هذا النوع من الكلام أنعمت نظري فيه، وفي التكرير، وفي التطويل؛ فملكتني حيرة الشّبه بينها طويلا، وكنت في ذلك كعمر بن الخطاب ﵁ في الكلالة حيث قال: قد أعياني أمر الكلالة، وكنت سألت رسول الله ﷺ عنها كثيرا حتى ضرب في صدري، وقال: «ألا يكفيك آية الصّيف «١»» .
وبعد أن أنعمت نظري في هذا النوع الذي هو الإطناب وجدت ضربا «٢» من ضروب التأكيد التي يؤتى بها في الكلام قصدا للمبالغة، ألا ترى أنه ضرب مفرد من بينها برأسه لا يشاركه فيه غيره؛ لأن من التأكيد ما يتعلق بالتقديم والتأخير؛ كتقديم المفعول، وبالاعتراض «٣»؛ كالاعتراض بين القسم وجوابه وبين المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك، وسيأتي الكلام عليه في بابه. وهذا الضرب الذي هو الإطناب ليس كذلك.
ورأيت علماء البيان قد اختلفوا فيه؛ فمنهم من ألحقه بالتطويل الذي هو ضد الإيجاز، وهو عنده قسم غيره، فأخطأ من حيث لا يدري؛ كأبي هلال العسكري، والغانمي، حتى إنه قال: إن كتب الفتوح وما جرى مجراها مما يقرأ على عوامّ الناس ينبغي أن تكون مطولة مطنبا فيها؛ وهذا القول فاسد؛ لأنه إن عنى بذلك أنها تكون ذات معان متعددة قد استقصى فيها شرح تلك الحادثة من فتح أو غيره فذلك مسلّم، وإن عني بذلك أنها تكون مكرّرة المعاني مطولة الألفاظ قصدا لإفهام العامة فهذا غير مسلّم، وهو مما لا يذهب إليه من عنده أدنى معرفة بعلم الفصاحة
[ ٢ / ١١٩ ]
والبلاغة، ويكفي في بطلانه كتاب الله تعالى؛ فإنه لم يجعل لخواصّ الناس فقط، وإنما جعل لعوامهم وخواصّهم، وأكثره لا بل جميعه مفهوم الألفاظ للعوام، إلا كلمات معدودة، وهي التي تسمى غريب القرآن، وقد تقدم الكلام على ذلك في المقالة الأولى المختصة بالألفاظ، وعلى هذا فينبغي أن تكون الكتب جميعها مما يقرأ على عوامّ الناس وخواصهم ذات ألفاظ سهلة مفهومة، وكذلك الأشعار والخطب، ومن ذهب إلى غير ذلك فإنه بنجوة عن هذا الفن، وعلى هذا فإن الإطناب لا يختص به عوام الناس، وإنما هو للخواصّ كما هو للعوام. وسأبين حقيقته في كتابي هذا، وأحقق القول فيه بحيث تزول الشبهة التي خبط أرباب علم البيان من أجلها، وقالوا أقوالا لا تعرب عن فائدة.
والذي عندي فيه أنه إذا رجعنا إلى الأسماء واشتقاقها وجدنا هذا الاسم مناسبا لمسماه، وهو في أصل اللغة مأخوذ من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه، ويقال:
أطنبت الريح؛ إذا اشتدّت في هبوبها، وأطنب في السير؛ إذا اشتد فيه، وعلى هذا فإن حملناه على مقتضى مسماه كان معناه المبالغة في إيراد المعاني، وهذا لا يختص بنوع واحد من أنواع علم البيان، وإنما يوجد فيها جميعها؛ إذ ما من نوع منها إلا ويمكن المبالغة فيه، وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يفرد هذا النوع من بينها، ولا يتحقق إفراده الا بذكر حدّه الدال على حقيقته.
والذي يحدّ به أن يقال: هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة؛ فهذا حدّه الذي يميزه عن التطويل؛ إذ التطويل هو: زيادة اللفظ عن المعنى لغير فائدة، وأما التكرير فإنه: دلالة على المعنى مردّدا، كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع؛ فإن المعنى مردّد واللفظ واحد، وسيرد بيان ذلك مفصّلا في بابه بعد باب الإطناب بعضها بعضا؛ وإذا كان التكرير هو إيراد المعنى مرددا فمنه ما يأتي لفائدة ومنه ما يأتي لغير فائدة؛ فأما الذي يأتي لفائدة «١» فإنه جزء من الإطناب وهو أخص منه؛ فيقال حينئذ: إن كل تكرير يأتي لفائدة فهو إطناب وليس كل إطناب تكريرا يأتي لفائدة،
[ ٢ / ١٢٠ ]
وأما الذي يأتي من التكرير لغير فائدة فإنه جزء من التطويل، وهو أخص منه، فيقال حينئذ: إن كل تكرير يأتي لغير فائدة تطويل، وليس كل تطويل تكريرا يأتي لغير فائدة.
وكنت قدمت القول في باب الإيجاز بأن الإيجاز هو: دلالة اللفظ على المعنى من غير زيادة عليه.
وإذا تقررت هذه الحدود الثلاثة المشار إليها فإن مثال الإيجاز والإطناب والتطويل مثال مقصد يسلك إليه في ثلاثة طرق؛ فالإيجاز هو أقرب الطرق الثلاثة إليه، والإطناب والتطويل هما الطريقان المتساويان في البعد إليه، إلا أن طريق الإطناب تشتمل على منزّه من المنازه لا يوجد في طريق التطويل، وسيأتي بيان ذلك بضرب الأمثلة التي تسهل من معرفته.
والإطناب يوجد تارة في الجملة الواحدة من الكلام، ويوجد تارة في الجمل المتعددة، والذي يوجد في الجمل المتعددة أبلغ؛ لاتساع المجال في إيراده.
وعلى هذا فإنه بجملته ينقسم قسمين: