أن يرد على غير هذين الوجهين؛ فلا يكون استفهاما، ولا نفيا وإثباتا، وذلك كقول أبي تمام «١»:
يتجنّب الآثام ثمّ يخافها فكأنّما حسناته آثام
وهذا البيت تختلف نسخ ديوانه في إثباته؛ فمنها ما يجيء فيه:
يتجنّب الأيّام خيفة غيّها فكأنّما حسناته آثام
[ ٢ / ٨١ ]
وليس بشيء؛ لأن المعنى لا يصح به، وكنت سئلت عن معناه، وقيل: كيف ينطبق عجز البيت على صدره، وإذا تجنب الآثام وخافها فكيف تكون حسناته آثاما؟
فأفكرت فيه وأنعمت نظري فسنح لي في القرآن الكريم آية مثله، وهي قوله تعالى:
والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة
وفي صدر البيت إضمار فسّر في عجزه، وتقديره أنه يتجنب الآثام فيكون قد أتى بحسنة، ثم يخاف تلك الحسنة، فكأنما حسناته آثام، وهو على طباق الآية سواء.
ومن الإضمار على شريطة التفسير قول أبي نواس:
سنّة العشّاق واحدة فإذا أحببت فاستكن
فحذف لفظ الاستكانة من الأول، وذكره في الثاني: أي سنة العشاق واحدة، وهي الاستكانة، فإذا أحببت فاستكن، ومن الناس من يقول: «فإذا أحببت فاستنن» وهذا لا معنى له؛ لأنه إذا لم يبين سنة العشاق ما هي فبأي شيء يستنّ المستنّ منها؛ لكنه ذكر السنة في صدر البيت من غير بيان ثم بينها في عجزه.