وهو حذف زيادات الألفاظ؛ وهذا نوع من الكلام شريف لا يتعلق به إلا فرسان البلاغة من سبق إلى غايتها وما صلّى، وضرب في أعلى درجاتها بالقدح المعلّى، وذلك لعلو مكانه، وتعذر إمكانه.
والنظر فيه إنما هو إلى المعاني لا إلى الألفاظ، ولست أعني بذلك أن تهمل الألفاظ بحيث تعرى عن أوصافها الحسنة، بل أعني أن مدار النظر في هذا النوع إنما يختصّ بالمعاني؛ فربّ لفظ قليل يدل على معنى كثير، وربّ لفظ كثير يدل على معنى قليل، ومثال هذا كالجوهرة الواحدة بالنسبة إلى الدراهم الكثيرة؛ فمن ينظر إلى طول الألفاظ يؤثر الدراهم بكثرتها، ومن ينظر إلى شرف المعاني يؤثر الجوهرة الواحدة لنفاستها، ولهذا سمّى النبيّ ﷺ الفاتحة أم الكتاب، وإذا نظرنا الى مجموعها وجدناه يسيرا، وليست من الكثرة إلى غاية تكون بها أم البقرة وآل عمران وغيرها من السور الطوال؛ فعلمنا حينئذ أن ذلك الأمر يرجع إلى معانيها.
والكلام في هذا الموضع يخرج بنا إلى غير ما نحن بصدده؛ لأنه يحتاج فيه إلى ذكر المراد بالقرآن الكريم وما يشتمل عليه سوره وآياته إلى حصر أقسام معانيه، لكنا نشير في ذلك إشارة خفيفة؛ فنقول:
المراد بالقرآن هو دعوة العباد إلى الله تعالى، ولذلك انحصرت سوره وآياته في ستة أقسام: ثلاثة منها هي الأصول، وثلاثة هي الفروع.
أما الأصول فالأول منها: تعريف المدعوّ إليه، وهو الله تعالى، ويشتمل هذا الأصل على ذكر ذاته وصفاته وأفعاله؛ والأصل الثاني: تعريف الصراط المستقيم الذي تجب ملازمته في السلوك إلى الله تعالى ويشتمل هذا الأصل على التّبتّل بعبادة الله بأفعال القلب وأفعال الجوارح؛ والأصل الثالث: تعريف الحال بعد الوصول إلى
[ ٢ / ٦٨ ]
الله تعالى، أعني بعد الموت، ويشتمل هذا الأصل على تفصيل أحوال الدار الآخرة من الجنة والنار والصراط والميزان والحساب، وأشباه ذلك؛ فهذه الأصول الثلاثة.
وأما الفروع فالأول منها: تعريف أحوال المجيبين للدعوة، ولطائف صنع الله بهم من النّصرة والإدالة، وتعريف أحوال المخالفين للدعوة والمحادّين لها، وكيفية صنع الله في التّدمير عليهم والتنكير بهم، والفرع الثاني: ذكر مجادلة الخصوم ومحاجّتهم، وحملهم بالمجادلة والمحاجّة على طريق الحق، وهؤلاء هم اليهود والنصارى ومن يجري مجراهم من أرباب الشرائع، والفلاسفة والملحدة من غير أرباب الشرائع؛ والفرع الثالث: تعريف عمارة منازل الطريق، وكيفية أخذ الزاد والأهبة للاستعداد، وذاك قياس الشريعة، وتبيين الحكمة في أوامرها التي تتعلق بأفعال أهل التكليف.
فهذه الأقسام الستة المشار إليها هي التي تدور معاني القرآن عليها ولا تتعداها وههنا تقسيم آخر يطول الخطب فيه، ولا حاجة إلى ذكره.
وإذا نظرنا إلى سورة الفاتحة وتأمّلنا ما فيها من المعاني وجدناها مشتملة على أربعة أقسام من الستة المذكورة، ولذلك سماها النبي ﷺ «أم الكتاب» كما أنه قال:
«إن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن» وإذا نظرنا في الأقسام الستة وجدنا سورة الإخلاص بمنزلة ثلث القرآن، وكذلك قال ﷺ: «آية الكرسي سيدة آي القرآن» ويروى أنه سأل أبيّ بن كعب ﵁ فقال: «أي آية معك في كتاب الله أعظم؟» فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم؛ فضرب في صدره، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر» وكل هذا يرجع إلى المعاني لا إلى الألفاظ، فاعرف ذلك وبينه لرموزه وأسراره.
