ولم يكد كتاب «المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر» يظهر حتى تداوله الناس وكتبوه، وأخذوا في التقريظ له، والانتفاع به، وذاع أمره في البلاد، حتى نقله الناس إلى بغداد، وفيها الفقيه الأديب الشيخ عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين، المعروف بابن أبي الحديد، وهو شديد الاتصال بالوزير مؤيد الدين محمد أبي طالب بن أحمد بن محمد العلقمي، فلما رأى تقريظ الناس للكتاب واشتغالهم بدراسته وتهافتهم على انتساخه تصدّى لمؤاخذته والرد عليه، وعنته، وجمع هذه المؤاخذات في كتاب سماه: «الفلك الدائر، على المثل السائر»، وهو يقول في مفتتح هذا الكتاب: «وبعد؛ فقد وقفت على كتاب نصر الدين «١» بن محمد الموصلي المعروف بابن الأثير الجزري المسمّى كتاب «المثل السائر، في أدب الكاتب والشاعر»؛ فوجدت فيه المحمود والمقبول، والمردود والمرذول؛ أما المحمود منه فإنشاؤه وصناعته، فإنه لا بأس بذلك؛ إلا في الأقل النادر، وأما المردود منه فنظره وجدله واحتجاجه واعتراضه؛ فإنه لم يأت في ذلك في الأكثر الأغلب بما يلتفت إليه، ولا بما يعتمد عليه؛ فحداني على تتبعه ومناقضته في هذه المواضع النظرية أمور: منها إزراؤه «٢» على الفضلاء؛ وغضه منهم، وعيبه لهم، وطعنه عليهم؛ فإن في ذلك ما يدعو إلى الغيرة عليهم، والانتصار لهم ومنها إفراطه في الإعجاب بنفسه، والتبجح برأيه،
[ ١ / ١٨ ]
والتقريظ لمعرفته وصناعته، وهذا عيب قبيح يحبط عمل الإنسان، ويوجب المقت من الله والعباد؛ ومنها أنه قد أومأ مرارا في كتابه إلى عتاب دهره، إذ لم يعطه على قدر استحقاقه، فأردنا أن نعرّفه أن الأرزاق ليست على مقادير الاستحقاق، وأن الرزق مقسوم لا يجلبه الفضل، ولا يرده النقص؛ ومنها أن جماعة من أكابر الموصل قد حسن ظنهم في هذا الكتاب جدا، وتعصبوا له حتى فضلوه على أكثر الكتب المصنفة في هذا الفن، وأوصلوا منه نسخا معدودة إلى مدينة السلام (بغداد) وأشاعوه، وتداوله كثير من أهلها؛ فاعترضت عليه بهذا الكتاب، وتقربت به إلى الخزانة الشريفة المقدسة النبوية الإمامية المستنصرية، عمر الله تعالى بعمارتها أندية الفضل ورباعه وأطال بطول بقاء مالكها يد العلم وباعه، وجعل ملائكة السماء أنصاره وأشياعه، كما جعل ملوك الأرض أعوانه وأتباعه؛ وكان أكثر قصدي في ذلك أن يعلم مصنف هذا الكتاب ورؤساء بلدته أن من أصاغر خدم هذه الدولة الشريفة- ولا أعني نفسي فالعجب مبير، ولا أنبىء عني فمثلي كثير (ثم أخذ في مديح رجال مملكته بما يطول) - وهذا الكتاب وقع إليّ في غرة ذي الحجة من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة؛ فتصفحته أوّلا أولا في ضمن الأشغال الديوانية التي أنا بصددها، وعلقت هذا الكتاب في أثناء تصفحه على المواضع المستدركة فيه إلى نصف الشهر المذكور فكان مجموع مطالعتي له واعتراضي عليه خمسة عشر يوما، ولم أعاود النظر فيه دفعة ثانية، وربما يسنح لي عند المعاودة نكت أخرى، وإن وقع ذلك ألحقتها، وقد سميت هذا الكتاب «الفلك الدائر، على المثل السائر»؛ لأنه شاع في كلامهم وكثر في استعمالهم أن يقولوا لما باد ودثر: قد دار عليه الفلك، كأنهم يريدون أنه قد طحنه ومحا صورته، ومن ذلك قول أبي العتاهية:
إن كنت تنشدهم فإنّهم همدوا ودار عليهم الفلك
وأنا أسأل الله المعونة والتوفيق، وأستمنحه الهداية إلى سواء الطريق؛ بمنّه وكرمه» اه كلامه بحروفه.
[ ١ / ١٩ ]
ولا أحبّ أن أعلّق على هذا الكلام، ولكني أقول: إني لما قرأت الكتاب- وكنت أفكر في نشره بأسفل صفحات هذا الكتاب عند مواطن النقد- لم أجد فيه ما يبعث على تحقيقه وبذل الجهد فيه.
