فهو أن تتساوى حروف ألفاظه في تركيبها ووزنها، كقوله تعالى: ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة
وليس في القرآن الكريم سوى هذه الآية، فاعرفها، ويروى في الأخبار النبوية أن الصحابة نازعوا جرير بن عبد الله البجلي زمامه فقال رسول الله ﷺ: «خلّوا بين جرير والجرير» أي: دعوا زمامه.
[ ١ / ٢٤١ ]
ومما جاء منه في الشعر قول أبي تمام «١»:
فأصبحت غرر الأيّام مشرقة بالنّصر تضحك عن أيّامك الغرر
فالغرر الأولى استعارة من غرر الوجه، والغرر الثانية مأخوذة من غرة الشيء أكرمه؛ فاللفظ إذا واحد والمعنى مختلف.
وكذلك قوله «٢»:
من القوم جعد أبيض الوجه والنّدى وليس بنان يجتدى منه بالجعد
فالجعد: السيد، والبنان الجعد: ضد السّبط؛ فأحدهما يوصف به السخي، والآخر يوصف به البخيل.
وكذلك قوله «٣»:
بكلّ فتى ضرب يعرّض للقنا محيّى محلّى حليه الطّعن والضّرب
فالضّرب: الرجل الخفيف، والضّرب بالسيف في الحرب.
وكذلك قوله «٤»:
عداك حرّ الثّغور المستضامة عن برد الثّغور وعن سلسالها الخصب
[ ١ / ٢٤٢ ]
فالثغور: جمع ثغر، وهو واحد الأسنان، وهو أيضا البلد الذي على تخوم العدو.
ثم قال في هذه القصيدة:
كم أحرزت قضب الهنديّ مصلتة تهتزّ من قضب تهتزّ في كثب
بيض إذا انتضيت من حجبها رجعت أحقّ بالبيض أبدانا من الحجب
فالقضب: السيوف، والقضب: القدود على حكم الاستعارة، وكذلك البيض: السيوف، والبيض: النساء، وهذا من النادر الذي لا يتعلق به أحد.
وكذلك قوله «١»:
إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدّعوا صدور العوالي في صدور الكتائب
فلفظ الصدور في هذا البيت واحد، والمعنى مختلف.
وكذلك قوله «٢»:
عامي وعام العيس بين وديقة مسجورة وتنوفة صيهود «٣»
وعداك: صرفك، والثغور الثانية: مواضع المخافة في البلاد، والثغور الأولى: جمع ثغر، وهو الفم، والخصب: وقع في بعض نسخ الديوان بالخاء المعجمة، وفي بعضها بالحاء المهملة، وفسرت تفسيرا بعيدا.
[ ١ / ٢٤٣ ]
حتّى أغادر كلّ يوم بالفلا للطّير عيدا من بنات العيد «١»
فالعيد: فحل من فحول الإبل، والعيد: اليوم المعروف من الأيام.
وقد أكثر أبو تمّام من التجنيس في شعره؛ فمنه ما أغرب فيه فأحسن؛ كالذي ذكرته، ومنه ما أتى به كريها مستثقلا، كقوله «٢»:
ويوم أرشق والهيجاء قد رشقت من المنّية رشقا وابلا قصفا «٣»
وكقوله «٤»:
يا مضغنا خالدا لك الثّكل إنّ خلّد حقدا عليك في خلده «٥»
وكقوله «٦»:
وأهل موقان إذ ماقوا فلا وزر أنجاهم منك في الهيجا ولا سند «٧»
[ ١ / ٢٤٤ ]
وكقوله «١»:
مهلا بني مالك لا تجلبنّ إلى حيّ الأراقم دؤلول ابنة الرّقم «٢»
ثم قال فيها:
من الرّدينيّة اللّائي إذا عسلت تشمّ بوّ الصّغار الأنف ذا الشّمم «٣»
وكقوله «٤»:
قرّت بقرّان عين الدّين واشتترت بالأشترين عيون الشّرك فاصطلما «٥»
وله من هذا الغث البارد المتكلف شيء كثير لا حاجة إلى استقصائه، بل قد أوردنا منه قليلا يستدلّ به على أمثاله.
ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس:
عبّاس عبّاس إذا احتدم الوغى والفضل فضل والرّبيع ربيع
[ ١ / ٢٤٥ ]
وكذلك قوله:
فقل لأبي العبّاس إن كنت مذنبا فأنت أحقّ النّاس بالأخذ بالفضل
فلا تجحدوني ودّ عشرين حجّة ولا تفسدوا ما كان منكم من الفضل
وعلى هذا النّهج ورد قول البحتري «١»:
إذا العين راحت وهي عين على الهوى فليس بسرّ ما تسرّ الأضالع
فالعين: الجاسوس؛ والعين: معروفة.
وكذلك ورد قول بعضهم:
وترى سوابق دمعها فتواكفت ساق تجاوب فوق ساق ساقا
فالساق: ساق الشجرة، والساق: القمري من الطيور.
وعلى هذا الأسلوب جاء قول بعض المتأخرين، وهو الشاعر المعروف بالمعرّي في قصيدة قصد بها التجنيس في كثير من أبياتها، فمن ذلك ما أورده في مطلعها:
لوزارنا طيف ذات الخال أحيانا ونحن في حفر الأجداث أحيانا
ثم قال في أبياتها:
تقول: أنت امرؤ جاف مغالطة فقلت: لا هوّمت أجفان أجفانا «٢»
وكذا قال في آخرها:
لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به فلا برحت لعين الدّهر إنسانا
[ ١ / ٢٤٦ ]
ورأيت الغانمي قد ذكر في كتابه بابا، وسماه «رد الأعجاز على الصدور» خارجا عن باب التجنيس، وهو ضرب منه، وقسم من جملة أقسامه، كالذي نحن بصدد ذكره ههنا، فمما أورده الغانمي من الأمثلة في ذلك قول بعضهم:
ونشري بجميل الصّنع ذكرا طيّب النّشر
ونفري بسيوف الهند من أسرف في النّفر
وبحري في شرى الحمد على شاكلة البحر
وكذلك قول بعضهم في الشيب:
يا بياضا أذرى دموعي حتّى عاد منها سواد عيني بياضا
وكذلك قول البحتري:
وأغرّ في الزّمن البهيم محجّل قد رحت منه على أغرّ محجّل
كالهيكل المبنيّ إلّا أنّه في الحسن جاء كصورة في هيكل
وليس الأخذ على المعاني في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على أن ينصب نفسه لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي «١» ذكرناها داخلا في الآخر؛ فيذهب عليه ذلك، ويخفى عنه، وهو أشهر من فلق الصباح.
وربما جهل بعض الناس فأدخل في التجنيس ما ليس منه؛ نظرا إلى مساواة اللفظ دون اختلاف المعنى؛ فمن ذلك قول أبي تمام «٢»:
أظنّ الدّمع في خدّي سيبقي رسوما من بكائي في الرّسوم
وهذا ليس من التجنيس في شيء؛ إذا حدّ التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف
[ ١ / ٢٤٧ ]
المعنى، وهذا البيت المشار إليه هو اتفاق اللفظ والمعنى معا، وهذا مما ينبغي أن ينبه عليه ليعرف.
ومن علماء البيان من جعل له اسما سمّاه به، وهو الترديد: أي أن اللفظة الواحدة ردّدت فيه.
وحيث نبهت عليه ههنا فلا أحتاج أن أعقد له بابا أفرده بالذكر فيه.
وأما الأقسام الستة المشبهة بالتجنيس؛ فالقسم الأول منها: أن تكون الحروف متساوية في تركيبها مختلفة في وزنها، فمما جاء من ذلك قول النبي ﷺ: «اللهمّ كما حسّنت خلقي حسّن خلقي» ألا ترى أن هاتين اللفظتين متساويتان في التركيب، مختلفتان في الوزن؛ لأن تركيب الخلق والخلق من ثلاثة أحرف، وهي الخاء واللام والقاف، إلا أنهما قد اختلفا في الوزن، إذ وزن الخلق فعل بفتح الفاء، ووزن الخلق فعل بضم الفاء.
ومن هذا القسم قول بعضهم: «لا تنال غرز المعالي إلّا بركوب الغرر واهتبال الغرر» .
وقال البحتري «١»:
وفرّ الحائن المغرور يرجو أمانا أيّ ساعة ما أمان «٢»
يهاب الإلتفات وقد تهيّا للحظة طرفه طرف السّنان «٣»
وكذلك ورد قول الآخر:
قد ذبت بين حشاشة وذماء ما بين حرّ هوى وحرّ هواء
[ ١ / ٢٤٨ ]