أن ترد ألفاظ على صيغة الفعل يتبع بعضها بعضا؛ فمنها ما يختلف بين ماض ومستقبل، ومنها ما لا يختلف.
فالأول كقول القاضي الأرّجاني في أبيات يصف فيها الشمعة، وفيها معنى هو له مبتدع، ولم يسمع من غيره، وذلك أنه قال عن لسان الشمع: إنه ألف العسل وهو أخوه الذي ربّي معه في بيت واحد، وإن النار فرقت بينه وبينه، وإنه نذر أن يقتل نفسه بالنار أيضا من ألم الفراق، إلا أنه أساء العبارة؛ فقال «١»:
بالنّار فرّقت الحوادث بيننا وبها نذرت أعود أقتل روحي
[ ١ / ٢٩١ ]
فقوله «نذرت أعود [أقتل]» من المعاظلة المشار إليها.
وأما ما يرد على نهج واحد من الصيغة الفعلية: فكقول أبي الطيب المتنبي «١»:
أقل أنل أقطع احمل علّ سلّ أعد زد هشّ بشّ تقضّل أدن سرّصل «٢»
فهذه ألفاظ جاءت على صيغة واحدة، وهي صيغة الأمر، كأنه قال: افعل افعل، هكذا إلى آخر البيت، وهذا تكرير للصيغة وإن لم يكن تكريرا للحروف، إلا أنه أخوه، ولا أقول ابن عمه، وهذه ألفاظ متراكبة متداخلة، ولو عطفها بالواو لكانت أقرب حالا، كما قال عبد السلام بن رغبان «٣»:
فسد النّاس فاطلب الرّزق بالسّيف وإلّا فمت شديد الهزال احل وامرر وضرّ وانفع ولن واخشن وأبرر ثمّ انتدب للمعالي.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ألا ترى أنه لما عطف ههنا بالواو لم تتراكب الألفاظ كتراكبها في بيت أبي الطيب المتقدم ذكره.
فإن قيل: إنك جعلت ما كان واردا على صيغة واحدة على سبيل التكرار معاظلة، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم، كقوله تعالى: «فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد»
ولو كان معاظلة لما ورد في القرآن الكريم مثله.
فالجواب عن ذلك أني أقول: هذه الآية ليست كالذي أنكرته؛ فإن هذا الموضع ينظر فيه إلى الكثير والقليل، فإذا كثر كان تعاظلا؛ لتراكبه وثقله على النطق، وقد عرّفتك أن ما يفصل بين صيغه بواو العطف يكون أقل ثقلا مما لا يفصل، والذي أنكرته من ذلك هو أن تأتي ألفاظ مكررة على صيغة واحدة كأنها عقد متصلة، فحينئذ يثقل المنطق بها، ويكره موقعها من السمع، كبيت أبي الطيب المتنبي، وأما هذه الآية المشار إليها فإنها خارجة عن هذا الحكم، ألا ترى أنها لما وردت ألفاظها على صيغة واحدة فرق بينها بواو العطف، ثم مع التفريق بينها بواو العطف لم يرد التكرير فيها إلا بين ثنتين، وهما «خذوهم واحصروهم»
، وأما الصيغة الأولى فإنها أضيف إليها كلام آخر، فقيل: «اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم»
ولم يقل اقتلوا المشركين وخذوهم، ثم لما جاءت الصيغة الرابعة أضيف إليها كلام آخر أيضا فقيل: «واقعدوا لهم كل مرصد»
لا جرم أن الآية جاءت غير ثقيلة على النطق مع توارد صيغة الأمر فيها أربع مرار، وهذه رموز ينبغي أن يتنبه لها في استعمال الألفاظ إذا جاءت هكذا.