ولم يكتف ابن أبي الحديد بهذا الكتاب، بل هو ينتهز الفرصة في شرحه على نهج البلاغة؛ فينقل كلام ابن الأثير ويعترض عليه، أسمع إليه يقول فيه (١- ٤٤١): «وأنا أحكي ههنا كلام نصر الله بن محمد بن الأثير الجزري في كتابه المسمى بالمثل السائر في الكناية والتعريض، وأذكر ما عندي فيه» اه، ثم هو ينقل كلاما طويلا يقع في نسخة المثل السائر التي نقدمها لك اليوم في الجزء الثاني (من ١٨٠ إلى ٢٠٣) ثم يأخذ بعد ذلك في نقد كلامه نقدا يرجع إلى العبارة وإلى طريق عرضها، ولا يرجع إلى لبابها وحقيقتها، مثل أن يقول: «إنه (يعني ابن الأثير) اختار حد الكناية، وشرع يبرهن على التحديد، والحدود لا يبرهن عليها، ولا هي من باب الدعاوى التي تحتاج إلى الدولة؛ لأن من وضع لفظ الكناية لمفهوم مخصوص لا يحتاج إلى دليل، كمن وضع لفظ الجدار للحائط لا يحتاج إلى دليل» اه، وأنت- أيها القارئ- لو رجعت إلى كلام ابن الأثير وجدت كلامه يتلخص في أن القوم الذين صنفوا في علم البيان من قبله قد عرّفوا الكناية بتعريف، وأنه لا يرتضي هذا التعريف، وهو يرى تعريفها بتعريف آخر، ويرى تعريفه خيرا من تعريف السابقين؛ وهو يبين أولا ما ينطبق عليه تعريف السابقين، وما ينطبق عليه تعريفه هو؛ ثم يبرهن في أثناء ذلك على دعواه أن تعريفه خير من تعريف غيره؛ فهذا البرهان- إن صحّ أن يكون برهانا بالمعنى المعروف في علم الجدل- ليس على الحد كما زعم ابن أبي الحديد، ولكنه على دعوى ادّعاها، إن صراحة وإن ضمنا، وهي أن ما ارتضاه من التعريف خير مما ذكره المتقدمون؛ والواقع أن كتاب «الفلك الدائر» يبدو لمن يتصفحه وهو منصف أن روح التحامل هي التي أملته على مؤلفه، وأنه كتب مع رغبة ملحّة في النّيل من ابن الأثير والغضّ من عمله. وليس معنى هذا الكلام أن ابن الأثير قد أصاب في الكتاب كله، وأنه لا مطعن عليه، ولكن الذي نريد أن نقرره في
[ ١ / ٢٠ ]
طمأنينة هو أن ابن أبي الحديد قد تعرض في الغالب لما لا ينبغي أن يتعرض له أديب يؤثر اللباب على القشور، وترك أشياء هي أولى بالنظر والرعاية، وعذره أنه قرأ الكتاب وكتب نقده عليه في خمسة عشر يوما هو مشتغل في أثنائها بعمله في الدولة؛ فهو- فيما نرى اليوم- أشبه بتقرير من تقريرات حضرات «الموظفين» في أمر من الأمور التي يكلفون مباشرة تنفيذها؛ إذ يكتبونه وهم يعلمون أنه لن يقرأ، وإن قرئ فلن يعمل بما فيه؛ ومن قرأ كتاب «الفلك الدائر» ثم قرأ عشرة أوراق من شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة في مكان أي مكان منه يتبين له الفرق بين الكتابين، ويدرك تمام الإدراك قيمة رأينا هذا في هذا الكتاب.
قال صاحب كشف الظنون (٢- ٢٢٢ بولاق مصر): «وشرحه أبو منصور موهوب بن أبي طاهر الجواليقي «١» المتوفى في عام هـ، وصنّف بعضهم كتابا سماه «الروض الزاهر، في محاسن المثل السائر» وصنّف عز الدين بن أبي الحديد كتابا سماه «الفلك الدائر، على المثل السائر» وصنف أبو القاسم محمود بن الحسين الركن السنجاري المتوفى في عام ٦٤٠ هـ كتابا يرد فيه عليه وسماه «نشر المثل السائر، وطي الفلك الدائر» وصنّف صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى في عام ٧٦٤ هـ- كتابا سماه «نصرة الثائر، على المثل السائر»، وصنف عبد العزيز بن عيسى كتابا سماه «قطع الدابر، عن الفلك الدائر» اه.
ربّ اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ربّ ولا تخزني يوم القيامة؛ واجعلني عندك من المقبولين؛ آمين.
كتبه المعتز بالله تعالى أبو رجاء محمد محيي الدين عبد الحميد
[ ١ / ٢١ ]