هي في اصطلاح جمهور البيانيين: لفظ المشبه به المستعار في النفس للمشبه، والمحذوف المدلول عليه يذكر لازمه كقول أبي ذؤيب الهذلي١:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع٢
_________________
(١) ١ اسمه خويلد بن خالد، أحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية. ٢ "أنشبت": علقت و"ألفيت": وجدت و"التميمة": خرزة تجعل معاذة، تعلق بعنق الصبيان؛ صونًا لهم عن العين أو الجن على زعمهم.
[ ١ / ١٢٠ ]
يقول الشاعر: إذا حان الأجل عجزت عنده الحيل، ولا مرد لقضاء الله.
وإجراؤها أن يقال: شبهت المنية بالأسد في اغتيال النفوس، ثم استعير في النفس لفظ الأسد "للمنية" بعد تناسي التشبيه، وادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به ثم قدر حذفه، ودل عليه بذكر لازمه وهو "الأظفار" على سبيل الاستعارة المكنية، وكقول الشاعر:
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان
يقول: إذا حاطك الله بعنايته، وكلأك بعين رعايته كنت بمأمن من كل سوء، وفي حصانة من كل شر.
وإجراؤها بالقياس على ما تقدم أن يقال: شبهت العناية بإنسان في الانتفاع، ثم استعير في النفس لفظ "إنسان" للعناية بعد التناسي والادعاء المعروفين، ثم قدر حذفه، ودل عليه بذكر لازمه وهو "العيون" على سبيل الاستعارة المكنية، وكقول الشاعر المتقدم:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحًا فلسان حالي بالشكاية أنطق
والاستعارة في لفظ "حالي" شبه الحال بإنسان ناطق في الدلالة على المقصود، ثم استعير في النفس لفظ "إنسان" للحال، بعد التناسي والادعاء، ثم دل عليه بعد تقدير حذفه بذكر لازمه، وهو "اللسان" على سبيل الاستعارة المكنية.
ففي هذه الأمثلة الثلاثة حذف لفظ المشبه به، وكني عن مدلوله بذكر لازمه، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه المذكور، وكل ما كان من هذا القبيل ففيه استعارة مكنية.
"ففي المثال الأول" حذف لفظ المشبه به وهو "الأسد" وبقي المشبه وهو "المنية" وكني عن المشبه به بذكر لازمه وهو "الأظفار" ثم أثبت هذا اللازم للمنية، فقيل: "أظفارها".
"وفي المثال الثاني" حذف لفظ المشبه به، وهو "الإنسان وبقي المشبه" وهو
[ ١ / ١٢١ ]
"العناية" وكني عن المشبه به بذكر لازمه وهو "العيون" ثم أثبت هذا اللازم للعناية فقيل: "عيونها".
"وفي المثال الثالث" حذف المشبه به وهو "الإنسان" وبقي المشبه وهو "الحال" وكني عن المشبه به بذكر لازمه وهو "اللسان". ثم أثبت هذا اللازم "للمشبه" فقيل: "لسان حالي". وهكذا، فالمذكور في المكنية من الطرفين هو المشبه دائمًا "عكس الاستعارة التصريحية".
والدليل على التشبيه حينئذ إثبات ذلك اللازم؛ لأن إثبات لازم الشيء لغيره إنما يدل على أن ذلك الغير مشبه بذلك الشيء، ومنزل منزلته، وإلا ما أثبت له لازمه وسميت الاستعارة المذكورة "مكنية" لأنه كني فيها عن المشبه به بذكر لازمه "كما عرفت".
تنبيه:
ينبغي أن يعلم أن اللازم المراد إثباته للمشبه يجب أن يكون به كمال وجه الشبه في المشبه به، أو أن يكون به قوامه ووجوده. فالأول كما في بيت الهذلي، فإن وجه الشبه فيه بين الأسد والمنية هو "الاغتيال" والاغتيال في الأسد يحصل بشيء آخر غير الأظفار "كأنياب" لكنه بالأظفار يكمل ويتم. الثاني كما في قول الشاعر الآخر: "فلسان حالي بالشكاية أنطق" فإن وجه الشبه بين الإنسان والحال هو "الدلالة" وهي لا تتحقق بدون إنسان ا. هـ.
[ ١ / ١٢٢ ]