من المعاظلة اللفظية، تختص بتكرير الحروف، وليس ذلك مما يتعلق بتكرير الألفاظ، ولا بتكرير المعاني، مما يأتي ذكره في باب التكرير في المقالة الثانية، وإنما هو تكرير حرف واحد أو حرفين في كل لفظة من ألفاظ الكلام المنثور أو المنظوم، فيثقل حينئذ النطق به.
فمن ذلك قول بعضهم «٣»:
[ ١ / ٢٨٨ ]
وقبر حرب بمكان قفر وليس قرب قبر حرب قبر
فهذه القافات والراآت كأنها في تتابعها سلسلة، ولا خفاء بما في ذلك من الثقل.
وكذا ورد قول الحريري في مقاماته:
وازورّ من كان له زائرا وعاف عافي العرف عرفانه
فقوله: «وعاف عافى العرف عرفانه» من التكرير المشار إليه.
وكذلك ورد قوله أيضا في رسالتيه اللتين صاغهما على حرف السين والشين، فإنه أتى في إحداهما بالسين في كل لفظة من ألفاظها وأتى في الأخرى بالشين في كل لفظة من ألفاظها، فجاءتا كأنهما رقّى العقارب، أو خذروفة العزائم، وما أعلم كيف خفي ما فيهما من القبح على مثل الحريري مع معرفته بالجيد والرديء من الكلام.
ويحكى عن بعض الوعاظ أنه قال في جملة كلام أورده: جنى جنّات وجنات الحبيب، فصاح رجل من الحاضرين في المجلس وماد وتغاشى، فقال له رجل كان إلى جانبه: ما الذي سمعت حتى حدث بك هذا؟ فقال: سمعت جيما في جيم في جيم فصحت.
وهذا من أقبح عيوب الألفاظ.
ومما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي مطلعها:
أتراها لكثرة العشّاق «١» كيف ترثي الّتي ترى كلّ جفن
راءها غير جفنها غير راقي «٢»
[ ١ / ٢٨٩ ]
وهذا وأمثاله إنما يعرض لقائله في نوبة الصرع التي تنوب في بعض الأيام.
ومن هذا القسم قول الشاعر المعروف بكشاجم في قصيدته التي مطلعها:
داو خماري بكأس خمر «١» والزّهر والقطر في رباها
ما بين نظم وبين نثر «٢» حدائق كفّ كلّ ريح
حلّ بها خيط كلّ قطر «٣»
وهذا البيت يحتاج الناطق به إلى بركار يضعه في شدقه حتى يديره له.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم وهو البيت المشهور الذي يتذاكره الناس:
مللت مطال مولود مفدّى مليح مانع منّي مرادي
وهذه الميمات كأنها عقد متصلة بعضها ببعض.
وكان بعض أهل الأدب من أهل مصرنا هذا يستعمل هذا القسم في ألفاظه كثيرا في كلامه نثرا ونظما، وذلك لعدم معرفته بسلوك الطريق.
وأنا أذكر نبذة من ذلك، كقوله في وصف رجل سخي: أنت المديح كبدا تريح، والمليح إن تجهّم المليح بالتّكليح، عند سائل تلوح، بل يفوق إذ يروق مرأى لوح، يا مغبوق كأس الحمد يا مصبوح، ضاق عن نداك اللوح، وببابك المفتوح تستريح، وتريح ذا التبريح، وترفّه الطليح.
[ ١ / ٢٩٠ ]
فانظر إلى حرف الحاء كيف قد لزمه في كل لفظة من هذه الألفاظ فجاءكما تراءه من الثقل والغثاثة؟.
واعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف في كثير من كلامهم، وذاك أنه إذا تكرر الحرف عندهم أدغموه استحسانا فقالوا في جعل لك: جعلّك، وفي تضربونني، تضربونّي، وكذلك قالوا: استعدّ فلان للأمر؛ إذا تأهّب له، والأصل فيه استعدد، واستتبّ الأمر؛ إذا تهيأ، والأصل فيه استتبب، وأشباه ذلك كثير في كلامهم، حتى إنهم لشدة كراهتهم لتكرير الحروف أبدلوا أحد الحرفين المكررين حرفا آخر غيره، فقالوا: أمليت الكتاب، والأصل فيه أمللت، فأبدلوا اللام ياء طلبا للخفة، وفرارا من الثقل، وإذا كان قد فعلوا ذلك في اللفظة الواحدة فما ظنك بالألفاظ الكثيرة التي يتبع بعضها بعضا؟.