ولنقدم قبل الكلام في هذا الموضع قولا جامعا، فنقول: اعلم أن للفصاحة والبلاغة أوصافا خاصة، وأوصافا عامة؛ فالخاصة كالتجنيس فيما يرجع إلى اللفظ، وكالمطابقة فيما يرجع إلى المعنى، وأما العامة فكالسّجع فيما يرجع إلى اللفظ، وكالاستعارة فيما يرجع إلى المعنى، وهذا الموضع الذي نحن بصدد ذكره- وهو الاستعارة- كثير الإشكال، غامض الخفاء.
وسأورد في كتابي هذا ما استخرجته، ولم أسمع فيه قولا لغيري، وكنت قدمت القول في الفصل السابع من مقدّمة الكتاب فيما يختص بإثبات المجاز، والرد
[ ١ / ٣٤٢ ]
على من ذهب إلى أنّ الكلام كله حقيقة لا مجاز فيه، وأقمت الدليل على ذلك، ولا حاجة إلى إعادته ههنا، بل الذي أذكره ههنا هو ما يختص بالاستعارة التي هي جزء من المجاز، ولم سميت بهذا الاسم، وكشفت عن حقيقتها، وميزتها عن التشبيه المضمر الأداة، والكلام في هذا يحتاج إلى إعادة ذكر المجاز، وإدخاله فيه، ليتقرر ويتبين.
والذي انكشف لي بالنظر الصحيح أن المجاز ينقسم قسمين: توسع في الكلام، وتشبيه، والتشبيه ضربان: تشبيه تام، وتشبيه محذوف؛ فالتشبيه التام: أن يذكر المشبه والمشبه به والتشبيه المحذوف: أن يذكر المشبه به، ويسمى استعارة، وهذا الاسم وضع للفرق بينه وبين التشبيه التام، وإلا فكلاهما يجوز أن يطلق عليه اسم التشبيه، ويجوز أن يطلق عليه اسم الاستعارة؛ لاشتراكهما في المعنى، وأما التوسع فإنه يذكر للتّصرّف في اللغة، لا لفائدة أخرى، وإن شئت قلت: إن المجاز ينقسم إلى: توسع في الكلام، وتشبيه، واستعارة، ولا يخرج عن أحد هذه الأقسام الثلاثة، فأيها وجد كان مجازا.
فإن قيل: إن التوسع شامل لهذه الأقسام الثلاثة؛ لأن الخروج من الحقيقة إلى المجاز اتساع في الاستعمال.
قلت في الجواب: إن التوسع في التشبيه والاستعارة جاء ضمنا وتبعا، وإن لم يكن هو السبب الموجب لاستعمالهما؛ وأما القسم الآخر الذي هو لا تشبيه ولا استعارة فإن النسب في استعماله هو طلب التوسع لا غير، وبيان ذلك أنه قد ثبت أن المجاز فرع عن الحقيقة، وأن الحقيقة هي الأصل، وإنما يعدل عن الأصل إلى الفرع لسبب اقتضاه، وذلك السبب الذي يعدل فيه عن الحقيقة إلى المجاز: إما أن يكون لمشاركة بين المنقول إليه في وصف من الأوصاف، وإما أن يكون لغير مشاركة؛ فإن كان لمشاركة: فإما أن يذكر المنقول والمنقول إليه معا، وإما أن يذكر المنقول إليه دون المنقول؛ فإن ذكر المنقول والمنقول إليه معا كان ذلك تشبيها، والتشبيه تشبيهان: تشبيه مظهر الأداة؛ كقولنا: زيد كالأسد، وتشبيه مضمر الأداة،
[ ١ / ٣٤٣ ]
كقولنا: زيد أسد، وهذا التشبيه المضمر الأداة قد خلطه قوم بالاستعارة، ولم يفرقوا بينهما، وذلك خطأ محض.
وسأوضح وجه الخطأ فيه، وأحقق القول في الفرق بينهما تحقيقا جليا، فأقول: أما التشبيه المظهر الأداة فلا حاجة بنا إلى ذكره ههنا؛ لأنه معلوم لا خلاف فيه، لكن نذكر التشبيه المضمر الأداة الذي وقع فيه الخلاف، فنقول: إذا ذكر المنقول والمنقول إليه على أنه تشبيه مضمر الأداة قيل فيه: زيد أسد، أي كالأسد، فأداة التشبيه فيه مضمرة، وإذا أظهرت حسن ظهورها، ولم تقدح في الكلام الذي أظهرت فيه، ولا تزيل عنه فصاحة ولا بلاغة، وهذا بخلاف ما إذا ذكر المنقول إليه دون المنقول، فإنه لا يحسن فيه ظهور أداة التشبيه، ومتى أظهرت أزالت عن ذلك الكلام ما كان متصفا به من جنس فصاحة وبلاغة، وهذا هو الاستعارة، ولنضرب لك مثالا نوضحه، فنقول: قد ورد هذا البيت لبعض الشعراء، وهو:
فرعاء إن نهضت لحاجتها عجل القضيب وأبطأ الدّعص
وهذا قد ذكر فيه المنقول إليه دون المنقول؛ لأن تقديره عجل قد كالقضيب وأبطأ ردف كالدّعص، وبين إيراده على هذا التقدير وبين إيراده على هيئته في البيت بون بعيد في الحسن والملاحة، والفرق إذا أنّ التشبيه المضمر الأداة بحسن إظهار أداة التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن ذلك فيها، وعلى هذا فإن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له الذي هو المنقول إليه ويكتفي بذكر المستعار الذي هو المنقول.
فإن قيل: لا نسلم أن الفرق بين التشبيه وبين الاستعارة ما ذهبت إليه، بل الفرق بينهما أن التشبيه إنما يكون بأداته كالكاف وكأنّ وما جرى مجراها؛ فما لم يظهر فيه أداة التشبيه لا يكون تشبيها، وإنما يكون استعارة، فإذا قلنا: زيد أسد، كان ذلك استعارة، وإذا قلنا: زيد كالأسد، كان ذلك تشبيها.
قلت في الجواب عن ذلك: إذا لم نجعل قولنا: «يد أسد» تشبيها مضمر الأداء استحال المعنى؛ لأن زيدا ليس أسدا، وإنما هو كالأسد في شجاعته؛ فأداة التشبيه لقدر ههنا ضرورة كي لا يستحيل المعنى.
[ ١ / ٣٤٤ ]
فإن قيل: وكذلك أيضا إذا لم تقدّر أداة التشبيه في الاستعارة استحال المعنى؛ لأنا إذا قلنا: «عجل القضيب وأبطأ الدّعص» فما لم نقدّر فيه أداة التشبيه وإلا استحال المعنى.
