وهو قولنا: «إنه يحتاج إلى معرفة اللغة مما تداول استعماله» فسيرد بيانه عند ذكر اللفظة الواحدة، والكلام على جيدها ورديئها في المقالة المختصة بالصناعة اللفظية.
ويفتقر أيضا مؤلّف الكلام إلى معرفة عدة أسماء لما يقع استعماله في النظم والنثر؛ ليجد إذا ضاق به موضع في كلامه بإيراد بعض الألفاظ [سعة في] العدول عنه إلى غيره، مما هو في معناه، وهذه الأسماء تسمى المترادفة، وهي اتحاد المسمّى واختلاف أسمائه، كقولنا: الخمر، والراح، والمدام؛ فإن المسمّى بهذه الأسماء شيء واحد، وأسماؤه كثيرة.
وكذلك يحتاج إلى معرفة الأسماء المشتركة ليستعين بها على استعمال التجنيس في كلامه، وهي اتحاد الاسم واختلاف المسميات، كالعين؛ فإنها تطلق على العين الناظرة، وعلى ينبوع الماء، وعلى المطر، وغيره، إلا أن المشتركة تفتقر
[ ١ / ٣٧ ]
في الاستعمال إلى قرينة تخصّصّها؛ كي لا تكون مبهمة، لأنا إذا قلنا: عين؛ ثم سكتنا، وقع ذلك على محتملات كثيرة من العين الناظرة والعين النابعة والمطر وغيره مما هو موضوع بإزاء هذا الاسم، وإذا قرنّا إليه قرينة تخصه زال ذلك الإبهام؛ بأن نقول: عين حسناء، أو عين نضّاخة «١»، أو ملثّة «٢»، أو غير ذلك.
وهذا موضع للعلماء فيه مجاذبات جدلية:
فمنهم من ينكر أن يكون اللفظ المشترك حقيقة في المعنيين جميعا، ويقول:
إن ذلك يخلّ بفائدة وضع اللغة؛ لأن اللغة إنما هي وضع الألفاظ في دلالتها «٣» على المعاني: أي وضع الأسماء على المسميات لتكون منبئة عنها عند إطلاق اللفظ، والاشتراك لا بيان فيه، وإنما هو ضدّ البيان، لكن طريق البيان أن يجعل أحد المعنيين في اللفظ المشترك حقيقة والآخر مجازا؛ فإذا قلنا «هذه كلمة»، وأطلقنا القول؛ فهم منه اللفظة الواحدة، وإذا قيدنا اللفظ فقلنا «هذه كلمة شاعرة» فهم منه القصيدة المقصدة من الشعر، وهي مجموع كلمات كثيرة، ولو أطلقنا من غير تقييد وأردنا القصيدة من الشعر لما فهم مرادنا ألبتة.
هذا خلاصة ما ذهب إليه من ينكر وقوع اللفظ المشترك في المعنيين حقيقة، وفي ذلك ما فيه، وسأبين ما يدخله من الخلل؛ فأقول في الجواب عن ذلك ما استخرجته بفكري، ولم يكن لأحد فيه قول من قبلي.
وهو أمّا قولك «إن فائدة وضع اللغة إنما هو البيان عند إطلاق اللفظ، واللفظ المشترك يخل بهذه الفائدة»، فهذا غير مسلّم، بل فائدة وضع اللغة هو البيان والتحسين.
أما البيان فقد وفى [به] الأسماء المتباينة التي هي كل اسم واحد دلّ على
[ ١ / ٣٨ ]
مسمى واحد، فإذا أطلق اللفظ في هذه الأسماء كان بينا مفهوما لا يحتاج إلى قرينة، ولو لم يضع الواضع من الأسماء شيئا غيرها لكان كافيا في البيان.
وأما التحسين فإن الواضع لهذه اللغة العربية التي هي أحسن اللغات نظر إلى ما يحتاج إليه أرباب الفصاحة والبلاغة فيما يصوغونه من نظم ونثر، ورأى أنّ من مهمات ذلك التّجنيس، ولا يقوم به إلا الأسماء المشتركة التي هي كل اسم واحد دلّ على مسميين فصاعدا، فوضعها من أجل ذلك، وهذا الموضع يتجاذبه جانبان يترجح أحدهما على الآخر، وبيانه أن التحسين يقضي بوضع الأسماء المشتركة، ووضعها يذهب بفائدة البيان عند إطلاق اللفظ، وعلى هذا فإن وضعها الواضع ذهب بفائدة البيان، وإن لم يضع ذهب بفائدة التحسين، لكنه إن وضع استدرك ما ذهب من فائدة البيان بالقرينة، وإن لم يضع لم يستدرك ما ذهب من فائدة التحسين، فترجّح حينئذ جانب الوضع؛ فوضع.