واعلم أن جماعة من مدّعي علم البيان ذهبوا إلى أن الكلام ينقسم قسمين:
فمنه ما يحسن فيه الإيجاز كالأشعار والمكاتبات، ومنه ما يحسن فيه التطويل كالخطب والتقليدات وكتب الفتوح التي تقرأ في ملإ من عوامّ الناس؛ فإن الكلام إذا طال في مثل ذلك أثر عندهم وأفهمهم، ولو اقتصر فيه على الإيجاز والإشارة لم
[ ٢ / ٦٩ ]
يقع لأكثرهم حتى يقال في ذكر الحرب: التقى الجمعان، وتطاعن الفريقان، واشتد القتال، وحمي النضال، وما جرى هذا المجرى.
والمذهب عندي في ذلك ما أذكره، وهو أن فهم العامة ليس شرطا معتبرا في اختيار الكلام؛ لأنه لو كان شرطا لوجب على قياسه أن يستعمل في الكلام الألفاظ العامية المبتذلة عندهم؛ ليكون ذلك أقرب إلى فهمهم؛ لأن العلة في اختيار تطويل الكلام إذا كانت فهم العامة إياه فكذلك تجعل تلك العلة بعينها في اختيار المبتذل من الكلام؛ فإنه لا خلاف في أن العامة إلى فهمه أقرب من فهم ما يقل ابتذالهم إياه، وهذا شيء مدفوع، وأما الذي يجب توخّيه واعتماده فهو أن يسلك المذهب القويم في تركيب الألفاظ على المعاني، بحيث لا تزيد هذه على هذه، مع الإيضاح والإبانة، وليس على مستعمل ذلك أن يفهم العامة كلامه؛ فإن نور الشمس إذا لم يره الأعمى لا يكون ذلك نقصا في استنارته، وإنما النقص في بصر الأعمى حيث لم يستطع النظر إليه:
عليّ نحت القوافي من معادنها وما عليّ بأن لا تفهم البقر
وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فلنرجع إلى ما هو غرضنا ومهمنا من الكلام على الإيجاز، وحدّه وأقسامه، ونوضح ذلك إيضاحا جليا، والله الموفق للصواب.
فنقول: حدّ الإيجاز هو دلالة اللفظ على المعنى من غير أن يزيد عليه، والتطويل هو ضد ذلك، وهو أن يدلّ المعنى بلفظ يكفيك بعضه في الدلالة عليه، كقول الهجير السّلولي من أبيات الحماسة «١»:
طلوع الثّنايا بالمطايا وسابق إلى غاية من يبتدرها يقدّم «٢»
[ ٢ / ٧٠ ]
فصدر هذا البيت فيه تطويل لا حاجة إليه، وعجزه من محاسن الكلام المتواصفة، وموضع التطويل من صدره أنه قال: «طلوع الثنايا بالمطايا» فإن لفظة المطايا فضلة لا حاجة إليها، وبيان ذلك أنه لا يخلو الأمر فيها من وجهين: إما أن يريد أنه سابق الهمة إلى معالي الأمور، كما قال الحجاج على المنبر عند وصوله العراق:
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا
أي: أنا الرجل المشهور السابق إلى معالي الأمور؛ فإن أراد العجير بقوله «طلوع الثنايا» ما أشرت إليه فذكر المطايا يفسد ذلك المعنى؛ لأن معالي الأمور لا يرقى إليها بالمطايا، وإن أراد الوجه الآخر، وهو أنه كثير الأسفار؛ فاختصاصه الثنايا بالذكر دون الأرض من المفاوز وغيرها لا فائدة فيه، وعلى كلا الوجهين فإن ذكر المطايا فضلة لا حاجة إليه، وهو تطويل بارد غثّ.
فقس على هذا المثال ما يجري مجراه من التطويلات التي إذا أسقطت من الكلام بقي على حاله لم يتغير شيء.
وكذلك يجري الأمر في ألفاظ يوصل بها الكلام؛ فتارة تجيء لفائدة، وذلك قليل، وتارة تجيء لغير فائدة، وذلك كثير؛ وأكثر ما ترد في الأشعار ليوزن بها الأبيات الشعرية، وذلك نحو قولهم: لعمري، ولعمرك، ونحو أصبح وأمسى وظلّ وأضحى وبات، وأشباه ذلك، ونحو يا صاحبي ويا خليلي، وما يجري هذا المجرى.