قلت في الجواب عن ذلك: تقدير أداة التشبيه لا بد منه في الموضعين؛ لكن يحسن إظهارها في التشبيه، دون الاستعارة، وجملة الأمر أنا نرى أداة التشبيه بحسن إظهارها في موضع دون موضع؛ فعلمنا أن الموضع الذي يحسن إظهارها فيه غير الموضع الذي لا يحسن إظهارها فيه، فسمينا المواضع الذي يحسن إظهارها فيه تشبيها مضمر الأداء، والذي لا يحسن إظهارها فيه استعارة، وإنما فعلنا ذلك لأن تسمية ما يحسن إظهار أداة التشبيه فيه بالتشبيه أليق، وتسمية ما لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيه بالاستعارة أليق، فإذا قلنا: «زيد أسد» حسن إظهار أداة التشبيه فيه، بأن نقول: زيد كالأسد، وإذا قلنا كما قال الشاعر:
فرعاء إن نهضت لحاجتها عجل القضيب وأبطأ الدّعص
لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيه، على ما تقدم من ذكر ذلك أولا.
فإن قيل: إذا أجزت إضمار أداة التشبيه وقدّرت إظهارها في قولك: «زيد أسد» أي: كالأسد، فنحن نضمر أيضا المستعار له ونقدر إظهاره؛ فإنه لما قال الشاعر: «عجل القضيب وأبطأ الدعص» أضمر المستعار له، وهو القدّ والرّدف، وإذا أظهر قيل: عجل قدّ كالقضيب، وأبطأ ردف كالدّعص؛ ولا فرق بين الإضمارين، فكما يسعك إضمار أداة التشبيه في قولك «زيد أسد» فكذلك يسعنا نحن إضمار المستعار له في قول الشاعر.
فالجواب عن ذلك أني أقول: نحن في هذا المقام واقفون مع الاستحسان لامع الجواز، ولو تأملت ما أوردته في أول كلامي بالعين الصحيحة لما أوردت عليّ هذا الاعتراض ههنا؛ فإني قلت: التشبيه المضمر الأداة يحسن إظهار أداء التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيها، ولو قلت: يجوز أو لا يجوز لورد عليّ هذا الاعتراض الذي ذكرته، وقد علم وتحقق أن من الواجب في حكم
[ ١ / ٣٤٥ ]
الفصاحة والبلاغة ألّا يظهر المستعار له، وإذا أظهر ذهب ما على الكلام من الحسن والرونق، ألا ترى أنا إذا أوردنا هذا البيت الذي هو:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
وجد عليه من الحسن والرونق ما لا خفاء به، وهو من باب الاستعارة، فإذا أظهرنا المستعار له صرنا إلى كلام غثّ، وذاك أنا نقول: فأمطرت دمعا كاللؤلؤ من عين كالنرجس وسقت خدا كالورد وعضّت على أنامل مخضوبة كالعنّاب بأسنان كالبرد، وفرق بين هذين الكلامين للمتأمل واسع.
فرعاء إن نهضت لحاجتها عجل القضيب وأبطأ الدّعص
فإن هذا البيت لا خفاء بما عليه من الحسن، وإذا ظهر فيه المستعار له زال ذلك الحسن عنه، لا، بل تبدل بضده، وليس كذلك التشبيه المضمر الأداة، فإنا إذا أظهرنا أداة التشبيه وأضمرناها كان ذلك سواء؛ إذ لا فرق بين قولنا: «زيد أسد» وبين قولنا: «زيد كالأسد» وهذا لا يخفى على جاهل بعلم الفصاحة والبلاغة، فضلا عن عالم، والمعوّل عليه في تأليف الكلام من المنثور والمنظوم إنما هو حسنه وطلاوته، فإذا ذهب ذلك عنه فليس بشيء، ونحن في الذي نورده في هذا الكتاب واقفون مع الحسن، لا مع الجواز.
ثم لو تنزّلنا معك أيها المعترض عن درجة الحسن إلى درجة الجواز لما استقام لك ما ذكرته، وذاك أن إضمار إداة التشبيه ظاهر في قولنا: «يد أسد» أي كالأسد، وهو مضمر واحد، وأما قول الشاعر: «فرعاء إن نهضت لحاجتها» فإنه لا يضمر فيه أداة التشبيه إلا بعد أن يظهر المستعار له، وحينئذ يكون فيه إضماران:
أحدهما: المستعار له، والآخر: أداة التشبيه، وإضمار واحد أيسر من إضمارين:
أحدهما معلق على الآخر، وإذا كان الأكر كذلك فالفرق بين الاستعارة والتشبيه هو ما قدمت القول فيه من أنّ الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له،
[ ١ / ٣٤٦ ]
فتأمل ما أشرت إليه وتدبره حتى تعلم أني ذكرت ما لم يذكره أحد غيري على هذا الوجه.
وإنما سمي هذا القسم من الكلام استعارة لأن الأصل في الاستعارة المجازية مأخوذ من العارية الحقيقية التي هي ضرب من المعاملة، وهي أن يستعير بعض الناس من بعض شيئا من الأشياء، ولا يقع ذلك إلا من شخصين بينهما سبب معرفة ما يقتضي استعارة أحدهما من الآخر شيئا، وإذا لم يكن بينهما سبب معرفة بوجه من الوجوه فلا يستعير أحدهما من الآخر شيئا؛ إذ لا يعرفه حتى يستعير منه، وهذا الحكم جار في استعارة الألفاظ بعضها من بعض، فالمشاركة بين اللفظين في نقل المعنى من أحدهما إلى الآخر كالمعرفة بين الشخصين في نقل الشيء المستعار من أحدهما إلى الآخر.
واعلم أنه قد ورد من الكلام ما يجوز حمله على الاستعارة وعلى التشبيه المضمر الأداة معا، باختلاف القرينة، وذاك أن يرد الكلام محمولا على ضمير من تقدم ذكره فينتقل عن ذلك إلى غيره ويرتجل ارتجالا.
فمما جاء منه قول البحتري «١»:
إذا سفرت أضاءت شمس دجن ومالت في التّعطّف غصن بان
فلما قال: «أضاءت شمس دجن» بنصب الشمس كان ذلك محمولا على الضمير في قوله: «أضاءت» كأنه قال أضاءت هي، وهذا تشبيه؛ لأن المشبه مذكور، وهو الضمير في «أضاءت» الذي نابت عنه التاء، ويجوز حمله على الاستعارة بأن يقال: «أضاءت شمس دجن» برفع الشمس، ولا يعود الضمير حينئذ إلى من تقدم ذكره، وإنما يكون الكلام مرتجلا، ويكون البيت:
إذا سفرت أضاءت شمس دجن ومال من التّعطّف غصن بان
[ ١ / ٣٤٧ ]
وهذا الموضع فيه دقة غموض، وحرف التشبيه يحسن في الأول دون الثاني.
وأما القسم الذي يكون العدول فيه عن الحقيقة إلى المجاز لغير مشاركة بين المنقول والمنقول إليه فذلك لا يكون إلا لطلب التوسع في الكلام، وهو سبب صالح؛ إذ التوسع في الكلام مطلوب.
