أما علم النحو فإنه في علم البيان من المنظوم والمنثور بمنزلة أبجد في تعليم الخط وهو أول ما ينبغي إتقان معرفته لكل أحد ينطق باللسان العربي، ليأمن معرّة اللحن، ومع هذا فإنه، وإن احتيج إليه في بعض الكلام دون بعض لضرورة الإفهام، فإن الواضع لم يخص منه شيئا بالوضع، بل جعل الوضع عاما، وإلا فإذا نظرنا إلى ضرورته وأقسامه المدوّنة وجدنا أكثرها غير محتاج إليه في إفهام المعاني، ألا ترى أنك لو أمرت رجلا بالقيام فقلت له: قوم، بإثبات الواو ولم
[ ١ / ٢٩ ]
تجزم، لما اختل من فهم ذلك شيء، وكذلك الشرط لو قلت: إن تقوم أقوم، ولم تجزم، لكان المعنى مفهوما، والفضلات كلها تجري هذا المجرى، كالحال والتمييز والاستثناء، فإذا قلت: جاء زيد راكب، وما في السماء قدر راحة سحاب، وقام القوم إلا زيد، فلزمت السكون في ذلك كله، ولم تبين إعرابا؛ لما توقّف الفهم على نصب الراكب والسحاب، ولا على نصب زيد، وهكذا يقال في المجرورات، وفي المفعول فيه، والمفعول له، والمفعول معه، وفي المبتدإ والخبر، وغير ذلك من أقسام أخر لا حاجة إلى ذكرها.
لكن قد خرج عن هذه الأمثلة ما لا يفهم إلا بقيود تقيّده، وإنما يقع ذلك في الذي تدل صيغته الواحدة على معان مختلفة، ولنضرب لذلك مثالا يوضحه فنقول:
اعلم أن من أقسام الفاعل والمفعول ما لا يفهم إلا بعلامة كتقديم المفعول على الفاعل؛ فإنه إذا لم يكن ثم علامة تبين أحدهما من الآخر وإلا أشكل الأمر كقولك: ضرب زيد عمرو، ويكون زيد هو المضروب؛ فإنك إذا لم تنصب زيدا وترفع عمرا، وإلا لا يفهم ما أردت؛ وعلى هذا ورد قوله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء.
وكذلك لو قال قائل: ما أحسن زيد، ولم يبين الإعراب في ذلك، لما علمنا غرضه منه؛ إذ يحتمل أن يريد به التعجب من حسنة، أو يريد به الاستفهام عن أي شيء منه أحسن، ويحتمل أن يريد به الإخبار بنفي الإحسان عنه، ولو بيّن الإعراب في ذلك فقال: ما أحسن زيدا، وما أحسن زيد، وما أحسن زيد؛ علمنا غرضه، وفهمنا مغزى كلامه؛ لانفراد كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة بما يعرف به من الإعراب؛ فوجب حينئذ بذلك معرفة النحو؛ إذ كان ضابطا لمعاني الكلام، حافظا لها من الاختلاف.
وأول من تكلم في النحو أبو الأسود الدّؤلي، وسبب ذلك أنه دخل على ابنة له بالبصرة فقالت له: يا أبت ما أشدّ الحر، متعجبة، ورفعت أشد، فظنها مستفهمة، فقال: شهر ناجر؛ فقالت: يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك! فأتى عليّ بن أبي طالب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، ذهبت لغة العرب،
[ ١ / ٣٠ ]
ويوشك إن تطاول عليها زمان أن تضمحلّ، فقال له: وما ذاك؟ فأخبره خبر ابنته، فقال: هلمّ صحيفة، ثم أملى عليه «الكلام لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى» ثم رسم له رسوما فنقلها النحويون في كتبهم.
وقيل: «إن أبا الأسود دخل على زياد ابن أبيه بالبصرة فقال: إني أرى العرب قد خالطت العجم، وتغيرت ألسنتها، أفتأذن لي أن أصنع ما يقيمون به كلامهم؟
فقال: لا، فقام من عنده، ودخل عليه رجل فقال: أيها الأمير، مات أبانا، وخلّف بنون، فقال زياد: مات أبانا وخلف بنون!! مه، ردّوا عليّ أبا الأسود. فردّوه، فقال له: اصنع ما كنت نهيتك عنه، فوضع شيئا.
