وهو أن تكون الألفاظ مختلفة في الوزن والتركيب بحرف واحد، كقوله تعالى: «والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق»
وقوله تعالى: «وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا»
وكذلك ورد قوله ﷺ: «المسلم من سلم النّاس من لسانه ويده» .
ودخل ثعلب صاحب كتاب الفصيح على أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، ومجلسه غاصّ، فجلس إلى جانبه، ثم أقبل عليه، وقال: أخاف أن أكون ضيّقت عليك، على أنه لا يضيق مجلس بمتحابين ولا تسع الدنيا بأسرها متباغضين؛ فقال له أحمد: الصّديق لا يحاسب والعدوّ لا يحتسب له، وهذا كلام حسن من كلا الرجلين، والتجنيس في كلام أحمد ﵀ في قوله: «يحاسب ويحتسب له» .
وقد جاءني شيء من ذلك عليه خفّة الطبع؛ لا ثقل التطبع.
فمنه ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن ذكر الجهاد فقلت: وخيل الله قد اشتاقت أن يقال لها اركبي، وسيوفه قد تطلّعت أن يقال لها اضربي، ومواطن الجهاد قد بعد عهدها باستسقاء شآبيب النحور، وإنبات ربيع الذباب والنسور، وما ذاك إلا لأن العدو إذا طلب تقمص ثوب إذلاله، وتنصّل من صحة نصاله، واعتصم بمعاقله التي لا فرق بينها وبين عقاله.
[ ١ / ٢٥٠ ]
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم؛ فقلت: وقد جعل الله حرمه ملقى الجفان، وملتقى الأجفان، فهو حمى لمن جنى عليه زمانه، وجار لمن بعد عنه جيرانه.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: ولقد استبان الخادم من بركة طاعته ما يعمى عنه غيره فما يراه، ووجد من أثره في صلاح دنياه ما استدل به على صلاح أخراه، فهو المركب المنجّي، والعمل المرجوّ لا المرجّي، والمعنى المراد بهداية الصراط المستقيم، وتأويل قوله تعالى: «فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم» .
ومن ذلك ما ذكرته في أثناء كتاب إلى بعض الإخوان وذلك وصف بعض المنعمين، فقلت: نحن من حسن شيمه وفواصل إحسانه بين هند وهنيدة، ومن يمن نقيبته وأمانة غيبه بين أمّ معبد وأبي عبيدة.
ومن ذلك ما ذكرته في مطلع كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: الكتب وإن عدّها قوم عرضا من الأعراض، وتقالوها حتى قالوا هي سواد في بياض؛ فإن لها عند الإخوان وجها وسيما، ومحلا كريما، وهي حمائم القلوب إذا فارق حميم حميما، ومن أحسنها كتاب سيدنا ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب.
ومن هذا القسم قول أبي تمام «١»:
أيّام تدمي عينه تلك الدّما فيها وتقمر لبّه الأقمار
وكذلك قوله «٢»:
[ ١ / ٢٥١ ]
بيض
فهنّ إذا رمقن سوافرا صور وهنّ إذا رمقن صوار «١»
وكذلك قوله «٢»:
بدر أطالت فيك بادرة النّوى ولعا وشمس أولعت بشماس «٣»
وكذلك قوله «٤»:
كادوا النّبوّة والهدى فتقطّعت أعناقهم في ذلك المضمار
جهلوا فلم يستكثروا من طاعة معروفة بعمارة الأعمار
وكذلك قوله «٥»:
إنّ الرّماح إذا غرسن بمشهد فجنى العوالي في ذراه معالي
[ ١ / ٢٥٢ ]
وكذلك قوله «١»:
إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا بلا نعمة أحسنت أن تتطوّلا «٢»
وكذلك قوله «٣»:
أيّ ربع يكذّب الدّهر عنه وهو ملقى على طريق اللّيالي
بين حال جنت عليه وحول فهو نضو الأحوال والأحوال
شدّ ما استنزلتك عن دمعك الأ ظعان حتّى استهلّ صوب العزالي
أيّ حسن في الذّاهبين تولّى وجمال على ظهور الجمال
ودلال مخيّم في ذرى الخيم وحجل معصّم في الحجال
فالبيت الثاني والخامس هما المقصودان بالتمثيل ههنا، والأبيات الباقية جاءت تبعا.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ومما جاء من ذلك قول علي بن جبلة:
وكم لك من يوم رفعت بناءه بذات جفون أو بذات جفان
وكذلك قول محمد بن وهيب الحميري:
قسمت صروف الدّهر بأسا ونائلا فمالك موتور وسيفك واتر
وهذا من المليح النادر.
ومن هذا القسم قول البحتري «١»:
جدير بأن تنشقّ عن ضوء وجهه ضبابة نقع تحتها الموت ناقع
وكذلك قوله «٢»:
نسيم الرّوض في ريح شمال وصوب المزن في راح شمول
وذم أعرابي رجلا فقال: كان إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوّف، يحسد على الفضل، ويزهد في الإفضال.