وهذا موضع لطيف المؤخذ، دقيق المغزى، وما رأيت أحدا من علماء هذه الصناعة تعرّض إليه، ولا ذكره، وما أقول إنهم لم يعرفوه؛ فإن هذا النوع من الكلام أشهر من أن يخفى؛ لأنه مذكور في كتب العربية جميعها، ولست أعني بإيراده ههنا ما يذكره النحويون من أن الحروف العاطفة تتبع [المعطوف] المعطوف عليه في الإعراب، ولا أن الحروف الجارة تجرّ ما تدخل عليه، بل أمرا وراء ذلك، وإن كان المرجع فيه الى الأصل النحوي، فأقول:
إن أكثر الناس يضعون هذه الحروف في غير مواضعها؛ فيجعلون ما ينبغي أن يجرّ بعلى بفي في حروف الجرّ، وفي هذه الأشياء دقائق أذكرها لك.
أما حروف العطف فنحو قوله تعالى: والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين. والذي يميتني ثم يحيين
فالأول عطفه بالواو التي هي للجمع، وتقديم الإطعام على الإسقاء والإسقاء على الإطعام جائز لولا مراعاة حسن النظم، ثم عطف الثاني بالفاء؛ لأن الشفاء يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهما، ثم عطف الثالث بثم؛ لأن الإحياء يكون بعد الموت بزمان، ولهذا جيء في عطفه بثم التي هي للتراخي، ولو قال قائل في موضع هذه الآية الذي يطعمني ويسقين ويمرضني ويشفين ويميتني ويحيين لكان للكلام معنى تام إلا أنه لا يكون كمعنى الآية؛ إذ كل شيء منها قد عطف بما يناسبه ويقع موقع السداد منه.
ومما جاء من هذا الباب قوله تعالى: قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره، ثم السبيل يسره، ثم أماته فأقبره، ثم إذا شاء أنشره
ألا ترى أنه لما قال: من نطفة خلقه
كيف قال: فقدره
ولم يقل ثم قدّره؛ لأن التقدير لما كان تابعا للخلقة وملازما لها عطفه عليها بالفاء، وذلك بخلاف قوله:
[ ٢ / ٤٦ ]
ثم السبيل يسره
؛ لأن بين خلقته وتقديره في بطن أمه وبين إخراجه منه وتسهيل سبيله مهلة وزمانا؛ فلذلك عطفه بثم، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره
؛ لأن بين إخراجه من بطن أمه وبين موته تراخيا وفسحة، وكذلك بين موته ونشوره أيضا، ولذلك عطفهما بثم، ولما لم يكن بين موت الإنسان وإقباره تراخ ولا مهلة عطفه بالفاء، وهذا موضع من علم البيان شريف، وقلما يتفطن لاستعماله كما ينبغي.
ومما جاء من ذلك أيضا قوله تعالى في قصة مريم وعيس ﵉:
فحملته فانتبذت به مكانا قصيا. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا
وفي هذه الآية دليل على أنه حملها به ووضعها إياه كانا متقاربين؛ لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت إليه والمخاض الذي هو الطّلق بالفاء، وهي للفور، ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي والمهلة، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى قتل الإنسان ما أكفره. من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره. ثم السبيل يسره
فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه منه مدّة متراخية عطف ذلك بثم، وهذا بخلاف قصة مريم ﵍، فإنها عطفت بالفاء، وقد اختلف الناس في مدة حملها؛ فقيل: إنه كان كحمل غيرها من النساء، وقيل: لا، بل كان مدة ثلاثة أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، وهذه الآية مزيلة للخلاف؛ لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة، وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل؛ أخذا بما دلت عليه الآية.
ومما ورد من هذا الأسلوب قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر
ففي الآية المتقدم ذكرها قال: من نطفة خلقه فقدره
فعطف التقدير على الخلق بالفاء؛ لأنه تابع له، ولم يذكر تفاصيل حال المخلوق، وفي هذه الآية ذكر تفاصيل حاله في تنقله، فبدأ بالخلق الأول، وهو خلق آدم من طين، ولما عطف عليه الخلق الثاني الذي هو
[ ٢ / ٤٧ ]
خلق النسل عطفه بثم؛ لما بينهما التراخي، وحيث صار إلى التقدير الذي يتبع بعضه بعضا من غير تراخ عطفه بالفاء، ولما انتهى إلى جعله ذكرا أو أنثى- وهو آخر الخلق- عطفه بثم.
