فهو معرفة أمثال العرب وأيامهم، ومعرفة الوقائع التي
[ ١ / ٤٠ ]
وردت في حوادث خاصة بأقوام، وقولي هذا لا يقتضي كل الأمثال الواردة عنهم؛ فإنّ منها ما لا يحسن استعماله، كما أن من ألفاظهم أيضا ما لا يحسن استعماله، وكنت جردت من كتاب الأمثال للميداني أوراقا خفيفة تشتمل على الحسن من الأمثال الذي يدخل في باب الاستعمال؛ وسبيل المتصدّي لهذا الفن أن يسلك ما سلكته، وليعلم أن الحاجة إليها شديدة، وذلك أن العرب لم تضع الأمثال إلا لأسباب أوجبتها، وحوادث اقتضتها، فصار المثل المضروب لأمر من الأمور عندهم كالعلامة التي يعرف بها الشيء، وليس في كلامهم أوجز منها، ولا أشد اختصارا.
وسبب ذلك ما أذكره لك لتكون من معرفته على يقين، فأقول: قد جاء عن العرب من جملة أمثاله «إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» وهو مثل يضرب للأمر الظاهر المشهور، والأصل فيه كما قال المفضل بن محمد «١»: أنه بلغنا أن بني ثعلبة بن سعد بن ضبّة في الجاهلية تراهنوا على الشمس والقمر ليلة أربع عشرة من الشهر؛ فقالت طائفة: تطلع الشمس والقمر يرى، وقالت طائفة: يغيب القمر قبل أن تطلع الشمس، فتراضوا برجل جعلوه حكما، فقال واحد منهم: إن قومي يبغون علي، فقال الحكم: إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» . فذهبت مثلا، ومن المعلوم أن قول القائل: «إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» إذا أخذ على حقيقته من غير نظر إلى القرائن المنوطة به والأسباب التي قيل من أجلها لا يعطي من المعنى ما قد أعطاه المثل، وذلك أن المثل له مقدمات وأسباب قد عرفت، وصارت مشهورة بين الناس معلومة عندهم، وحيث كان الأمر كذلك جاز إيراد هذه اللفظات في التعبير عن المعنى المراد، ولولا تلك المقدمات المعلومة والأسباب المعروفة، لما فهم من قول القائل: «إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر» ما ذكرناه من المعنى المقصود، بل ما كان يفهم من هذا القول معنى مفيد، لأن البغي هو الظلم، والقمر ليس من شأنه أن يظلم أحدا، فكان يصير معنى المثل: إن كان يظلمك قومك لا يظلمك القمر، وهذا كلام مختل المعنى، ليس بمستقيم، فلما كانت الأمثال كالرموز والإشارات التي يلوّح بها على المعاني تلويحا
[ ١ / ٤١ ]
صارت من أوجز الكلام، وأكثره اختصارا، ومن أجل ذلك قيل في حدّ المثل: إنه القول الوجيز المرسل ليعمل عليه، وحيث هي بهذه المثابة فلا ينبغي الإخلال بمعرفتها.
وأما أيام العرب فإنها تتنوّع وتتشعب، فمنها أيام فخار، ومنها أيام محاربة، ومنها أيام منافرة، ومنها غير ذلك، ولا يخلو الناظم والناثر من الانتصاب لوصف يوم يمر به في بعض الأحوال شبيها بيوم من تلك الأيام، ومماثلا له؛ فإذا جاء بذكر بعض تلك الأيام المناسبة لمراده الموافقة له، وقاس عليه يومه؛ فإنه يكون في غاية الحسن والرّونق؛ هذا لا خفاء به.
وأما الوقائع التي وردت في حوادث خاصة بأقوام، فإنها كالأمثال في الاستشهاد بها، وسأبين لك نبذة منها حتى تعلم مقدار الفائدة بها:
فمن ذلك أنه ورد عن النبي ﷺ حديث بيعة الحديبية تحت الشّجرة، وكان أرسل عثمان ﵁ إلى مكة في حاجة عرضت له، ولم يحضر البيعة، فضرب رسول الله بيده الشمال على اليمين وقال: «هذه عن عثمان، وشمالي خير من يمينه» .
