ولم أذكر هذا الموضع لأن يجري الأمر فيه على ما يجري مجراه فقط، بل لأن يقاس عليه مواضع أخرى مما تماثله وتشابهه، ولو كان شبها بعيدا.
وإنما يعدل عن أحد الخطابين إلى الآخر لضرب التأكيد والمبالغة.
فمن ذلك قولنا: قام زيد وإنّ زيدا قائم، فقولنا «قام زيد» معناه الإخبار عن زيد بالقيام، وقولنا «إن زيدا قائم» معناه الإخبار عن زيد بالقيام أيضا، إلا أن في الثاني زيادة ليست في الأول، وهي توكيده بإنّ المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها، وإذا زيد في خبرها اللام فقيل: إنّ زيدا لقائم؛ كان ذلك أكثر توكيدا في الإخبار بقيامه، وهذا مثال ينبني عليه أمثلة كثيرة من غير هذا النوع.
فمما جاء من ذلك قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم
فإنهم إنما خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم بالجملة الاسمية المحققة بإنّ المشددة لأنهم في مخاطبة إخوانهم بما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اعتقاد الكفر والبعد من أن يزلوا عنه على صدق ورغبة ووفور نشاط، فكان ذلك متقبّلا منهم، ورائجا عند إخوانهم؛ وأما الذي خاطبوا به المؤمنين، فإنما قالوا تكلفا وإظهارا للإيمان خوفا ومداجاة، وكانوا يعلمون أنهم لو قالوه بأوكد لفظ وأسدّه لما راج لهم عند المؤمنين إلا رواجا ظاهرا لا باطنا، ولأنهم ليس لهم في عقائدهم باعث قوي على النطق في خطاب المؤمنين بمثل ما خاطبوا به إخوانهم من العبارة المؤكدة؛ فلذلك قالوا في خطاب المؤمنين آمنا
وفي خطاب إخوانهم إنا معكم
وهذه نكت تخفى على من ليس له قدم راسخة في علم الفصاحة والبلاغة.
[ ٢ / ٥١ ]
ومما يجري هذا المجرى ورود لام التوكيد في الكلام، ولا يجيء ذلك إلا لضرب من المبالغة، وفائدته أنه إذا عبر عن أمر يعزّ وجوده أو فعل يكثر وقوعه جيء باللام تحقيقا لذلك.
فمما جاء منه قوله تعالى في أول سورة المنافقين: إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون
فانظر إلى هذه اللامات الثلاثة الواردة في خبر إنّ، والأولى وردت في قول المنافقين، وإنما وردت مؤكدة لأنهم أظهروا من أنفسهم التصديق برسالة النبي ﷺ، وتملّقوا، وبالغوا في التملق، وفي باطنهم خلافه، وأما ما ورد في الثانية والثالثة فصحيح لا ريب فيه، والسلام في الثانية لتصديق رسالته، وفي الثالثة لتكذيب المنافقين فيما كانوا يظهرونه من التصديق الذين هم على خلافه.
وكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف ﵇: قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون. أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون
فإنه إنما جيء باللام ههنا لزيادة التوكيد في إظهار المحبة ليوسف ﵇ والإشفاق عليه؛ ليبلغوا الغرض من أبيهم في السماحة بإرساله معهم.
ومن هذا الباب قوله تعالى: أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون. لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون
ثم قال: أفرأيتم الماء الذي تشربون. أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون. لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون
ألا ترى كيف أدخلت اللام في آية المطعوم دون آية المشروب! وإنما جاءت كذلك لأن جعل الماء العذب ملحا أسهل إمكانا في العرف والعادة والموجود من الماء الملح أكثر من الماء العذب، وكثيرا ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة فلم يحتج في جعل الماء العذب ملحا إلى زيادة تأكيد، فلذلك لم تدخل عليه لام التأكيد المفيدة زيادة التحقيق، وأما المطعوم فإن جعله حطاما من الأشياء الخارجة عن المعتاد، وإذا وقع فلا يكون إلا عن سخط من الله شديد، فلذلك قرن بلام التأكيد زيادة في تحقيق أمره وتقريره إيجاده.
[ ٢ / ٥٢ ]
ومما يتصل بذلك قوله تعالى: وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون
فاللام في لنحن
هي اللام المشار إليها.
وكذلك ورد قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا
فإن هذه اللام في قوله:
ليستخلفنهم
وليمكنن
وليبدلنهم
إنما جاءت لتحقيق الأمر وإثباته في نفوس المؤمنين وأنه كائن لا محالة.
ومما يجري هذا المجرى في التوكيد لام الابتداء المحققة لما يأتي بعدها، كقوله تعالى: إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا
فاللام في ليوسف
لام الابتداء، وفائدتها تحقيق مضمون الجملة الواردة بعدها: أي أن زيادة حبه إياهما أمر ثابت لامراء فيه.
ومن هذا النوع قول بعضهم:
والشّيب إن يظهر فإنّ وراءه عمرا يكون خلاله متنفّس
لم ينتقص منّي المشيب قلامة ولما بقى منّي ألبّ وأكيس
فقوله «ولما بقى مني» تقديره وما بقي مني، وإنما أدخل على «ما» هذه اللام قصدا لتأكيد المعنى؛ لأنه موضع يحتاج ألى التأكيد، ألا ترى أن قوّة العمر في الشباب، ولما أراد هذا الشاعر أن يصف المشيب، وليس مما يوصف وإنما يذم، أتى باللام لتؤكد ما قصده من الصفة.
وكذلك ورد قول الشاعر من أبيات الحماسة «١»:
إنّا لنصفح عن مجاهل قومنا ونقيم سالفة العدوّ الأصيد «٢»
[ ٢ / ٥٣ ]
ومتى نجد يوما فساد عشيرة نصلح وإن نر صالحا لا نفسد «١»
وهذا كثير سائغ في الكلام، إلا أنه لا يتأتى لمكان العناية بما يعبر به عنه، ألا ترى إلى قول الشاعر: «إنا لنصفح عن مجاهل قومنا» فإنه لما كان الصفح مما يشقّ على النفس فعله؛ لأنه مقابلة الشر بالخير والإساءة بالإحسان؛ أكّده باللام، تحقيقا له. فإن عرى الموضع الذي يؤتى فيه بهذه اللام من هذه الفائدة المشار إليها وما يجري مجراه، فإنّ ورود اللام فيه لغير سبب اقتضاه.
وأكثر ما تستعمل هذه اللام في جواب القسم لتحقيق الأمر المقسم عليه، وذلك في الإيجاب، دون النفي؛ لأنها لا تستعمل في النفي، ألا ترى أنه لا يقال:
والله للاقمت، وإنما يقال: والله لا قمت، لكن في الإيجاب تستعمل، ويكون استعمالها حسنا، كقولك: والله لأقوم، فإن أضيف «٢» إليها النونان الخفيفة والثقيلة كان ذلك أبلغ في التأكيد كقولك: والله لأقومنّ، وعلى ذلك وردت الآية المتقدم ذكرها، وهي قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات
؛ وإن لم يكن جوابا لقسم فالنون الواردة بعد اللام زيادة في التأكيد، وهما تأكيدان أحدهما مردف بالآخر.
وكذلك فاعلم أن النون الثقيلة متصلة بهذا الباب، فإذا استعملت في موضع فإنما يقصد بها التأكيد.
فمما جاء منها قول البحتري في معاتبة الفتح بن خاقان «٣»:
[ ٢ / ٥٤ ]
هل يجلبنّ إليّ عطفك موقف ثبت لديك أقول فيه وتسمع «١»
ما زال لي من حسن رأيك موئل آوي إليه من الخطوب ومفزع
فعلام أنكرت الصّديق وأقبلت نحوي جناب الكاشحين تطلّع «٢»
وأقام يطمع في تهضّم جانبي من لم يكن من قبل فيه يطمع
إلّا يكن ذنب فعدلك واسع أو كان لي ذنب فعفوك أوسع
وهذه أبيات حسنة مليحة في بابها، يمحى بها حرّ الصدود، ويستمال بها صعر الخدود، وإنما ذكرتها بجملتها لمكان حسنها، والبيت الأول هو المراد، ألا ترى أنه قال: «هل يجلبنّ ألى عطفك موقف» فالنون جاءت قصدا للتأكيد، وهو في هذا المقام متمنّ، فأحبّ أن يؤكد هذه الأمنية، وكل ما يجيء من هذا الباب فإنه واقع هذا الموقع، وإذا استعمل عبثا لغير فائدة تقتضيه فإنه لا يكون استعماله إلا من جاهل بالأسرار المعنوية، وأما ما يمثل به النحاة من قول القائل: والله لأقومنّ، فإنه مثال نحويّ يضرب للجواز، وإلا فإذا قال القائل: والله لأقومنّ، وأكده، كان ذلك لغوا، لأنه ليس في قيامه من الأمر العزيز ولا من الأمر العسير ما يحتاج معه إلى التأكيد، بل لو قال: والله لأقومنّ إليك، مهدّدا له، لكان ذلك واقعا في موقعه، فافهم هذا وقس عليه.
[ ٢ / ٥٥ ]