ثم جاء بعده ميمون الأقران فزاد عليه، ثم جاء بعده عنبسة بن معدان المهري، فزاد عليه، ثم جاء بعده عبد الله بن أبي إسحق الحضرمي، وأبو عمرو بن العلاء، فزادا عليه، ثم جاء بعدهما الخليل بن أحمد الأزديّ، وتتابع الناس، واختلف البصريون والكوفيون في بعض ذلك.
فهذا ما بلغني من أمر النحو في أول وضعه، وكذلك العلوم كلها: يوضع منها في مبادي أمرها شيء يسير، ثم يزاد بالتدريج إلى أن يستكمل آخرا.
فإن قيل: أما علم النحو فمسلّم إليك أنه تجب معرفته، لكن التصريف لا حاجة إليه؛ لأن التصريف إنما هو معرفة أصل الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها، وهذا لا يضرّ جهله، ولا تنفع معرفته، ولنضرب لذلك مثالا كيف اتفق، فنقول: إذا قال القائل: رأيت سرداحا «١»، لا يلزمه أن يعرف الألف في هذه الكلمة زائدة هي أم أصليه؛ لأن العرب لم تنطق بها إلا كذلك، ولو قالت سردحا، بغير ألف، لما جاز لأحد أن يزيد الألف فيها من عنده فيقول سرداحا، فعلم بهذا أنه إنما ينطق الألفاظ
[ ١ / ٣١ ]
كما سمعت عن العرب، من غير زيادة فيها ولا نقص، وليس يلزم بعد ذلك أن يعلم أصلها ولا زيادتها؛ لأن ذلك أمر خارج تقتضيه صناعة تأليف الكلام.
فالجواب عن ذلك أنّا نقول: اعلم أنا لم نجعل معرفة التصريف كمعرفة النحو؛ لأن الكاتب أو الشاعر إذا كان عارفا بالمعاني، مختارا لها، قادرا على الألفاظ، مجيدا فيها، ولم يكن عارفا بعلم النحو؛ فإنه يفسد ما يصوغه من الكلام ويختلّ عليه ما يقصده من المعاني، كما أريناك في ذلك المثال المتقدم، وأما التصريف فإنه إذا لم يكن عارفا به لم تفسد عليه معاني كلامه، وإنما تفسد عليه الأوضاع، وإن كانت المعاني صحيحة، وسيأتي بيان ذلك في تحرير الجواب، فنقول: أما قولك إن التصريف لا حاجة إليه، واستدلالك بما ذكرته من المثال المضروب؛ فإن ذلك لا يستمرّ لك الكلام فيه، ألا ترى أنك مثّلت كلامك في لفظة سرداح، وقلت: إنه لا يحتاج إلى معرفة الألف زائدة هي أم أصلية لأنها إنما نقلت عن العرب على ما هي عليه من غير زيادة ولا نقص، وهذا لا يطرد إلا فيما هذا سبيله من نقل الألفاظ على هيئتها من غير تصرف فيها بحال، فأما إذا أريد تصغيرها أو جمعها والنسبة إليها فإنه إذا لم يعرف الأصل في حروف الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها يضلّ حينئذ عن السبيل، وينشأ من ذلك مجال للعائب والطاعن، ألا ترى أنه إذا قيل للنحوي وكان جاهلا بعلم التصريف كيف تصغير لفظة اضطراب فإنه يقول: ضطيرب، ولا يلام على جهله بذلك، لأن الذي تقتضيه صناعة النحو قد أتى به، وذلك أن النحاة يقولون: إذا كانت الكلمة على خمسة أحرف وفيها حرف زائد أو لم يكن حذفته «١» نحو قولهم في منطلق: مطيلق، وفي جحمرش: جحيمر؛
[ ١ / ٣٢ ]
فلفظة منطلق على خمسة أحرف، وفيها حرفان زائدان هما الميم والنون إلا أن الميم زيدت فيها لمعنى؛ فلذلك لم تحذف، وحذفت النون، وأما لفظة جحمرش فخماسية لا زيادة فيها وحذف منها حرف أيضا، ولم يعلم النحوي أن علماء النحو إنما قالوا ذلك مهملا اتكالا منهم على تحقيقه من علم الصرف؛ لأنه لا يلزمهم أن يقولوا في كتب النحو أكثر مما قالوا، وليس عليهم أن يذكروا في باب من أبواب النحو شيئا من التصريف؛ لأن كلا من النحو والتصريف علم منفرد برأسه، غير أن أحدهما مرتبط بالآخر، ومحتاج إليه.