وهو ضربان: أحدهما: يرد على وجه الإضافة، واستعماله قبيح؛ لبعد ما بين المضاف والمضاف إليه، وذاك لأنه يلتحق بالتشبيه المضمر الأداة، وإذا ورد التشبيه ولا مناسبة بين المشبه والمشبه به كان ذلك قبيحا، ولا يستعمل هذا الضرب من التوسع إلا جاهل بأسرار الفصاحة والبلاغة، أو ساه غافل يذهب به خاطره إلى استعمال ما لا يجوز ولا يحسن، كقول أبي نواس «١»:
بحّ صوت المال ممّا منك يشكو ويصيح
فقوله: «بح صوت المال» من الكلام النازل بالمرة، ومراده من ذلك أن المال يتظلم من إهانتك إياه بالتمزيق، فالمعنى حسن، والتعبير عنه قبيح، وما أحسن ما قال مسلم بن الوليد في هذا المعنى «٢»:
تظلّم المال والأعداء من يده لا زال للمال والأعداء ظلاما
وكذلك ورد قول أبي نواس أيضا «٣»:
[ ١ / ٣٤٨ ]
ما لرجل المال أمست تشتكي منك الكلالا
فإضافة الرّجل إلى المال أقبح من إضافة الصوت.
ومن هذا الضرب قول أبي تمام «١»:
وكم أحرزت منكم على قبح قدّها صروف النوى من مرهف حسن القدّ
فإضافة القدّ إلى النوى من التشبيه البعيد البعيد، وإنما أوقعه فيه المماثلة بين القد والقد، وهذا أدب الرجل في تتبع المماثلة تارة والتجنيس أخرى، حتى إنه ليخرج إلى بناء يعاب به أقبح عيب وأفحشه.
وكذلك ورد قوله «٢»:
بلوناك أمّا كعب عرضك في العلا فعال وأمّا خدّ مالك أسفل «٣»
[ ١ / ٣٤٩ ]
فقوله: كعب عرضك وخد مالك مما يستقبح ويستنكر، ومراده من ذلك أن عرضك مصون ومالك مبتذل، إلا أنه عبر عنه أقبح تعبير، وأبو تمام يقع في مثل ذلك كثيرا.
وأما الضرب الآخر من التوسع فإنه يرد على غير وجه الإضافة، وهو حسن لا عيب فيه، وقد ورد في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: «ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين»
فنسبة القول إلى السماء والأرض من باب التوسع؛ لأنهما جماد، والنطق إنما هو للإنسان لا للجماد، ولا مشاركة ههنا بين المنقول والمنقول إليه.
وكذلك قوله تعالى: «فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين» .
وعليه ورد قول النبي ﷺ؛ فإنه نظر إلى أحد يوما فقال: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه» فإضافة المحبة إلى الجبل من باب التوسع؛ إذ لا مشاركة بينه وبين الجبل الذي هو جماد.
وعلى هذا ورد مخاطبة الطلول، ومساءلة الأحجار، كقول أبي تمام «١»:
أميدان لهوي من أتاح لك البلى فأصبحت ميدان الصّبا والجنائب
وكقول أبي الطيب المتنبي «٢»:
إثلث فإنّا أيّها الطّلل نبكي وترزم تحتنا الإبل «٣»
[ ١ / ٣٥٠ ]
فأبو تمام سائل ربوعا عافية وأحجارا دارسة، ولا وجه لها ههنا إلا مساءلة الأهل؛ كالذي في قوله تعالى: «وسئل القرية»
أي: أهل القرية، وكل هذا توسع في العبارة؛ إذ لا مشاركة بين رسوم الديار وبين فهم السؤال والجواب، وكذلك قال أبو الطيب المتنبي في أمره الطلل بأن يكون ثالثا لهما: أي الركب والإبل، وهذا واضح لا نزاع فيه.
فإذا قد تبين وتحقق ما أشرت إليه من هذا الموضع فالمجاز لا يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة: إما توسع، أو تشبيه، أو استعارة، وإذا حققنا النظر في الاستعارة والتشبيه وجدناهما أمرا قياسيا في حمل فرع على أصل لمناسبة بينهما، وإن كانا يفترقان بحدهما وحقيقتهما.
فأما حدّ الاستعارة فقيل: إنه نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما، وهذا الحد فاسد؛ لأن التشبيه يشارك الاستعارة فيه، ألا ترى أنا إذا قلنا:
«زيد أسد» أي كأنه أسد، وهذا نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما؛ لأنا نقلنا حقيقة الأسد إلى زيد فصار مجازا، وإنما نقلناه لمشاركة بين زيد وبين الأسد في وصف الشجاعة.
والذي عندي من ذلك أن يقال: حدّ الاستعارة نقل المعنى من لفظ إلى لفظ المشاركة بينهما مع طيّ ذكر المنقول إليه؛ لأنه إذا احترز فيه هذا الاحتراز اختصّ الاستعارة، وكان حدّا لها دون التشبيه، وطريقه أنك تريد تشبيه الشيء بالشيء مظهرا ومضمرا، وتجيء إلى المشبه فتعيره اسم المشبه به، وتجريه عليه، مثال ذلك أن تقول: رأيت أسدا، وهذا كالبيت الشعر المقدم ذكره، وهو:
فرعاء إن نهضت لحاجتها عجل القضيب وأبطأ الدّعص
فإن هذا الشاعر أراد تشبيه القدّ بالقضيب، والرّدف بالدّعص الذي هو كثيب الرمل؛ فترك ذكر التشبيه مظهرا ومضمرا، وجاء إلى المشبه- وهو القدّ [والرّدف]- فأعاره المشبه به- وهو القضيب والدعص- وأجراه عليه.
إلا أن هذا الموضع لا بدّ له من قرينة تفهم من فحوى اللفظ؛ لأنه إذا قال
[ ١ / ٣٥١ ]
القائل: رأيت أسدا، وهو يريد رجلا شجاعا؛ فإن هذا القول لا يفهم منه ما أراد، وإنما يفهم منه أنه أراد الحيوان المعروف بالأسد، لكن إذا اقترن بقوله: هذا قرينة تدل على أنه أراد رجلا شجاعا اختصّ الكلام بما أراد، ألا ترى إلى قول الشاعر: «عجل القضيب وأبطأ الدّعص» فإنه دل عليه من نفس؛ لأن قوله: «فرعاء إن نهضت» دليل على أن المراد هو القدّ والرّدف «١»؛ لأن القضيب والدّعص لا يكونان لامرأة فرعاء تنهض لحاجتها، وكذلك كل ما يجيء على هذا الأسلوب؛ لأن المستعار له وهو المنقول إليه مطويّ الذكر.
وكنت تصفحت كتاب «الخصائص» لأبي الفتح عثمان بن جني، فوجدته قد ذكر في المجاز شيئا يتطرق إليه النظر، وذلك أنه قال: لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمعان ثلاثة، وهي الاتساع، والتشبيه، والتوكيد؛ فإن عدمت الثلاثة كانت الحقيقة ألبتة.
فمن ذلك قوله تعالى: «وأدخلناه في رحمتنا»
فهذا مجاز، وفيه الثلاثة المذكورة: أما الاتّساع فهو أنه زاد في أسماء الجهات والمحالّ اسما، وهو الرحمة، وأما التشبيه فإنه شبّه الرحمة وإن لم يصحّ دخولها بما يصحّ دخوله، وأما التوكيد فهو أنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة؛ تعاليا بالمخبر عنه، وتفخيما له إذا صير بمنزلة ما يشاهد ويعاين.
