما ورد منه قول امرئ القيس «١»:
ألا أيّها اللّيل الطّويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فإن المصراع الأول معلق على قوله: «بصبح»؛ وهذا معيب جدا.
وعليه ورد قول المتنبي «٢»:
قد علّم البين منّا البين أجفانا تدمى وألّف في ذا القلب أحزانا
فإن المصراع الأول معلق على قوله: «تدمى» .
المرتبة السابعة: أن يكون التصريع في البيت مخالفا لقافيته، ويسمى التصريع المشطور، وهو أنزل درجات التصريع وأقبحها.
فمن ذلك قول أبي نواس:
أقلني قد ندمت على الذنوب وبالإقرار عدت عن الجحود
فصرع بحرف الباء في وسط البيت، ثم قفاه بحرف الدال، وهذا لا يكاد يستعمل إلا قليلا نادرا.
[ ١ / ٢٤٠ ]