وإنما قلت: إن النحوي إذا سئل عن تصغير لفظة اضطراب يقول: ضطيرب؛ لأنه لا يخلو إما أن يحذف من لفظة اضطراب الألف أو الضاد أو الطاء أو الراء أو الباء، وهذه الحروف المذكورة غير الألف ليست من حروف الزيادة؛ فلا تحذف، بل الأولى أن يحذف الحرف الزائد ويترك الحرف الذي ليس بزائد؛ فلذلك قلنا:
إن النحوي يصغر لفظة اضطراب على ضطيرب؛ فيحذف الألف التي هي حرف زائد، دون غيرها مما ليس من حروف الزيادة، وأما أن يعلم أن الطاء في اضطراب مبدلة من تاء، وأنه إذا أريد تصغيرها تعاد إلى الأصل الذي كانت عليه، وهو التاء، فيقال: ضتيرب؛ فإن هذا لا يعلمه إلا التصريفي، وتكليف النحوي الجاهل بعلم التصريف معرفة ذلك كتكليفه علم ما لا يعلمه؛ فثبت بما ذكرناه أنه يحتاج إلى علم التصريف؛ لئلا يغلط في مثل هذا.
ومن العجب أن يقال: إنه لا يحتاج إلى معرفة التصريف، ألم تعلم أن نافع ابن أبي نعيم، وهو من أكبر القراء السبعة قدرا، وأفخمهم شأنا، قال في معايش:
معائش، بالهمز»
، ولم يعلم الأصل في ذلك؛ فأوخذ عليه، وعيب من أجله، ومن
[ ١ / ٣٣ ]
جملة من عابه أبو عثمان المازني؛ فقال في كتابه في التصريف: إن نافعا لم يدر ما العربيّة، وكثيرا ما يقع أولو العلم في مثل هذه المواضع، فكيف الجهال الذين لا معرفة لهم بها ولا اطّلاع لهم عليها؟ وإذا علم حقيقة الأمر في ذلك لم يغلط فيما يوجب قدحا ولا طعنا، وهذه لفظة معايش لا يجوز همزها بإجماع من علماء العربية، لأن الياء فيها ليست مبدلة من همزة، وإنما الياء التي تبدل من الهمزة في هذا الموضع تكون بعد ألف الجمع المانع من الصرف، ويكون بعدها حرف واحد، ولا تكون عينا، نحو سفائن، وفي هذا الموضع غلط نافع رحمة الله عليه، لأنه لا شك اعتقد أن معيشة بوزن فعيلة وجمع فعيلة هو على فعائل، ولم ينظر إلى أن الأصل في معيشة معيشة على وزن مفعلة، وذلك لأن أصل هذه الكلمة من عاش التي أصلها عيش على وزن فعل، ويلزم مضارع فعل المعتل العين يفعل لتصح الياء، نحو يعيش، ثم تنقل حركة العين إلى الفاء فتصير يعيش، ثم يبني من يعيش مفعول فيقال: معيوش به، كما يقال: مسيور به، ثم يخفف ذلك بحذف الواو؛ فيقال: معيش به، كما يقال: مسير به، ثم تؤنث هذه اللفظة فتصير معيشة.
ومع هذا فلا ينبغي لصاحب هذه الصناعة من النظم والنثر أن يهمل من علم العربية ما يخفى عليه بإهماله اللحن الخفي؛ فإن اللحن الظاهر قد كثرت مفاوضات الناس فيه حتى صار يعلمه غير النحوي، ولا شك أن قلة المبالاة بالأمر واستشعار القدرة عليه توقع صاحبه فيما لا يشعر أنه وقع فيه؛ فيجهل بما يكون عالما به.
ألا ترى أن أبا نواس كان معدودا في طبقات العلماء مع تقدمه في طبقات الشعراء، وقد غلط فيما لا يغلط مثله فيه، فقال في صفة الخمر:
كأنّ صغرى وكبرى من فواقعها حصباء درّ على أرض من الذّهب
[ ١ / ٣٤ ]
وهذا لا يخفى على مثل أبي نواس؛ فإنه من ظواهر علم العربية، وليس من غوامضه في شيء؛ لأنه أمر نقليّ يحمل ناقله فيه على النقل من غير تصرف، وقول أبي نواس «صغرى وكبرى» غير جائز، فإن فعلى أفعل لا يجوز حذف الألف واللام منها، وإنما يجوز حذفها من فعلى التي لا أفعل لها، نحو حبلى؛ إلا أن تكون فعلى أفعل مضافة، وههنا قد عريت عن الإضافة وعن الألف واللام، فانظر كيف وقع أبو نواس في مثل هذا الموضع مع قربه وسهولته؟.