هذا مجموع قول أبي الفتح ﵀ من غير زيادة ولا نقص.
والنظر يتطرق إليه من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه جعل وجود هذه المعاني الثلاثة سببا لوجود المجاز، بل وجود واحد منها سببا لوجوده؛ ألا ترى أنه إذا وجد التشبيه وحده كان ذلك مجازا، وإذا وجد الاتساع وحده كان ذلك مجازا، ثم إن كان وجود هذه المعاني الثلاثة سببا
[ ١ / ٣٥٢ ]
لوجود المجاز كان عدم واحد منها سببا لعدمه، ألا ترى أنّا إذا قلنا: لا يوجد الإنسان إلا بأن يكون حيوانا ناطقا؛ فالحيوانية والنطق سبب لوجود الإنسان، وإذا عدم واحد منهما بطل أن يكون إنسانا، وكذلك كل صفات تكون متقدمة لوجود الشيء؛ فإن وجودها بوجوده، وعدم واحد منها يوجب عدمه.
وأما الوجه الثاني: فإنه ذكر التوكيد والتشبيه، وكلاهما شيء واحد على الوجه الذي ذكره؛ لأنه لما شبهت الرحمة، وهي معنى لا يدرك بالبصر، بمكان يدخل، وهو صورة تدرك بالبصر، دخل تحته التوكيد الذي هو إخبار عما لا يدرك بالحاسة بما قد يدرك بالحاسة، على أن التوكيد ههنا، على وجه ما أورده في تمثيله، لا أعلم ما الذي أراد به، لأنه لا يؤتى به في اللغة العربية إلا لمعنيين: أحدهما: أنه يرد أبدا فيما استقري بألفاظ محصورة نحو نفسه وعينه وكله، وما أضيف إليها مما استقري، وهو مذكور في كتب النحاة، وقد كفيت مؤنته، الآخر: أنه يريد على وجه التكرير، نحو: قام زيد قام زيد، كرر اللفظ في ذلك تحقيقا للمعنى المقصود: أي توكيدا، والذي ذكره أبو الفتح رحمه الله تعالى لا يدل على أن المراد به أحد هذين المعنيين المشار إليهما، ولا شك أنه أراد به المبالغة والمغالاة في إبراز المعنى الموهوم إلى الصورة المشاهدة، فعبر عن ذلك بالتوكيد، ولا مشاحّة له في تعبيره، وإذا أراد به ذلك فهو والتشبيه سواء على ما ذكره، ولا حاجة إلى ذكر التوكيد مع ذكر التشبيه.
وأما الوجه الثالث: فإنه قال: «أما الاتساع فهو أنه زاد في أسماء الجهات والمحال كذا وكذا» وهذا القول مضطرب شديد الاضطراب؛ لأنه ينبغي على قياسه أن يكون جناح الذل في قوله تعالى: «واخفض لهما جناح الذل»
زيادة في أسماء الطيور، وذلك أنه زاد في أسماء الطيور اسما هو الذل، وهكذا يجري الحكم في الأقوال الشعرية كقول أبي تمام «١»:
[ ١ / ٣٥٣ ]
لبست سواه أقواما فكانوا كما أغنى التّيمّم بالصّعيد
فزاد في أسماء اللباس اسما، هو الآدمي، وهذا مما يضحك منك، نعوذ بالله من الخطل!! والاتساع في المجال لا يقال فيه كذا، وإنما يقال: هو أن تجرى صفة من الصفات على موصوف ليس أهلا لأن تجرى عليه؛ لبعد ما بينه وبينها؛ كقول أبي الطيب المتنبي:
إثلث فإنّا أيّها الطّلل نبكي وترزم تحتنا الإبل «١»
فإنه أجري الكلام على ذلك، وإنما يستعمل طلبا للاتساع في أساليب الكلام، لا لمناسبة بين الصفة والموصوف؛ إذ لو كان لمناسبة لما كان ذلك اتساعا، وإنما كان ضربا من القياس في حمل الشيء على ما يناسبه ويشاكله، وحينئذ يكون ذلك تشبيها أو استعارة، على ما أشرت إليه من قبل.
وكنت اطلعت في كتاب من مصنفات أبي حامد الغزالي ﵀ ألفه في أصول الفقه، ووجدته قد ذكر الحقيقة والمجاز، وقسم المجاز إلى أربعة عشر «٢»
[ ١ / ٣٥٤ ]
قسما، وتلك الأربعة عشر ترجع إلى الثلاثة التي أشرت إليها، وهي: التوسع، والتشبيه، والاستعارة، ولا تخرج عنها؛ والتقسيم لا يصح في شيء من الأشياء إلا إذا اختص كل قسم من الأقسام بصفة لا يختص بها غيره، وإلا كان التقسيم لغوا لا فائدة فيه.
وسأورد ما ذكره وأبيّن فساده.
فالقسم الأول من الأقسام التي ذكرها هو: ما جعل للشيء بسبب المشاركة في خاصة، كقولهم للشجاع: أسد، وللبليد: حمار، وهذا القسم داخل في الاستعارة، إن ذكر المنقول وحده، مثل أن يقول القائل: رأيت أسدا، ومراده رجلا شجاعا، أو رأيت حمارا، ومراده رجلا بليدا، وداخل في التشبيه المضمر الأداة، إن ذكر المنقول والمنقول إليه معا، كقول القائل: زيد أسد: أي كالأسد، أو حمار:
أي كالحمار.
القسم الثاني: تسمية الشيء باسم ما يئول إليه، كقوله تعالى: «إني أراني أعصر خمرا»
وإنما كان يعصر عنبا، وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لصفة المشابهة بين المنقول والمنقول إليه، وهو من باب الاستعارة «١»، لا، بل أوغل في المشابهة من ذاك؛ لأن الخمر من العنب، وليس الأسد من الرجل، ولا الرجل من الأسد.
القسم الثالث: تسمية الشيء باسم فرعه، كقول الشاعر:
وما العيش إلّا نومة وتشرّق وتمر على رأس النّخيل وماء
[ ١ / ٣٥٥ ]
فسمى الرطب تمرا، وهذا القسم والقسم الذي قبله سواء؛ لأن هناك سمى العنب خمرا، وههنا سمى الرطب تمرا؛ فالعنب أصل، والخمر فرع، وكذلك الرطب أصل والتمر فرع، وكلا هذين القسمين داخل في القسم الأول.
وهب أن الغزالي لم يحقق أمر المجاز وانقسامه إلى تلك الأقسام الثلاثة التي أشرت إليها، ألم ينظر إلى هذين القسمين اللذين هما العنب والخمر والرطب والتمر ويعلم أنهما شيء واحد لا فرق بينهما؟.
القسم الرابع: تسمية الشيء باسم أصله، كقولهم للآدمي: مضغة، وهذا ضد القسم الذي قبله؛ لأن ذاك جعل الأصل فيه فرعا، وهذا جعل الفرع فيه أصلا، وهو داخل في القسم الأول أيضا.
