من المشبه بالتجنيس، ويسمى المعكوس، وذلك ضربان:
أحدهما: عكس الألفاظ، والآخر عكس الحروف.
فالأول كقول بعضهم: عادات السّادات سادات العادات؛ وكقول الآخر: شيم الأحرار أحرار الشيم.
[ ١ / ٢٥٤ ]
ومن هذا النوع مما ورد شعرا قول الأضبط بن قريع من شعراء الجاهلية «١»:
قد يجمع المال غير آكله ويأكل المال غير من جمعه
ويقطع الثّوب غير لابسه ويلبس الثّوب غير من قطعه
وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي «٢»:
فلا مجد في الدّنيا لمن قلّ ماله ولا مال في الدّنيا لمن قلّ مجده
وكذلك قول الشريف الرضي من أبيات يذم فيها الزمان:
أسفّ بمن يطير إلى المعالي وطار بمن يسفّ إلى الدّنايا
وكذلك قول الآخر:
إنّ اللّيالي للأنام مناهل تطوى وتنشر بينها الأعمار
فقصارهنّ من الهموم طويلة وطوالهنّ من السّرور قصار
وأحسن من هذا كله وألطف قول ابن الزقاق الأندلسي:
غيّرتنا يد الزّما ن فقد شبت والتحى
فاستحال الضّحى دجا واستحال الدّجا ضحى
وهذا الضرب من التجنيس له حلاوة، وعليه رونق، وقد سماه قدامة بن جعفر الكاتب التّبديل، وذلك اسم مناسب لمسماه؛ لأن مؤلّف الكلام يأتي بما كان مقدّما في جزء كلامه الأول مؤخّرا في الثاني، وبما كان مؤخرا في الأول مقدّما في الثاني، ومثله قدامة بقول بعضهم: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك.
[ ١ / ٢٥٥ ]
ومن هذا القسم قوله تعالى: «يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي» *
وكذلك ورد قول النبي ﷺ: «جار الدّار أحقّ بدار الجار» .
وكتب علي بن أبي طالب ﵁ إلى عبد الله بن عباس ﵁ كتابا؛ فقال: أما بعد فإن الإنسان يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه؛ فلا تكن بما نلت من دنياك فرحا، ولا بما فاتك منها ترحا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول أمل، وكأن قد؛ والسلام.
وروي عن أبي تمام أنه لما قصد عبد الله بن طاهر بن الحسين بخراسان وامتدحه بقصيدته المشهورة التي مطلعها:
أهنّ عوادي يوسف وصواحبه
أنكر عليه أبو سعيد الضّرير وأبو العميثل هذا الابتداء. وقالا: لم لا يقول ما يفهم؟ فقال: لم لا يفهما ما يقال؟ فاستحسن منه هذا الجواب على الفور، وهو من التجنيس المشار إليه.
وقد جاءني شيء منه، كقولي في فصل من كتاب يتضمن فتحا، وهو: فكم كان من افتراع عذرة الحصن من افتراع عذرة حصان، وكم حيز به من سنان لحظ استرقّه لحظ سنان.
وكذلك قولي في صدر كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: الخادم يبلغ خدمته إلى ذلك الجناب التي تمطره الشفاه قبلا، وتوسعه العفاة أملا، وترى الخول به ملوكا والملوك خولا، وطاعته هي محكّ الأعمال التي أشير إليها بقوله تعالى:
«ليبلوكم أيكم أحسن عملا» *.
وكذلك ورد قولي أيضا، وهو فصل من تقليد وزير، فقلت: وقد صدّق الله لهجة المثني عليك أن يقول: إنك الرجل الذي تضرب به الأمثال، والمهذب الذي لا يقال معه: أيّ الرجال، وإذا وازرت مملكة فقد حظيت منك بشد أزرها، وسد ثغرها، وأصبحت وأنت صدر لقلبها وقلب لصدرها، فهي مزدانة منك بالفضل المتين، معانة بالقويّ الأمين.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وأما الضرب الثاني من هذا القسم، وهو عكس الحروف، فهو كقول بعضهم:
أهديت شيئا يقلّ لولا أحدوثة الفال والتّبرّك
كرسي تفاءلت فيه لمّا رأيت مقلوبه يسرّك
وكذلك قول الآخر:
كيف السّرور بإقبال وآخره إذا تأمّلته مقلوب إقبال «١»
وأجود من هذا كله قول الآخر:
جاذبتها والرّيح تجذب عقربا من فوق خد مثل قلب العقرب
وطفقت ألثم ثغرها فتمنّعت وتحجّبت عنّي بقلب العقرب
وإذا قلب لفظ عقرب صار برقعا.
وهذا الضرب نادر الاستعمال «٢»؛ لأنه قلّ ما يقع كلمة تقلب حروفها فيجيء معناها صوابا.