وهو مأخوذ من ترصيع العقد، وذاك أن يكون فى أحد جانبي العقد من اللآلئ مثل ما في الجانب الآخر، وكذلك نجعل هذا في الألفاظ المنثورة من الأسجاع، وهو أن تكون كل لفظة من ألفاظ الفصل الأول مساوية لكل لفظة من ألفاظ الفصل الثاني في الوزن والقافية، وهذا لا يوجد في كتاب الله تعالى؛ لما هو عليه من زيادة التكلف؛ فأما قول من ذهب إلى أن في كتاب الله منه شيئا ومثله بقوله تعالى: «إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم»
فليس الأمر كما وقع له؛ فإن لفظه (لفي) قد وردت في الفقرتين معا، وهذا يخالف شرط الترصيع الذي شرطناه، لكنه قريب منه، وأما الشعر فإني كنت أقول: إنه لا يتّزن على هذه الشريطة، ولم أجده في أشعار العرب؛ لما فيه من تعمّق الصنعة وتعسف الكلفة، وإذا جيء به في الشعر لم يكن عليه محض الطلاوة التي تكون إذا جيء به في
[ ١ / ٢٥٨ ]
الكلام المنثور، ثم إني عثرت عليه في شعر المحدثين، ولكنه قليل جدا؛ فمن ذلك قول بعضهم:
فمكارم أوليتها متبرّعا وجرائم ألغيتها متورّعا «١»
فمكارم بإزاء جرائم، وأوليتها بإزاء ألغيتها، ومتبرعا بإزاء متورعا.
وقد أجاز بعضهم أن يكون أحد ألفاظ الفصل الأول مخالفا لما يقابله من الفصل الثاني، وهذا ليس بشيء؛ لمخالفته حقيقة الترصيع.
فمما جاء من هذا النوع منثورا قول الحريري في مقاماته: «فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»؛ فإنه جعل ألفاظ الفصل الأول مساوية لألفاظ الفصل الثاني وزنا وقافية؛ فجعل يطبع بإزاء يقرع، والأسجاع بإزاء الأسماع، وجواهر بإزاء زواجر، ولفظه بإزاء وعظه.
ومما جاءني من هذا النوع ما ذكرته في جواب كتاب إلى بعض الإخوان، وهو: قد أعدت الجواب ولم أستعر له نظما ملفّقا، ولا جلبت إليه حسنا منمّقا، بل أخرجته على رسله، وغنيت بصقال حسنه عن صقله، فجاء كما تراه غير ممشوط ولا مخطوط، فهو يرفل في أثواب بذلته، وقد حوى الجمال بجملته، والحسن ما وشته فطرة التصوير، لا ما حشته فكرة التزوير.
والترصيع في قولي: «وشته فطرة التصوير» و«حشته فكرة التزوير» .
وكذلك ورد قولي في فصل من الكلام يتضمن تثقيف الأولاد؛ فقلت: من قوّم أود أولاده، ضرّم كمد حسّاده؛ فهذه الألفاظ متكافئة في ترصيعها، فقوّم بإزاء ضرّم، وأود بإزاء كمد، وأولاده بإزاء حساده.
وكذلك قول بعضهم في الأمثال المولدة التي لم ترد عن العرب، وهو: من أطاع غضبه أضاع أدبه؛ فأطاع بإزاء أضاع، وغضبه بإزاء أدبه.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وقد ورد هذا الضرب كثيرا في الخطب التي أنشأها الشيخ الخطيب عبد الرحيم بن نباتة ﵀:
فمن ذلك قوله في أول خطبة: الحمد لله عاقد أزمّة الأمور بعزائم أمره، وحاصد أئمة الغرور بقواصم مكره، وموفّق عبيده لمغانم ذكره، ومحقّق مواعيده بلوازم شكره؛ فالألفاظ التي جاءت في الفصلين الأولين متساوية وزنا وقافية، والتي جاءت في الفصلين الآخرين فيها تخالف في الوزن؛ فإن مواعيد تخالف وزن عبيد، ولا تخالف قافيتها التي هي الدال.
ومن ذلك قوله أيضا في جملة خطبة: أولئك الذين أفلوا فنجمتم، ورحلوا فأقمتم، وأبادهم الموت كما علمتم، وأنتم الطامعون في البقاء بعدهم كما زعمتم، كلا! والله ما أشخصوا لتقروا، ولا نغّصوا لتسرّوا، ولا بد أن تمروا حيث مروا، فلا تثقوا بخدع الدنيا ولا تغتروا؛ وهذا الكلام فيه أيضا ما في الذي قبله من صحة الوزن والقافية وصحة القافية دون الوزن.
وكذلك قوله أيضا في خطبة أخرى: أيها الناس، أسيموا القلوب في رياض الحكم، وأديموا النّحيب على ابيضاض اللّمم، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم، وأجيلوا الأفكار في انقراض الأمم.
وأما ما ورد في الشعر على مخالفة بعض الألفاظ بعضا فكقول ذي الرمة «١»:
كحلاء في برج صفراء في دعج كأنّها فضّة قد مسّها ذهب «٢»
وصدر هذا البيت مرصع، وعجزه خال من الترصيع؛ وعذر الشاعر في ذلك واضح؛ لأنه مقيد بالوقوف مع الوزن والقافية، ألا ترى أن ذا الرمة بنى قصيدته على
[ ١ / ٢٦٠ ]
حرف الباء؛ ولو رصع هذا البيت الترصيع الحقيقي لكان يلزمه أن يأتي بألفاظه على حرفين حرفين أحدهما الباء، أو كان يقسم البيت نصفين ويماثل بين ألفاظ هذا النصف وهذا النصف، وذلك مما يعسر وقوعه في الشعر.
وأرباب هذه الصناعات قد قسموا الترصيع إلى هذين القسمين المذكورين، وهذه القسمة لا أراها صوابا؛ لأن حقيقة الترصيع موجودة في القسم الأول دون الثاني.
ومما جاء من هذا القسم الثاني قول الخنساء «١»:
حامي الحقيقة محمود الخليفة مه ديّ الطّريقة نفّاع وضرّار
وكذلك قول الآخر «٢»:
سود ذوائبها بيض ترائبها محض ضرائبها صيغت من الكرم