القسم الخامس: تسمية الشيء بدواعيه، كتسميتهم الاعتقاد قولا، نحو قولهم: هذا يقول بقول الشافعي ﵀: أي يعتقد اعتقاده، وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن بين القول وبين الاعتقاد مناسبة كالمناسبة بين السبب والمسبب والباطن والظاهر.
القسم السادس: تسمية الشيء باسم مكانه، كقولهم للمطر: سماء؛ لأنه ينزل منها، وهذا القسم داخل في الأول؛ لصفة المناسبة بين المنقول والمنقول إليه، وهو النزول من عال، وكل ما علاك فأظلّك فهو سماء، على أن الأغلب على ظني أن هذا القسم من الأسماء المشتركة، وتسمية المطر بالسماء حقيقة فيه، وليس من المجاز في شيء.
القسم الرابع: تسمية الشيء باسم مجاوره، كقولهم للمزادة: راوية، وإنما الراوية الجمل الذي يحملها، وهذا القسم من باب التوسع، لا من باب التشبيه، ولا من باب الاستعارة؛ لأن على قياسه ينبغي أن يسمى الجمل زاملة لأنه يحملها.
القسم الثامن: تسمية الشيء باسم جزئه، كقولك لمن تبغضه: أبعد الله وجهه عني، وإنما تريد سائر جثته، وهذا القسم داخل في القسم الأول، وهو شبيه بتسمية الشيء باسم فرعه.
[ ١ / ٣٥٦ ]
القسم التاسع: تسمية الشيء باسم ضدّه، وكقولهم للأسود والأبيض: جون، وهذا القسم ليس من المجاز في شيء ألبتة، وإنما هو حقيقة في هذين المسميين معا؛ لأنه من الأسماء المشتركة، كقولهم: شمت السيف، إذا سللته، وشمته، إذا أغمدته، فدل الشيم على الضدين معا بالوضع الحقيقي؛ وفي اللغة من هذا شيء كثير، فكيف يجعل هذا القسم من المجاز؟.
ولا شك أن الغزالي نظر إلى أن الضدين لا يجتمعان في محل واحد، فقاس الاسم على الذات، وظن أن الذاتين لا يجتمعان في اسم واحد، كما أنهما لا يجتمعان في محل واحد.
فإن قيل: لا نسلم أن اللفظ المشترك حقيقة بالوضع في المعنيين معا؛ لأن ذلك يخلّ بفائدة الوضع الذي هو البيان، وإنما هو حقيقة في أحد معنييه مجاز في الآخر.
فالجواب عن ذلك: أن هذا الموضع تقدّم الكلام عليه في الفصل الثاني من مقدمة الكتاب، وهو الفصل الذي يشتمل على آلات علم البيان وأدواته، فليؤخذ من هناك، فإني قد أشبعت القول فيه إشباعا لا مزيد عليه.
القسم العاشر: تسمية الشيء بفعله، كتسمية الخمر مسكرا، وهذا القسم داخل في القسم الأول، وأيّ مشاركة أقرب من هذه المشاركة؟ فإن الإسكار صفة لازمة للخمر، وليست الشجاعة صفة لازمة لزيد؛ لأنه يمكن أن يكون زيد ولا شجاعة، ولا يمكن أن يكون خمر ولا إسكار، ألا ترى أنها لم تسم خمرا إلا لإسكارها، فإنها تخمر العقل: أي تستره.
القسم الحادي عشر: تسمية الشيء بكله، كقولك في جواب: «ما فعل زيد»: القيام، والقيام جنس يتناول جميع أنواعه، وهذا القسم لا ينبغي أن يوصل بأقسام المجاز؛ لأن القيام لزيد حقيقة.
فإن قيل: إن القيام يشمل جميع أنواع القيام من الماضي والحاضر والمستقبل.
[ ١ / ٣٥٧ ]
قلت: وهذا من أقرب أقسام المجاز مناسبة؛ لأنه إقامة للمصدر مقام الفعل الماضي، والمصدر أصل الفعل، وعلى هذا فإن هذا داخل في القسم الأول.
القسم الثاني عشر: الزيادة في الكلام لغير فائدة، كقوله تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم
فما ههنا زائدة لا معنى لها: أي فبرحمة من الله لنت لهم، وهذا القول لا أراه صوابا، وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أن هذا القسم ليس من المجاز؛ لأن المجاز هو دلالة اللفظ على غير ما وضع له في أصل اللغة، وهذا غير موجود في الآية، وإنما هي دالة على الوضع اللغوي المنطوق به في أصل اللغة؛ والوجه الآخر: أني لو سلمت أن ذلك من المجاز لأنكرت أن لفظة «ما» زائدة لا معنى لها، ولكنها وردت تفخيما لأمر النعمة التي لان بها رسول الله ﷺ له، وهي محض الفصاحة، ولو عرى الكلام منها لما كانت له تلك الفخامة، وقد ورد مثلها في كلام العرب، كالذي يحكى عن الزباء، وذاك أن الوضّاح الذي هو جذيمة الأبرش تزوّجها، والحكاية في ذلك مشهورة، فلما دخل عليها كشفت له عن فرجها وقد ضفرت الشعر من فوقه ضفيرتين، وقالت: أذات عرس ترى «١»؛ أما إنه ليس ذلك من عوز المواس، ولا من قلة الأواس، ولكنه شيمة ما أناس، فمعنى الكلام ولكنه شيمة أناس، وإنما جاءت لفظة «ما» ههنا تفخيما لشأن صاحب تلك الشيمة وتعظيما لأمره، ولو أسقطت لما كان للكلام ههنا هذه الفخامة والجزالة، ولا يعرف ذلك إلا أهله من علماء الفصاحة والبلاغة، وأما الغزالي رحمه الله تعالى فإنه معذور عندي في ألّا يعرف ذلك؛ لأنه ليس فنه، ومن ذهب إلى أن في القرآن لفظا زائدا لا معنى له فإما أن يكون جاهلا بهذا القول، وإما أن يكون متسمحا في دينه واعتقاده، وقول النحاة إن «ما» في هذه الآية زائدة فإنما يعنون به أنها لا تمنع ما قبلها عن العمل؛ كما يسمونها في موضع آخر كافّة: أي أنها تكفّ الحرف العامل عن عمله؛ كقولك: إنما زيد قائم، فما قد كفت إنّ عن العمل في زيد، وفي الآية لم تمنع عن العمل، ألا ترى أنها لم تمنع الباء عن العمل في خفض الرحمة.
[ ١ / ٣٥٨ ]
القسم الثالث عشر: تسمية الشيء بحكمه، كقوله تعالى: «وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها»
فسمي النكاح هبة، وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن النكاح هو تمكين الزوج من الوطء على عوض على هيئة مخصوصة، والهبة، تمكينه من الشيء الموهوب على غير عوض، فشاركت الهبة النكاح في نفس التمكين من الوطء، وإن اختلفا في الصورة.
القسم الرابع عشر: النقصان الذي لا يبطل به المعنى، كحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، قال الله تعالى: «ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا»
أي: شخصا بريئا، وكحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ قال الله تعالى: «وسئل القرية»
أي: أهل القرية؛ وهذا القسم داخل في القسم الأول:
أما حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه فلأن الصفة لازمة للموصوف، وأما حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فلأنه دل بالمسكون على الساكن، وتلك مقارنة قريبة.
فهذه أقسام المجاز التي ذكرها الغزالي رحمه الله تعالى، وقد بينت فساد التقسيم فيها، وأنها ترجع إلى ثلاثة أقسام، هي: التوسع، والتشبيه، والاستعارة.
وحيث انتهى بي الكلام إلى ههنا، وفرغت مما أردت تحقيقه، وبينت ما أردت بيانه؛ فإني أتبع ذلك بضرب الأمثلة للاستعارة التي يستفيد بها المتعلم ما لا يستفيده بذكر الحد والحقيقة.
فمما جاء من ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى في أول سورة إبراهيم صلوات الله عليه: «الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور»
فالظلمات والنور: استعارة للكفر والإيمان، أو للضلال والهدى، والمستعار له مطويّ الذكر، كأنه قال: لتخرج الناس من الكفر الذي هو كالظلمة إلى الإيمان الذي هو كالنور.
وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضا: «وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال»
والقراءة برفع لتزول منه
[ ١ / ٣٥٩ ]
الجبال ليست من باب الاستعارة، ولكنها في نصب تزول، واللام لام كي، والجبال ههنا: استعارة طوى فيها ذكر المستعار له، وهو أمر رسول الله ﷺ وما جاء به من الآيات والمعجزات: أي أنهم مكروا مكرهم لكي، تزول منه هذه الآيات والمعجزات التي هي في ثباتها واستقرارها كالجبال.
وعلى هذا ورد قوله تعالى: «والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون»
فاستعار الأودية للفنون والأغراض من المعاني الشعرية التي يقصدونها، وإنما خص الأودية بالاستعارة ولم يستعر الطرق والمسالك أو ما جرى مجراها لأنّ الشعر تستخرج بالفكرة والروية، والفكرة والروية فيهما خفاء وغموض؛ فكان استعارة الأودية لها أشبه وأليق.
والاستعارة في القرآن قليلة، لكن التشبيه المضمر الأداة كثير، وكذلك هي في فصيح الكلام من الرسائل والخطب والأشعار؛ لأن طيّ المستعار له لا يتيسر في كل كلام، وأما التشبيه المضمر الأداة فكثير سهل؛ لمكان إظهار المشبه والمشبه به معا.
ومما ورد من الاستعارة في الأخبار النبوية قول النبيّ ﷺ: «لا تستضيئوا بنار المشركين» فاستعار النار للرأي والمشورة: أي لا تهتدوا برأي المشركين ولا تأخذوا بمشورتهم.
وروي عنه ﷺ أنه دخل يوما مصلاه فرأى أناسا كأنهم يكثرون، فقال: «أما إنّكم لو أكثرتم من ذكر هاذم اللّذّات لشغلكم عمّا أرى» وهاذم اللذات أراد به الموت، وهو مطويّ الذكر.
وبلغني عن العرب أنهم يقولون عند رؤية الهلال: لا مرحبا باللجين مقرّب أجل ومحل، وهذا من باب الاستعارة في طيّ ذكر المستعار له.
وكذلك بلغني عن الحجاج بن يوسف أنه خطب خطبة عند قدومه العراق في أول ولايته إياه، والخطبة مشهورة، من جملتها أنه قال: إنّ أمير المؤمنين نثل كنانته وعجمها عودا عودا، فرآني أصلبها نجارا وأقومها عودا وأنفذها نصلا، فقوله: «نثل
[ ١ / ٣٦٠ ]
كنانته وعجمها عودا عودا» يريد أنه عرض رجاله واختبرهم واحدا واحدا جد اختباره «١» فرآني أشدهم وأمضاهم، وهذا من الاستعارة الحسنة الفائقة.
وقد جاءني من الاستعارة في رسائلي ما أذكر شيئا منه، ولو مثالا واحدا، وذلك أنه سألني بعض الأصدقاء أن أصف له غلامين تركيين كان يهواهما، وكان أحدهما يلبس قباء أحمر، والآخر قباء أسود، فقلت: إذا تشعّبت أسباب الهوى كانت لسره أظهر، وأضحت أمراضه خطرا كلها ولا يقال في أحدها هذا أخطر، وقد هويت بدرين على غصنين، ولا طاقة للقلب بهوى واحد فكيف إذا حمل هوى اثنين، ومما شجاني أنهما يتلونان في أصباغ الثياب، كما يتلونان في فنون التجرم والعتاب، وقد استجدّا الآن زيا لا مزيد على حسنهما في حسنه، فهذا يخرج في ثوب من حمرة خده وهذا في ثوب من سواد جفنه، وما أدري من دلّهما على هذا العجيب، غير أنه ليس على فتنة المحب أهدى من حبيب.
وهذا الفصل بجملته مما تواصفه الناس وأغروا بحفظه.
وأما ما ورد من ذلك شعرا فكقول مسكين الدارمي من شعراء الحماسة «٢»:
لحافي لحاف الضّيف والبيت بيته ولم يلهني عنه غزال مقنّع
أحدّثه؛ إنّ الحديث من القرى وتعلم نفسي أنّه سوف يهجع
فالغزال المقنع هذا استعارة للمرأة الحسناء.
وكذا ورد قول رجل من بني يسار في كتاب الحماسة أيضا»
:
[ ١ / ٣٦١ ]
أقول لنفسي حين خوّد رألها رويدك لمّا تشفقي حين مشفق «١»
رويدك حتّى تنظري عمّ تنجلي عماية هذا العارض المتألّق «٢»
فالعارض المتألق: استعارة للحرب، أو الذي أطل بمكروهه كالبارق المتألق.
ويحكى أن امرأة وقفت لعبد الملك بن مروان وهو سائر إلى قتال مصعب بن الزبير، فقالت: يا أمير المؤمنين؛ فقال: رويدك حتى تنظري عمّ تنجلي، وأنشد البيت.
ومن هذا الباب قول عبد السلام بن رغبان «٣» المعروف بديك الجن:
لمّا نظرت إليّ عن حدق المها وبسمت عن متفتّح النّوّار
وعقدت بين قضيب بان أهيف وكثيب رمل عقدة الزّنّار
عفّرت خدّي في الثّرى لك طائعا وعزمت فيك على دخول النّار
وهذه الأبيات لا تجد لها في الحسن شريكا، ولأن يسمى قائلها شحرورا أولى من أن يسمى ديكا.
وكذلك ورد قوله:
لا ومكان الصّليب في النّحر من- ك ومجرى الزّنّار في الخصر
والخال في الخدّ إذ أشبهه وردة مسك على ثرى تبر
[ ١ / ٣٦٢ ]
وحاجب مذ خطّه قلم ال- - حسن بحبر البهاء لا الحبر
وأقحوان بفيك منتظم على شبيه من رائق الخمر
فالبيت الرابع هو المخصوص بالاستعارة، والمستعار له هو الثغر والريق.
ومما ورد لأبي تمام في هذا المعنى قوله «١»:
لمّا غدا مظلم الأحشاء من أشر أسكنت جانحتيه كوكبا يقد
فالكوكب: استعارة للرمح.
وكذلك ورد قوله في الاعتذار «٢»:
أسرى طريدا للحياء من الّتي زعموا وليس لرهبة بطريد
وغدا تبيّن ما براءة ساحتي لو قد نفضت تهائمي ونجودي
والتهائم والنجود: هما استعارة مما استعارة مما استعاره من باطن أمره وظاهره.
وكذلك ورد قوله «٣» .
كم أحرزت قضب الهنديّ مصلتة تهتزّ من قضب تهتزّ في كثب
فالقضب والكثب: استعارة للقدود والأرداف.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وكذلك ورد في هذه القصيدة أيضا عند ذكر ملك الروم وانهزامه لما فتحت مدينة عمّورية، فقال:
إن يعد من حرّها عدو الظّليم فقد أوسعت جاحمها من كثرة الحطب
فالحطب: استعارة للقتلى.
وقبل هذا البيت ما يدل عليه؛ لأنه قال:
أحذى قرابينه صرف الرّدى ومضى يحتثّ أنجى مطاياه من الهرب
موكّلا بيفاع الأرض يشرفها من خفّة الخوف لا من خفّة الطّرب
إن يعد من حرها عدو الظّليم
.. البيت وأحسن من هذا كله قوله «١»:
تطلّ الطلول الدّمع في كلّ منزل وتمثل بالصّبر الدّيار المواثل
دوارس لم يجف الرّبيع ربوعها ولا مرّ في أغفالها وهو غافل
يعفّين من زاد العفاة إذا انتحى على الحيّ صرف الأزمة المتحامل «٢»
فقوله: «زاد العفاة»: استعارة طوى فيها ذكر المستعار له، وهو أهل الديار، كأنه قال: يعفين من قوم هم زاد العفاة.
وله في الغزل من الاستعارة ما بلغ به غاية اللطافة والرقة، وذلك في قصيدته التي مطلعها:
إنّ عهدا لو تعلمان ذميما «٣»
[ ١ / ٣٦٤ ]
فقال:
قد مررنا بالدّار وهي خلاء فبكينا طلولها والرّسوما
وسألنا ربوعها فانصرفنا بسقام وما سألنا حكيما «١»
كنت أرعى النّجوم حتّى إذا ما فارقوني أمسيت أرعى النّجوما «٢»
والبيت الثالث هو المخصوص بالاستعارة.
وعلى هذا المنهاج ورد قول البحتري:
وأغرّ في الزّمن البهيم محجّل قد رحت منه على أغرّ محجّل
والأغر المحجل الأول: هو الممدوح، والأغر المحجل الثاني: هو الفرس الذي أعطاه إياه.
وكذلك ورد قوله «٣»:
وصاعقة في كفّه تنكفي بها على أرؤس الأعداء خمس سحائب
وهذا من النمط العالي الي شغلت براعة معناه وحسن سبكه عن النظر إلى استعارته؛ والمراد بالسحائب الخمس الأصابع.
وكذلك ورد في أبيات الحماسة «٤»:
[ ١ / ٣٦٥ ]
دكّ طود الكفر دكّا صاعق من وقع سيفك
أرسلته خمس سحب نشأت من بحر كفّك
وكذلك ورد قوله في أبيات يصف فيها السيف:
حملت حمائله القديمة بقلة من عهد عاد غضة لم تذبل
وهذا من الحسن على ما يشهد لنفسه، كأنه قال: حملت حمائله سيفا أخضر الحديد كالبقلة.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي «١»:
في الخدّ إن عزم الخليط رحيلا مطر تزيد به الخدود محولا «٢»
وكذلك ورد قوله:
يمد يديه في المفاضة ضيغم
وأحسن من هذا قوله في قصيدته التي مطلعها:
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم «٣»
[ ١ / ٣٦٦ ]
وأصبحت بقرى هنزيط جائلة ترعى الظّبى في خصيب نبته اللّمم «١»
فما تركن بها خلدا له بصر تحت التّراب ولا بازا له قدم «٢»
ولا هزبرا له من درعه لبد ولا مهاة لها من شبهها حشم «٣»
وهذا من المليح النادر؛ فالخلد: استعارة لمن اختفى تحت التراب خائفا، والباز: استعارة لمن طار هاربا، والهزبر والمهاة: استعارتان للرجال المقاتلة والنساء من السبايا.
ومن هذا الباب قوله «٤»:
كلّ جريح ترجى سلامته إلّا جريحا دهته عيناها «٥»
تبلّ خدّيّ كلّمّا ابتسمت من مطر برقه ثناياها «٦»
[ ١ / ٣٦٧ ]
والبيت الثاني من الأبيات الحسان التي تتواصف، وقد حسن الاستعارة التي فيه أنه جاء ذكر المطر مع البرق.
وبلغني عن أبي الفتح بن جني ﵀ أنه شرح ذلك في كتابه الموسوم بالمفسر الذي ألفه في شرح شعر أبي الطيب؛ فقال: إنها كانت تبزق في وجهه؛ فظن أن أبا الطيب أراد أنها كانت تبسم فيخرج الريق من فمها ويقع على وجهه فشبهه بالمطر، وما كنت أظنّ أن أحدا من الناس يذهب وهمه وخاطره حيث ذهب وهم هذا الرجل وخاطره، وإذا كان هذا قول إمام من أئمة العربية تشدّ إليه الرحال فما يقال في غيره؟ لكن فن الفصاحة والبلاغة غير فن النحو والإعراب.
وكذلك ورد قول الشريف الرضي «١»:
إذا أنت أفنيت العرانين والذّرى رمتك اللّيالي من يد الخامل الغمر
وهبك اتقيت السّهم من حيث يتّقى فمن ليد ترميك من حيث لا تدري
فالعرانين والذرى: هما عظماء الناس وأشرافهم، كأنه قال: إذا أفنيت عظماء الناس رميت من يد الخامل.
وإذا قد بينت أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له فإنها لا تجيء إلا ملائمة مناسبة، ولا يوجد فيها مباينة ولا تباعد؛ لأنها لا تذكر مطويّة إلا لبيان المناسبة بين المستعار منه والمستعار له، ولو طويت ولم يكن هناك مناسبة بين المستعار منه والمستعار له لعسر فهمه، ولم يبن المراد منها.
[ ١ / ٣٦٨ ]
ورأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي رحمه الله تعالى قد خلط الاستعارة بالتشبيه المضمر الأداة، ولم يفرق بينهما، وتأسّى في ذلك بغيره من علماء البيان، كأبي هلال العسكري والغانمي وأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، على أن أبا القاسم بن بشر الآمدي كان أثبت القوم قدما في فن الفصاحة والبلاغة، وكتابه المسمى ب «الموازنة بين شعر الطائيين» يشهد له بذلك، وما أعلم كيف خفي عليه الفرق بين الاستعارة والتشبيه المضمر الأداة.