فإن قيل: إنه قد عطف المضغة على العلقة في هذه الآية بالفاء، وفي أخرى بثم، وهي قوله تعالى: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة.
فالجواب عن ذلك «١» .
واعلم أن في حروف العطف موضعا تلتبس [فيه] الفاء بالواو، وهو موضع يحتاج فيه إلى فضل تأمل، وذلك أن فعل المطاوعة لا يعطف عليه إلا بالفاء، دون الواو، وقد يجيء من الأفعال ما يلتبس بفعل المطاوعة، ويعطي ظاهره أنه كذلك إلا أن معناه يكون مخالفا لمعنى فعل المطاوعة فيعطف حينئذ بالواو؛ لا بالفاء، كقوله تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه
فقوله: أغفلنا قلبه
ههنا بمعنى صادفناه غافلا، وليس منقولا عن غفل حتى يكون معناه صددناه؛ لأنه لو كان كذلك لكان معطوفا عليه بالفاء، وقيل: فاتبع هواه، وذلك أنه يكون مطاوعا، وفعل المطاوعة لا يعطف إلا بالفاء، كقولك: أعطيته فأخذ أو دعوته فأجاب، ولا تقول: أعطيته وأخذ، ولا دعوته وأجاب، كما لا يقال: كسرته وانكسر. وكذلك لو كان معنى أغفلنا في الآية صددنا ومنعنا لكان معطوفا عليه بالفاء، وكان يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه، فلما لم يكن كذلك وكان العطف عليه
[ ٢ / ٤٨ ]
بالواو؛ فطريقة أنه لما قال: أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه
أن يكون معناه وجدناه غافلا؛ فقد غفل لا محالة؛ فكأنه قال: ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا واتبع هواه: أي لا تطع من فعل كذا وكذا، يعدّد أفعاله التي توجب ترك طاعته، فاعرف ذلك.
وأما حروف الجر فإن الصواب يشذ عن وضعها في مواضعها، وقد علم أن «في» للوعاء، و«على» للاستعلاء، كقولهم: زيد في الدار، وعمرو على الفرس، لكن إذا أريد استعمال ذلك في غير هذين الموضعين مما يشكل استعماله عدل فيه عن الأولى.
فمما ورد منه قوله تعالى: قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين
ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى المقصود لمخالفة حرفي الجر ههنا؛ فإنه إنما خولف بينهما في الدخول على الحق والباطل لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركض به حيث شاء، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض فيه لا يدري أين يتوجه، وهذا معنى دقيق قلما يراعى مثله في الكلام، وكثيرا ما سمعت إذا كان الرجل يلوم أخاه أو يعاتب صديقه على أمر من الأمور؛ فيقول له: أنت على ضلالك القديم كما أعهدك، فيأتي بعلى في موضع في، وإن كان هذا جائزا، إلا أنّ استعمال «في» ههنا أولى؛ لما أشرنا إليه، ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة يوسف: قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم.
ومن هذا النوع قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل
فإنه إنما عدل عن اللام إلى «في» في الثلاثة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره باللام؛ لأن «في» للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشيء في الوعاء، وأن يجعلوا مظنة لها، وذلك لما في فك الرقاب وفي الغرم من التخلص، وتكرير «في» في قوله: وفي سبيل
[ ٢ / ٤٩ ]
الله
دليل على ترجيحه على الرقاب وعلى الغارمين، وسياق الكلام أن يقال: وفي الرقاب والغارمين وسبيل الله وابن السبيل، فلما جيء بفي ثانية وفصل بها بين الغارمين وبين سبيل الله علم أن سبيل الله أوكد في استحقاق النفقة فيه، وهذه لطائف ودقائق لا توجد إلا في هذا الكلام الشريف، فاعرفها وقس عليها.
[ ٢ / ٥٠ ]