وقد استعلمت أنا هذا في جملة كتاب فقلت: ولا يعدّ البر برّا حتى يلحق الغيث بالحصور، ويصل من لم يصله بجزاء ولا شكور؛ فزنة الغائب بالشاهد من كرم الإحسان، ولهذا نابت شمال رسول الله ﷺ عن يمين عثمان.
ومن ذلك أنه ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه استدعى أبا موسى الأشعري ومن يليه من العمّال، وكان منهم الرّبيع بن زياد الحارثي، فمضى إلى يرفأ مولى عمر «١»، وسأله عما يروج عنده، وينفق عليه، فأشار إلى خشونة العيش، فمضى ولبس جبة صوف، وعمامة دسماء، وخفا مطابقا، وحضر بين يديه في جملة
[ ١ / ٤٢ ]
العمال، فصوب عمر نظره وصعّده، فلم يقع إلا عليه، فأدناه وسأله عن حاله، ثم أوصى أبا موسى الأشعري به.
وقد استعملت أنا هذا في جملة تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة، فقلت:
وإذا استعنت بأحد على عملك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله؛ فإن الأحوال تتنقل تنقّل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد.
فانظر كيف فعلت في هاتين القصّتين؟ وكيف أوردتهما في الغرض الذي قصدته؟ وامض أنت على هذا النّهج، فإنه من محاسن هذه الصنعة.
وعرض عليّ كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني «١» ﵀ عن الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ إلى ديوان الخلافة ببغداد في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وضمّنه ما أبلاه في خدمة الدولة من فتح الديار المصرية، ومحو الدولة العلوية، وإقامة الدعوى العباسية، وشرح فيه ما قاساه في الفتح من الأهوال، ولما تأملته وجدته كتابا حسنا قد وفّى فيه الخطابة حقّها؛ إلا أنه أخل بشيء واحد، وهو أن مصر لم تفتح إلا بعد أن قصدت من الشام ثلاث مرات، وكان الفتح في المرة الثالثة، وهذا له نظير في فتح النبي ﷺ مكة، فإنه قصدها عام الحديبية، ثم سار إليها في عمرة القضاء، ثم سار إليها عام الفتح ففتحها.
وقد سألني بعض الإخوان أن أنشىء في ذلك كتابا إلى ديوان الخلافة معارضا للكتاب الذي أنشأه عبد الرحيم بن علي ﵀، فأجبته إلى سؤاله، وعددت مساعي صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀، فقلت:
ومن جملتها ما فعله الخادم في الدولة المصرية وقد قام بها منبر وسرير، وقالت: منا أمير ومنكم أمير، فرد الدعوة العباسية إلى معادها، وأذكر المنابر ما نسيته بها من زهو أعوادها، وكانت أخرجت منها إخراج النبي ﷺ من قريته، وقذف
[ ١ / ٤٣ ]
الشيطان على حقها بباطله وعلى صدقها بغويته «١»، ثم طوتها الليالي طيّ السجل للكتاب، وكثر عليها مرور الدهر حتى نسي لها عدد السنين والحساب، ولم يعدها إلى وطنها حتى تغربت لها الأرواح عن أوطانها، وسهرت لها أجفان السيوف سهر العيون عن أجفانها، وتطاردت الآراء في تسهيل أمرها قبل مطاردة أقرانها، وحتى تقدمتها غربات ثلاث كلها ذوات غروب «٢»، وكل خطب من خطوبها ذو خطوب، إلى أن تمخض ليلها عن صبحه، وأصبحت في الإسلام في الإسلام كعام حديبيته وعمرة قضائه وعام فتحه، وفي ذكر أخبارها ما يطبع الأسنّة في رءوس الأقلام، ويرهب سامعها، ولم ينله شيء من مكروهها سوى الكلام، ويومها للدولة هو اليوم الذي أرّخ فيه معاد «٣» نصرها، وميعاد بشرها، فإذا عدّت لياليها السالفة كانت كسائر الليالي وهذه ليلة قدرها.