وقد غلط أبو تمام في قوله:
بالقائم الثّامن المستخلف اطأدت قواعد الملك ممتدّا لها الطّول
ألا ترى أنه قال: اطّأدت، والصواب اتّطدت؛ لأن التاء تبدل من الواو في موضعين: أحدهما مقيس عليه، كهذا الموضع، لأنك إذا بنيت افتعل من الوعد قلت: اتّعد، ومثله ما ورد في هذا البيت؛ فإنه من وطد يطد، كما يقال: وعد يعد؛ فإذا بني منه افتعل قيل: اتّطد، ولا يقال اطّأد، وأما غير المقيس فقولهم في وجاه:
تجاه، وقالوا: تكلان، وأصله الواو؛ لأنه من وكل يكل؛ فأبدلت الواو تاء للاستسحان، فهذه الأمثلة قد أشرت إليها ليعلم مكان الفائدة في أمثالها وتتوقّى.
على أني لم أجد أحدا من الشعراء المفلقين سلم من مثل ذلك؛ فإما أن يكون لحن لحنا يدل على جهله مواقع الإعراب، وإما أن يكون أخطأ في تصريف الكلمة، ولا أعني بالشعراء من هو قريب عهد بزماننا، بل أعني بالشعراء من تقدم زمانه، كالمتنبي «١»، ومن كان قبله، كالبحتري «٢»، ومن تقدمه، كأبي تمام «٣»، ومن سبقه، كأبي نواس، والمعصوم من عصمه الله تعالى.
[ ١ / ٣٥ ]
على أن المخطىء في التصريف أندر «١» وقوعا من المخطىء في النحو؛ لأنه قلما يقع له كلمة يحتاج في استعمالها إلى الإبدال والنقل في حروفها، وأما النحو فإنه يقع الخطأ فيه كثيرا حتى إنه ليشذ في ظاهره في بعض الأحوال، فكيف خافيه؟
كقول أبي نواس في الأمين «٢» محمد ﵀:
يا خير من كان ومن يكون إلّا النّبيّ الطّاهر الميمون
فرفع في الاستثناء من الموجب، وهذا من ظواهر النحو، وليس من خافيه في شيء، وكذلك قال أبو الطيب المتنبي:
أرأيت همّة ناقتي في ناقة نقلت يدا سرحا وخفّا مجمرا «٣»
تركت دخان الرّمث في أوطانها طلبا لقوم يوقدون العنبرا «٤»
وتكرّمت ركباتها عن مبرك تقعان فيه وليس مسكا أذفرا «٥»
فجمع في حال التثنية؛ لأن الناقة ليس لها إلا ركبتان، فقال: ركبات، وهذا من أظهر ظواهر النحو، وقد خفي على مثل المتنبي.
[ ١ / ٣٦ ]
ومع هذا فينبغي لك أن تعلم أن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة، ولكنه يقدح في الجاهل به نفسه؛ لأنه رسوم قوم تواضعوا عليه، وهم الناطقون باللغة، فوجب اتّباعهم؛ والدليل على ذلك أن الشاعر لم ينظم شعره وغرضه منه رفع الفاعل ونصب المفعول أو ما جرى مجراهما، وإنما غرضه إيراد المعنى الحسن في اللفظ الحسن المتّصفين بصفة الفصاحة والبلاغة، ولهذا لم يكن اللحن قادحا في حسن الكلام؛ لأنه إذا قيل: جاء زيد راكب، إن لم يكن حسنا إلا بأن يقال: جاء راكبا- بالنصب- لكان النحو شرطا في حسن الكلام، وليس كذلك.
فتبين بهذا أنه ليس الغرض من نظم الشعر إقامة إعراب كلماته، وإنما الغرض أمر وراء ذلك، وهكذا يجري الحكم في الخطب والرسائل من الكلام المنثور.
وأما الإدغام فلا حاجة إليه لكاتب، لكن الشاعر ربما احتاج إليه؛ لأنه قد يضطر في بعض الأحوال إلى إدغام حرف، وإلى فك إدغام؛ من أجل إقامة الميزان الشعري.