وهي أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الوزن، وأن يكون صدر البيت الشعري وعجزه متساوي الألفاظ وزنا، وللكلام بذلك طلاوة ورونق، وسببه الاعتدال؛ لأنه مطلوب في جميع الأشياء، وإذا كانت مقاطع الكلام معتدلة وقعت من النفس موقع الاستحسان، وهذا لا مراء فيه لوضوحه.
وهذا النوع من الكلام هو أخو السجع في المعادلة دون المماثلة؛ لأن في السجع اعتدالا وزيادة على الاعتدال، وهي تماثل أجزاء الفواصل لورودها على حرف واحد، وأما الموازنة ففيها الاعتدال الموجود في السجع، ولا تماثل في فواصلها؛ فيقال إذا: كل سجع موازنة، وليس كل موازنة سجعا، وعلى هذا فالسجع أخص من الموازنة.
[ ١ / ٢٧٢ ]
فمما جاء منها قوله تعالى: «وآتيناهما الكتاب المستبين، وهديناهما الصراط المستقيم»
فالمستبين والمستقيم على وزن واحد.
وكذلك قوله تعالى في سورة مريم ﵍: «واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا، كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا، ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا، فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا» .
وكذلك قوله تعالى في سورة طه: «من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا، خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا» .
وكذلك ورد قوله تعالى في سورة حم عسق: «والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد، الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب، يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد، الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز، من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب، أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم، ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير»
، وهذه الآيات جميعها على وزن واحد؛ فإن «شديد» و«قريب» و«بعيد» و«عزيز» و«نصيب» و«أليم» و«كبير» كل ذلك على وزن فعيل، وإن اختلف حروف المقاطع التي هي فواصلها.
وأمثال هذا في القرآن كثير، بل معظم آياته جارية على هذا النهج، حتى إنه لا تخلو منه سورة من السور، ولقد تصفّحته فوجدته لا يكاد يخرج منه شيء عن السجع والموازنة.
[ ١ / ٢٧٣ ]
وأما ما جاء من هذا النوع شعرا فقول ربيعة بن ذؤابة «١»:
إن يقتلوك فقد ثلت عروشهم بعتيبة بن الحرث بن شهاب
بأشدّهم بأسا على أصحابه وأعزّهم فقدا على الأصحاب «٢»
فالبيت الثاني هو المختص بالموازنة؛ فإن بأسا وفقدا على وزن واحد.