فمما جاء منه قول أبي تمام «١»:
أقرّوا لعمري لحكم السّيوف وكانت أحقّ بفضل القضاء «٢»
[ ٢ / ٧١ ]
فإن قوله «لعمري» زيادة لا حاجة للمعنى إليها، وهي حشو في هذا البيت، لا فائدة فيه إلا إصلاح الوزن لا غير، ألا ترى أنها من باب القسم، وإنما يرد القسم في موضع يؤكد به المعنى المراد، إمّا لأنه مما يشك فيه أو مما يعزّ وجوده أو ما جرى هذا المجرى، وهذا البيت الشعري لا يفتقر معناه إلى توكيد قسميّ؛ إذ لا شك في أن السيوف حاكمة، وأن كل أحد يقرّ لحكمها، ويذعن لطاعتها وكذلك قوله أيضا «١» .
إذا أنا لم ألم عثرات دهر بليت به الغداة فمن ألوم
فقوله «الغداة» زيادة لا حاجة للمعنى إليها؛ لأنه يتم بدونها؛ لأن عثرات الدهر لم تنله الغداة ولا العشي، وإنما نالته، ونيلها إياه لا بد وأن يقع في زمن من الأزمنة كائنا ما كان، ولا حاجة إلى تعيينه بالذكر.
وعلى هذا ورد قول البحتري «٢»:
ما أحسن الأيّام إلّا أنّها يا صاحبيّ إذا مضت لم ترجع «٣»
فقوله «يا صاحبي» زيادة لا حاجة بالمعنى إليها؛ إلا أنها وردت لتصحيح الوزن لا غير.
وهذه الألفاظ التي ترد في الأبيات الشعرية لتصحيح الوزن لا عيب فيها، لأنا لو عبناها على الشعراء لحجّرنا عليهم وضيقنا، والوزن يضطر في بعض الأحوال إلى مثل ذلك، لكن أذا وردت في الكلام المنثور فإنها إن وردت حشوا ولم ترد لفائدة كانت عيبا.
[ ٢ / ٧٢ ]
وقد ترد في الأبيات الشعرية ويكون ورودها لفائدة وذلك هو الأحسن، كقول البحتري «١»:
قوم أهانوا الوفر حتّى أصبحوا أولى الأنام بكلّ عرض وافر «٢»
فقوله «أصبحوا» بمعنى صاروا: أي أنهم صاروا أولى الناس بالأعراض الوافرة، وهذه اللفظة لم ترد في هذا البيت حشوا كما وردت في بيتي أبي تمام المقدم ذكرهما.
وسأزيد هذا الموضع بيانا بمثال أضربه للتطويل، حتى يستدل به على أمثاله وأشباهه، والمثال الذي أضربه هو حكاية أوردت بمحضر مني، وذاك أنه جلس إليّ في بعض الأيام جماعة من الإخوان، وأخذوا في مفاوضة الأحاديث، وانساق ذلك إلى ذكر غرائب الوقائع التي تقع في العالم، فذكر كل من الجماعة شيئا، فقال شخص منهم: إني كنت بالجزيرة العمرية في زمن الملك فلان، وكنت إذ ذاك صبيا صغيرا، فاجتمعت أنا ونفر من الصبيان في الحارة الفلانية، وصعدنا ألى سطح طاحون لبني فلان، وأخذنا نلعب على السطح، فوقع صبي منا الى أرض الطاحون، فوطئه بغل من بغال الطاحون، فخفنا أن يكون آذاه، فأسرعنا النزول إليه، فوجدناه قد وطئه البغل؛ فختنه ختانة صحيحة حسنة لا يستطيع الصانع الحاذق أن يفعل خيرا منها؛ فقال له شخص من الحاضرين: والله إن هذا عيّ فاحش، وتطويل كثير لا حاجة إليه؛ فإنه بصدد أن تذكر أنك كنت صبيا تلعب مع الصبيان على سطح طاحون فوقع صبي منكم إلى أرض الطاحون، فوطئه بغل من
[ ٢ / ٧٣ ]
بغال الطاحون فختنه ولم يؤذه، ولا فرق بين أن تكون هذه الواقعة في بلد نعرفه أو في بلد لا نعرفه، ولو كانت بأقصى المشرق أو بأقصى المغرب لم يكن ذلك قدحا في غرابتها، وأما أن تذكر أنها كانت بالجزيرة العمرية في الحارة الفلانية في طاحون بني فلان، وكان زمن الملك فلان، فإن مثل هذا كله تطويل لا حاجة إليه، والمعنى المقصود يفهم بدونه.
