في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر.
وهذا القسم كالذي قبله في أنه ليس الانتقال فيه من صيغة إلى صيغة طلبا للتوسع في أساليب الكلام فقط، بل لأمر وراء ذلك، وإنما يقصد إليه تعظيما لحال من أجري عليه الفعل المستقبل، وتفخيما لأمره، وبالضد من ذلك فيمن أجري عليه فعل الأمر.
فمما جاء منه قوله تعالى: يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين. إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون
فإنه إنما قال: أشهد الله واشهدوا
ولم يقل وأشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك
[ ٢ / ١١ ]
صحيح ثابت، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بهم، ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم، ولذلك عدل به عن لفظ الأول؛ لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه: اشهد عليّ أني أحبك، تهكما به، واستهانة بحاله.
وكذلك يرجع عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر؛ إلا أنه ليس كالأول، بل إنما يفعل ذلك توكيدا لما أجري عليه فعل الأمر؛ لمكان العناية بتحقيقه، كقوله تعالى: قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين
الآية، وكان تقدير الكلام أمر؛ ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد، فعدل عن ذلك إلى فعل الأمر؛ للعناية بتوكيده في نفوسهم؛ فإن الصلاة من أوكد فرائض الله على عباده، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب، إذ عمل الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية، ولهذا قال النبيّ ﷺ: «الأعمال بالنّيّات» .
واعلم أيها المتوشّح لمعرفة علم البيان، أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة اخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهو لا يتوخّاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة والبلاغة، الذي اطلع على أسرارهما، وفتش عن دفائنهما، ولا تجد ذلك في كل كلام؛ فإنه من أشكل ضروب علم البيان، وأدقّها فهما، وأغمضها طريقا.