- وهي المخصوصة بالذكر ههنا في باب صناعة الألفاظ- وحقيقتها مأخوذة من قولهم: تعاظلت الجرادتان؛ إذا ركبت إحداهما الأخرى، فسمي الكلام المتراكب في ألفاظه أو في معانيه المعاظلة مأخوذا من ذلك، وهو اسم لائق بمسماه.
ووصف عمر بن الخطاب ﵁ زهير بن أبي سلمى فقال: كان لا يعاظل بين الكلام.
وقد اختلف علماء البيان في حقيقة المعاظلة:
فقال قدامة بن جعفر الكاتب «١»: التعاظل في الكلام هو أن يدخل بعض الكلام فيما ليس من جنسه، ولا أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة، كقول أوس بن حجر «٢»:
وذات هدم عار نواشرها تصمت بالماء تولبا جدعا «٣»
[ ١ / ٢٨٥ ]
فسمي الظبي تولبا، والتولب: ولد الحمار.
هذا ما ذكره قدامة بن جعفر، وهو خطأ؛ إذ لو كان ما ذهب إليه صوابا لكانت حقيقة المعاظلة دخول الكلام فيما ليس من جنسه، وليست حقيقتها هذه، بل حقيقتها ما تقدم، وهو التراكب، من قولهم: تعاظلت الجرادتان، إذا ركبت إحداهما الأخرى، وهذا المثال الذي مثل به قدامة لا تركّب في ألفاظه ولا في معانيه.
وأما غير قدامة فإنه خالفه فيما ذهب إليه، إلا أنه لم يقسم المعاظلة إلى لفظية ومعنوية، ولكنه ضرب لها مثالا، كقول الفرزدق «١»:
وما مثله في النّاس إلّا مملّكا أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه
وهذا من القسم المعنوي، لا من القسم اللفظي، ألا ترى إلى تراكب معانيه بتقديم ما كان يجب تأخيره وتأخير ما كان يجب تقديمه؛ لأن الأصل في معناه: وما مثله في الناس حيّ يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه، وسيجيء شرح ذلك مستوفى في بابه من المقالة الثانية؛ إن شاء الله تعالى.
وإذ حققت القول في بيان المعاظلة والكشف عن حقيقتها فإني أتبع ذلك بتقسيم القسم اللفظي منها الذي أنا بصدد ذكره ههنا، فأقول:
إني تأملته بالاستقراء من الأشعار قديمها ومحدثها، ومن النظر في حقيقتها نفسها، فوجدتها تنقسم إلى خمسة أقسام: