وهو نفي الشيء بإثباته، وهو من مستطرفات علم البيان، وذاك أنك تذكر كلاما يدلّ ظاهره أنه نفي لصفة موصوف، وهو نفي للموصوف أصلا.
فمما جاء منه قول علي بن أبي طالب ﵁ في وصف مجلس رسول الله ﷺ «لا تنثى فلتاته» «١» أي لا تذاع سقطاته، فظاهر هذا اللفظ أنه كان ثمّ فلتات غير أنها لا تذاع، وليس المراد ذلك، بل المراد أنه لم يكن ثمّ فلتات فتنثى، وهذا من أغرب ما توسعت فيه اللغة العربية، وقد ورد في الشعر كقول بعضهم:
ولا ترى الضّبّ بها ينجحر «٢»
فإن ظاهر المعنى من هذا البيت أنه كان هناك ضبّ ولكنه غير منحجر، وليس كذلك، بل المعنى أنه لم يكن هناك ضبّ أصلا.
وهذا النوع من الكلام قليل الاستعمال، وسبب ذلك أن الفهم يكاد يأباه، ولا يقبله إلا بقرينة خارجة عن دلالة لفظه على معناه، وما كان عاريا عن قرينة فإنه لا يفهم منه ما أراد قائله.
[ ٢ / ٦١ ]
وسأوضح ذلك فأقول: أما قولنا عن مجلس رسول الله ﷺ «لا تنثى فلتاته» فإن مفهوم هذا اللفظ أنه كان هناك فلتات إلا أنها تطوى ولا تنشر، وتكتم ولا تذاع، ولا يفهم منه أنه لم يكن هناك فلتات إلا بقرينة خارجة عن اللف، وهي أنه قد ثبت في النفوس، وتقرر عند العقول، أن مجلس رسول الله ﷺ منزّه عن فلتات تكون به، وهو أكرم من ذلك وأوقر؛ فلما قيل: «إنه لا تنثى فلتاته» فهمنا منه أنه لم يكن هناك فلتات أصلا، وأما قول القائل:
ولا ترى الضّبّ بها ينجحر
فإنه لا قرينة تخصصه حتى يفهم منه ما فهم من الأول، بل المفهوم أنه كان هناك ضبّ ولكنه غير منجحر.
ولقد مكثت زمانا أطوف على أقوال الشعراء قصدا للظفر بأمثلة من الشعر جارية هذا المجرى فلم أجد إلا بيتا لامريء القيس «١»، وهو:
على لاحب لا يهتدى لمناره إذا سافه العود الدّيافيّ جرجرا «٢»
فقوله «لا يهتدي لمناره» أي: أن له منارا إلا أنه لا يهتدي به، وليس المراد ذلك، بل المراد أنه لا منار له يهتدي به.
ولي أنا في هذا بيت من الشعر، وهو:
أدنين جلباب الحياء فلن يرى لذيولهنّ على الطّريق غبار
وظاهر هذا الكلام أن هؤلاء النساء يمشين هونا لحيائهن فلا يظهر لذيولهن غبار على
[ ٢ / ٦٢ ]
الطريق، وليس المراد ذلك، بل المراد أنهن لا يمشين على الطريق أصلا: أي أنهنّ مخبّات لا يخرجن من بيوتهن؛ فلا يكون إذا لذيولهن على الطريق غبار، وهذا حسن رائق، وهو أظهر بيانا من قوله:
ولا ترى الضّبّ بها ينجحر
فمن استعمل هذا النوع من الكلام فليستعمله هكذا، وإلا فليدع، على أن الإكثار من استعماله عسر؛ لأنه لا يظهر المعنى فيه.
[ ٢ / ٦٣ ]