ومما أورده ابن سنان في كتابه الموسوم ب «سر الفصاحة» «١» قول امرئ القيس في صفة الليل:
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه وأردف أعجازا وناء بكلكل «٢»
وهذا البيت من التشبيه المضمر الأداة؛ لأن المستعار له مذكور، وهو الليل، وعلى الخطأ في خلطه بالاستعارة فإن ابن سنان أخطأ في الرد على الآمدي، ولم يوفق للصواب، وأنا أتكلم على ما ذكره ولا أضايقه في الاستعارة والتشبيه، بل أنزل معه على ما رآه من أنه استعارة، ثم أبين فساد ما ذهب إليه.
وذاك أن الآمدي قال في كتاب الموازنة «٣»: «إن امرأ القيس وصف أحوال
[ ١ / ٣٦٩ ]
الليل الطويل، فذكر امتداد وسطه، وتثاقل صدره، وترادف أعجازه، فلما جعل له وسطا ممتدا وصدرا ثقيلا وأعجازا رادفة لوسطه استعار له اسم الصّلب، وجعله متمطيا من أجل امتداده، واسم الكلكل وجعله نائيا لتثاقله، واسم العجز من أجل نهوضه» .
فقال ابن سنان الخفاجي معترضا عليه «١»: «إن هذا الذي ذكره الآمدي ليس بمرضي غاية الرضا؛ وإن بيت امرئ القيس ليس من الاستعارة الجيدة، ولا الرديئة، بل هو وسط؛ فإن الآمدي قد أفصح بأن امرأ القيس لما جعل لليل «٢» وسطا ممتدا استعار له اسم الصّلب وجعله متمطّيا من أجل امتداده، وحيث جعل له آخرا وأوّلا استعار له عجزا وكلكلا، وهذا كله إنما يحسن بعضه مع بعض؛ فذكر الصلب إنما يحسن من أجل العجز والوسط، والتمطّي من أجل الصلب، والكلكل لمجموع ذلك، وهذه استعارة مبنيّة على استعارة أخرى» .
هذا حكاية كلامه في الاعتراض على الآمدي.
وفيه نظر من وجهين:
[ ١ / ٣٧٠ ]
الأول: أنه قال: «هذا بيت من الاستعارة الوسطى التي ليست بجيدة ولا رديئة» ثم جعلها استعارة مبنية على استعارة أخرى، وعنده أن الاستعارة المبنية على الاستعارة من أبعد الاستعارات، وذاك أنه قسّم الاستعارة إلى قسمين: قريب مختار، وبعيد مطّرح، فالقريب المختار: ما كان بينه وبين ما استعير له تناسب قوي وشبه واضح، والبعيد المطّرح: إما أن يكون لبعده مما استعير له في الأصل، أو لأنه استعارة مبنية على استعارة أخرى؛ فيضعف لذلك؛ هذا ما ذكره ابن سنان الخفاجي في تقسيم الاستعارة، وإذا كانت الاستعارة المبنية على استعارة أخرى عنده بعيدة مطّرحة فكيف جعلها وسطا؟ هذا تناقض في القول.
الوجه الثاني: أنه لم يأخذ على الآمدي في موضع الأخذ؛ لأنه لم يختر إلا ما حسن اختياره، وذاك أن حدّ الاستعارة على ما رآه الآمدي وابن سنان هو نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما، وإن كان المذهب الصحيح في حد الاستعارة غير ذلك، على ما تقدم الكلام عليه، ولكني في هذا الموضع أنزل معهما على ما رأياه حتى يتوجّه الكلام على الحكم بينهما في بيت امرئ القيس، وإذا حددنا الاستعارة بهذا الحدّ فبه يفرق على رأي ابن سنان بين الاستعارة المرضية والاستعارة المطرحة؛ فإذا وجدنا استعارة في كلام ما عرضناها على هذا الحد؛ فما وجدنا فيه مناسبة بين المنقول عنه والمنقول إليه حكمنا له بالجودة، وما لم نجد فيه تلك المناسبة حكمنا عليه بالرداءة، وبيت امريء القيس من الاستعارات المرضية؛ لأنه لو لم يكن لليل صدر أعني أوّلا ولم يكن له وسط وآخر لما حسنت هذه الاستعارة، ولمّا كان الأمر كذلك استعار لوسطه صلبا وجعله متمطيّا واستعار لصدره المتثاقل- أعني أوّله- كلكلا وجعله نائيا، واستعار لآخره عجزا وجعله رادفا لوسطه؛ وكل ذلك من الاستعارة المناسبة.
وأما قول ابن سنان الخفاجي: «إن الاستعارة المبنية على استعارة أخرى بعيدة مطرحة» فإن في هذا القول نظرا، وذاك أنه قد ثبت لنا أصل نقيس عليه في الفرق بين الاستعارة المرضية والمطّرحة، كما أريناك، ولا يمنع ذلك من أن تجيء استعارة مبنية على استعارة أخرى وتوجد فيها المناسبة المطلوبة في الاستعارة المرضية فإنه قد ورد في القرآن الكريم ما هو من هذا الجنس، وهو قوله تعالى:
[ ١ / ٣٧١ ]
«وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف»
؛ فهذه ثلاث استعارات ينبني بعضها على بعض؛ فالأولى: استعارة القرية للأهل، والثانية: استعارة الذّوق للباس، والثالثة:
استعارة اللباس للجوع والخوف، وهذه الاستعارات الثلاث من التناسب على ما لا خفاء به، فكيف يذمّ ابن سنان الخفاجي الاستعارة المبنية على استعارة أخرى؟ وما أقول إن ذلك شذ عنه، إلا لأنه لم ينظر إلى الأصل المقيس عليه، وهو التناسب بين المنقول عنه والمنقول إليه، بل نظر إلى التقسيم الذي هو قسّمه في القرب أو البعد، ورأى أن الاستعارة المبنية على استعارة أخرى تكون بعيدة، فحكم عليها بالاطّراح، وإذا كان الأصل إنما هو التناسب فلا فرق بين أن يوجد في استعارة واحدة أو في استعارة مبنية على استعارة، ولهذا أشباه ونظائر في غير الاستعارة، ألا ترى أن المنطقيّ في المقدمة والنتيجة: كل إنسان حيوان، وكل حيوان نام، فكل إنسان نام، وكذلك يقول المهندس في الأشكال الهندسية: إذا كان خط أب مثل خط بج، وخط بج مثل خط جد؛ فخط أب مثل خط جد، وهكذا أقول أنا في الاستعارة: إذا كانت الاستعارة الأولى مناسبة ثم بنى عليها استعارة ثانية وكانت أيضا مناسبة فالجميع متناسب، وهذا أمر برهاني لا يتصور إنكاره.
وهذا الشكل الذي أوردته ههنا هو اعتراض على ما ذكره ابن سنان الخفاجي في الاستعارة، فلا تظن أني موافقه في الأصل، وإنما وافقته قصدا لتبيين وجه الخطأ في كلامه، وكيف يسوغ لي موافقته، وقد ثبت عندي بالدليل أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له؟.
وفيما قدمته من الكلام كفاية.
[ ١ / ٣٧٢ ]