فإن قيل: فلم لا تنسب الأسماء المشتركة إلى اختلاف القبائل لا إلى واضع واحد؟.
قلت في الجواب «١»: هذا تعسف لا حاجة إليه، وهو مدفوع من وجهين:
أحدهما: ما قدمت القول فيه من الترجيح الذي سوّغ للواضع أن يضع. الآخر: أنّا نرى أنه قد ورد من الجموع ما يقع على مسمّيين اثنين، كقولهم: كعاب، جمع كعب الذي هو كعب الرجل، وجمع كعبة وهي البنيّة المعروفة، وإذا أطلقنا اللفظ فقلنا «كعاب» من غير قرينة لا يدرى ما المراد بذلك: أكعب الرجل أم البنيّة المعروفة؟ وكذلك ورد واحد وجمع على وزن واحد، كقولهم: راح، اسم للخمر، وراح جمع راحة وهي الكف؛ وكقولهم: عقاب، وهو الجزاء على الذنب، وجمع عقبة أيضا؛ وفي اللغة من هذا شيء كثير، وهو بالإجماع من علماء العربية أنه لم يجر فيه خلاف بين القبائل، فاتضح بهذا أن الأسماء المشتركة من واضع واحد.
[ ١ / ٣٩ ]
فإن قلت: إن الواضع إنما وضع المفرد من الألفاظ والجمع وضعه غيره.
قلت في الجواب: إن الذي وضع المفرد هو الذي وضع الجمع؛ لأن من قواعد وضع اللغة أن يوضع المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، والمصغر، والمكبر، والمصادر، وأسماء الفاعلين، وما جرى هذا المجرى، وإذا أخلّ بشيء من ذلك كان قد أخلّ بقاعدة من قواعد وضع اللغة، ثم لو سلمت إليك أن واضع الجمع غير واضع المفرد لكان ذلك قدحا في الواضع الثاني؛ إذ جاء بالإبهام عند إطلاق اللفظ، لأنه جمع كعبة التي هي البنيّة وكعب الرجل، على كعاب؛ وهذا لفظ مشترك مبهم عند الإطلاق، ولا فرق بين أن يضعه الواضع الأول أو واضع ثان؛ فإن الإبهام حاصل منه.
وكان فاوضني بعض الفقهاء في قوله تعالى في سورة البقرة: صفراء فاقع لونها تسر الناظرين
وقال: إن لون البقرة كان أسود، والأصفر هو الأسود، فأنكرت عليه هذا القول، فأخذ يجادل مجادلة غير عارف، ويعزو ذلك إلى تفسير النقاش، وتفسير البلاذري، فقلت له: اعلم أن هذا الاسم الذي هو الأصفر لا يخلو في دلالته على الأسود من وجهين: إما أنه من الأسماء المتباينة التي يدل كل اسم منها على مسمّى واحد كالإنسان والأسد والفرس وغير ذلك، وإما أنه من الأسماء المشتركة التي يدل الاسم منها على مسمّيين فصاعدا، ولا يجوز أن يكون من الأسماء المتباينة؛ لأنا نراه متجاذبا بين لونين: أحدهما: هذا اللون الزعفراني الشكل، والآخر: اللون المظلم الشكل، وعلى هذا فإنه يكون من الأسماء المشتركة، وإذا كان من الأسماء المشتركة فلا بدّ له من قرينة تخصصه باللون الزعفراني دون اللون المظلم؛ لأن الله تعالى قال: صفراء فاقع لونها
والفاقع من صفات اللون الزعفراني خاصة؛ لأنه قد ورد للألوان صفات متعددة لكل لون منها صفة، فقيل: أبيض يقق، وأسود حالك، وأحمر قان، وأصفر فاقع، ولم يقل أسود فاقع، ولا أصفر حالك، فعلم حينئذ أن لون البقرة لم يكن أسود، وإنما كان أصفر، فلما تحقّق عند ذلك الفقيه ما أشرت إليه أذعن بالتسليم.