فهذا فصل من فصول الكتاب؛ فانظر كيف ماثلت بين الفتح المصري وفتح مكة؟ وذكرت أيضا حديث الحباب بن المنذر الأنصاري حيث قال بعد وفاة النبي ﷺ: منّا أمير ومنكم أمير؛ وذلك لما حضر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ﵃ في سقيفة بني ساعدة، والقصة مشهورة، فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر ﵁: بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الذي ذكرته هو نكتة هذا الفتح التي عليها المعول، ومركزه الذي عليه يدور، وعجبت من عبد الرحيم بن علي البيساني- مع تقدمه في فن الكتابة- كيف فاته أن يأتي به في الكتاب الذي كتبه.
وكذلك وجدت لابن زياد البغدادي كتابا كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف المقدم ذكره في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وضمنه فصولا تشتمل على أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة، فمن تلك الأمور التي أنكرت عليه أنه تلقب بالملك الناصر، وذلك اللقب هو لأمير المؤمنين خاصة، فإنه الإمام الناصر
[ ١ / ٤٤ ]
لدين الله، فلما وقفت على ذلك الكتاب وجدته كتابا حسنا قد أجاد فيه كل الإجادة، ولم أجد فيه مغمزا إلا في هذا الفصل الذي يتضمن حديث اللقب، فإنه لم يأت بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، بل أتى فيه بكلام فيه غثاثة، كقوله:
ما يستصلحه المولى فهو على عبده حرام، وشيئا من هذا النّسق، وكان الأليق والأحسن أن يحتجّ بحجة فيها روح، ويذكر كلاما فيه ذلاقة ورشاقة.
وحضر عندي في بعض الأيام بعض إخواني، وجرى حديث ذلك، فسألني عما كان ينبغي أن يكتب في هذا الفصل، فذكرت ما عندي، وهو: قد علم أن للأنبياء والخلفاء خصائص يختصون بها على حكم الانفراد، وليس لأحد من الناس أن يشاركهم فيها مشاركة الأنداد، وقد أجرى رسول الله ﷺ ذلك في أشياء نصّ عليها بحكمه، ومن جملتها أنه نهى غيره أن يجتمع بين كنيته وبين اسمه، وهذا مسوغ لأمير المؤمنين أن يختص بأمر يكون به مشهورا، وعلى غيره محظورا، وقد وسم نفسه بسمة نزلت عليه من السماء، وتميزت به من بين المسميات والأسماء، ثم استمرت عليها الأيام حتى خوطب بها من الحاضر والباد، ورفعها الخطباء على المنابر في أيام الجمع ومواسم الأعياد، وقد شاركته أنت فيها غير مراقب لمزية التعظيم، ولا فارق بين فسحة التحليل «١» وحرج التحريم «٢»، والشرع والأدب يحكمان عليك بأن تلقى ما فرط منك بالمتاب، ولا تحوج فيه إلى التقريع الذي هو أشد العتاب، ومثلك من عرف الحق فأمسكه بيده، ونسخ إغفال أمسه باستئناف التيقظ في غده، والله قد رفع المؤاخذة عمن أتى الشيء خطأ لا عمدا، وقبل التوبة ممن أخذ على نفسه بالإخلاص عهدا.
فانظر أيها المتأمل كيف جئت بالخبر النبوي، وجعلته شاهدا على هذا الموضع؟ ولا يمكن أن يحتج في مثل ذلك إلا بمثل هذا الاحتجاج، وما أعلم كيف شذ عن ابن زياد أن يأتي به مع أنه كان كاتبا مفلقا أرتضي كتابته، ولم أجد في متأخري العراقيين من يماثله في هذا الفن.
[ ١ / ٤٥ ]