فاعلم أيها الناظر في كتابي هذا أن التطويل هو زيادات الألفاظ في الدلالة على المعاني، ومهما أمكنك حذف شيء من اللفظ في الدلالة على معنى من المعاني فإن ذلك اللفظ هو التطويل بعينه.
وأما الإيجاز فقد عرفتك أنه دلالة اللفظ على المعنى، من غير أن يزيد عليه.
وهو ينقسم قسمين: أحدهما: الإيجاز بالحذف، وهو ما يحذف منه المفرد، والجملة؛ لدلالة فحوى الكلام على المحذوف، ولا يكون إلا فيما زاد معناه على لفظه؛ والقسم الآخر: ما لا يحذف منه شيء، وهو ضربان: أحدهما: مأساوي لفظه معناه، ويسمى التقدير، والآخر ما زاد معناه على لفظه، ويسمى القصر.
واعلم أن القسم الأول الذي هو الإيجاز بالحذف يتنبه له من غير كبير كلفه في استخراجه؛ لمكان المحذوف منه.
وأما القسم الثاني فإن التنبه له عسر؛ لأنه يحتاج إلى فضل تأمل، وطول فكرة؛ لخفاء ما يستدل عليه، ولا يستنبط ذلك إلا من رست قدمه في ممارسة علم البيان، وصار له خليفة وملكة، ولم أجد أحدا علّم هذين القسمين بعلامة، ولا قيّدهما بقيد، وقد أشرت إلى ذلك فيما يأتي من هذا الباب عند تفصيل أمثلتهما فليؤخذ من هناك.
فإن قيل: إن هذا التقسيم الذي قسمته في المحذوف وغير المحذوف ليس بصحيح؛ لأن المعاني ليس أجساما كالألفاظ حتى يصحّ التقدير بينهما، ثم لو سلمت جواز التقدير في المساواة لم أسلّم جواز الزيادة، فليس لقائل أن يقول: هذا المعنى زائد على هذا اللفظ؛ لأنه إن قال ذلك قيل: فمن أين فهمت تلك الزيادة الخارجة عن اللفظ، وقد علم أن الألفاظ إنما وضعت للدلالة على إفهام المعاني،
[ ٢ / ٧٤ ]
فإن قال: إنها فهمت من شيء خارج عن اللفظ، قيل له: فتلك الزيادة بإزاء ذلك الشيء الخارج عن اللفظ، والباقي مساو للفظ، وإن قال: إنها فهمت من اللفظ، قيل: فكيف تفهم منه وهي زائدة عليه؟ فإن قال: إنها فهمت من تركيبه، لأن التركيب أمر زائد على اللفظ، قيل: الألفاظ تدلّ بانفرادها على معنى، وبتركيبها على معنى آخر، واللفظ المركب يدلّ على معنى مركب، واللفظ المفرد يدلّ على معنى مفرد، وتلك الزيادة إن أريد بها زيادة معنى المركب على المركب فلا يخلو:
إما أن تكون تلك الزيادة مفهومة من دلالة اللفظ المركب عليها، أو من دلالة شيء خارج؛ فإن كانت مفهومه من دلالته عليها لم تكن زائدة عليه؛ إذ لو كانت زائدة عليه لما دلّ عليها، وإن كانت مفهومة من دلالة الشيء الخارج عنه فهي بإزاء ذلك الشيء الخارج، والباقي مساو للباقي.
فالجواب عن ذلك أن نقول: هذا الذي ذكره كلام شبيه بالسفسطة، وهو باطل من وجهين: أحدهما: أن المعاني إذا كانت لا تزيد على الألفاظ فيلزم من ذلك أن الألفاظ لا تزيد أيضا على المعاني؛ لأنهما متلازمان على قياسك، ونحن نرى معنى قد دلّ عليه بألفاظ، فإذا أسقط من تلك الألفاظ شيء لا ينقص ذلك المعنى، بل يبقى على حاله، والوجه الآخر: إن الإيجاز بالحذف أقوى دليلا على زيادة المعاني على الألفاظ؛ لأنا نرى اللفظ يدلّ على معنى لم يتضمنه، وفهم ذلك المعنى ضرورة لا بد منه، فعلمنا حينئذ أن ذلك المعنى الزائد على اللفظ مفهوم من دلالته عليه.
