(بسم الله الرّحمن الرّحيم) نسأل الله ربّنا أن يبلغ بنا من الحمد ما هو أهله، وأن يعلّمنا من البيان ما يقصر عنه مزيّة الفضل «١» وأصله، وحكمة الخطاب وفضله؛ ونرغب إليه أن يوفقنا للصلاة على نبينا ومولانا محمد رسوله الذي هو أفصح من نطق بالضاد، ونسخ هديه شريعة كل هاد، وعلى آله وصحبه الذي منهم من سبق وبدر، ومنهم من صابر وصبر، ومنهم من آوى ونصر «٢» .
وبعد؛ فإن علم البيان لتأليف النظم والنثر بمنزلة أصول الفقه للأحكام وأدلة الأحكام؛ وقد ألّف الناس فيه كتبا، وجلبوا ذهبا وحطبا، وما من تأليف إلّا وقد تصفّحت شينه وسينه «٣»، وعلمت غثّه وسمينه؛ فلم أجد ما ينتفع به في ذلك إلّا كتاب الموازنة لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمديّ، وكتاب سر الفصاحة لأبي محمد عبد الله بن سنان الخفاجيّ، غير أن كتاب الموازنة أجمع أصولا، وأجدى
[ ١ / ٢٣ ]
محصولا، وكتاب سر الفصاحة- وإن نبّه فيه على نكت منيرة- فإنه قد أكثر، مما قلّ به مقدار كتابه، من ذكر الأصوات والحروف والكلام عليها، ومن الكلام على اللفظة المفردة وصفاتها مما لا حاجة إلى أكثره، ومن الكلام في مواضع شذّ عنه الصواب فيها، وسيرد بيان ذلك كله في مواضع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
على أن كلا الكتابين قد أهملا «١» من هذا العلم أبوابا، ولربما ذكرا في بعض المواضع قشورا وتركا لبابا، وكنت عثرت على ضروب كثيرة منه في غضون القرآن الكريم، ولم أجد أحدا ممن تقدّمني تعرّض لذكر شيء منها، وهي إذا عدّت كانت في هذا العلم بمقدار شطره، وإذا نظر إلى فوائدها وجدت محتوية عليه بأسره، وقد أوردتها ههنا، وشفعتها بضروب أخر مدوّنة في الكتب المتقدمة، بعد أن حذفت منها ما حذفته، وأضفت إليها ما أضفته، وهداني الله لابتداع أشياء لم تكن من قبلي مبتدعة، ومنحني درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة وإنما هي متّبعة، وكل ذلك يظهر عند الوقوف على كتابي هذا وعلى غيره من الكتب.
وقد بنيته على مقدمة ومقالتين؛ فالمقدمة تشتمل على أصول علم البيان؛ ولا أدّعي فيما ألفته من ذلك فضيلة الإحسان، ولا السلامة من سلق «٢» اللسان؛ فإن الفاضل من تعدّ سقطاته، وتحصى غلطاته.
ويسيء بالإحسان ظنّا، لا كمن هو بابنه وبشعره مقتون «٣»
[ ١ / ٢٤ ]
وإذا تركت الهوى قلت: إن هذا الكتاب بديع في إغرابه، وليس له صاحب في الكتب فيقال: إنه من أخدانه أو من أترابه، مفرد بين أصحابه، ومع هذا فإني أتيت بظاهر هذا العلم دون خافيه، وحمت حول حماه ولم أقع فيه؛ إذ الغرض إنما هو الحصول على تعليم الكلم التي بها تنظم العقود وترصّع، وتخلب العقول فتخدع، وذلك شيء تحيل عليه الخواطر، لا تنطق به الدفاتر.
واعلم- أيها الناظر في كتابي- أن مدار علم البيان على حاكم الذوق السليم، الذي هو أنفع من ذوق التعليم، وهذا الكتاب- وإن كان فيما يلقيه إليك أستاذا، وإذا سألت عما ينتفع به في فنه قيل لك هذا- فإن الدربة والإدمان أجدى عليك نفعا، وأهدى بصرا وسمعا، وهما يريانك الخبر عيانا، ويجعلان عسرك من القول إمكانا، وكلّ جارحة منك قلبا ولسانا، فخذ من هذا الكتاب ما أعطاك، واستنبط بإدمانك ما أخطاك، وما مثلي فيما مهّدته لك من هذه الطريق إلا كمن طبع سيفا ووضعه في يمينك لتقاتل به، وليس عليه أن يخلق لك قلبا، فإن حمل النصال، غير مباشرة القتال.
وإنّما يبلغ الإنسان غايته ما كلّ ماشية بالرّحل شملال «١»
ولنرجع إلى ما نحن بصدده، فنقول: أما مقدمة الكتاب، فإنها تشتمل على عشرة فصول:
[ ١ / ٢٥ ]