فإن قيل: إن المعنى الزائد على اللفظ المحذوف لا بد له من تقدير لفظ آخر يدل عليه، وتلك الزيادة بإزاء ذلك اللفظ المقدر.
قلت في الجواب عن ذلك: هذا لا ينقض ما ذهبت إليه من زيادة المعنى على اللفظ؛ لأن المعنى ظاهر، واللفظ الدال عليه مضمر، وإذا كان مضمرا فلا ينطق به، وإذا لم ينطق به فكأنه لم يكن، وحينئذ يبقى المعنى موجودا، واللفظ الدال عليه غير موجود، وكذلك كل ما يعلم من المعاني بمفهوم الخطاب؛ ألا ترى أنك إذا قلت لمن دخل عليك: أهلا وسهلا، علم أن الأهل والسهل منصوبان بعامل محذوف تقديره وجدت أهلا ولقيت سهلا، إلا أن لفظتي وجدت ولقيت
[ ٢ / ٧٥ ]
محذوفتان، والمعنى الذي دلّا عليه باق، فصار المعنى حينئذ مفهوما مع حذفهما فهو إذا زائد لا محالة، وكذلك جميع المحذوفات على اختلافها وتشعّب مقاصدها، وهذا لا نزاع فيه؛ لبيانه ووضوحه.
وقد سنح لي في زيادة المعنى على اللفظ في غير المحذوفات دليل أنا ذاكره، وهو أنا نجد من الكلام ما يدل على معنيين وثلاثة، واللفظ واحد، والمعاني التي تحته متعددة.
فأما الذي يدل على معنيين فالكنايات جميعها، كالذي ورد في الحديث عن النبي ﷺ وعن أصحابه ﵃ أنهم كانوا إذا خرجوا من عنده لا يتفرقون إلا عن ذواق، وهذا يدلّ على معنيين: أحدهما: إطعام الطعام: أي أنهم لا يخرجون من عنده حتى يطعموا، الآخر: أنهم لا يتفرقون إلا عن استفادة علم وأدب يقوم لأنفسهم مقام الطعام لأجسامهم.
وأما الذي يدل على ثلاثة معان فكقول أبي الطيب المتنبي «١»:
وأظلم أهل الظّلم من بات حاسدا لمن بات في نعمائه يتقلّب
فهذا يدلّ على ثلاثة معان: الأول: أنه يحسد من أنعم عليه، الثاني: ضد الأول، الثالث: أنه يحسد كل ربّ نعمة كائنا من كان: أي يحسد من بات في نعماء نفسه يتقلب.
وهذا وأمثاله من أدلّ الدليل على زيادة المعنى على اللفظ، وهو شيء استخرجته، ولم يكن لأحد فيه قول سابق.
وحيث فرغنا من الكلام على هذا الموضع فلنتبعه بذكر أقسام الإيجاز المشار إليها أولا وما ينصرف إليه؛ فنقول: أما الإيجاز بالحذف فإنه عجيب الأمر، شبيه
[ ٢ / ٧٦ ]
بالسحر، وذاك أنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر، والصّمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون مبينا إذا لم تبين، وهذه جملة تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر.
والأصل في المحذوفات جميعها على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدلّ على المحذوف؛ فإن لم يكن هناك دليل على المحذوف فإنه لغو من الحديث لا يجوز بوجه، ولا سبب، ومن شرط المحذوف في حكم البلاغة أنه متى أظهر صار الكلام الى شيء غثّ لا يناسب ما كان عليه أولا من الطلاوة والحسن؛ وقد يظهر المحذوف بالإعراب كقولنا: وسهلا، فإن نصب الأهل والسهل يدلّ على ناصب محذوف، وليس لهذا من الحسن ما للذي لا يظهر بالإعراب، وإنما يظهر بالنظر إلى تمام المعنى، كقولنا: فلان يحلّ ويعقد؛ فإن ذلك لا يظهر المحذوف فيه بالإعراب، وإنما يظهر بالنظر إلى تمام المعنى: أي أنه يحلّ الأمور ويعقدها، والذي يظهر بالإعراب يقع في المفردات من المحذوفات كثيرا، والذي لا يظهر بالإعراب يقع في الجمل من المحذوفات كثيرا.
وسأذكر في كتابي هذا ما وصل إليّ علمه، وهو ينقسم قسمين: أحدهما:
حذف الجمل، والآخر: حذف المفردات، وقد يرد كلام في بعض المواضع ويكون مشتملا على القسمين معا.