يؤتى بالمسند إليه نكرة لأسباب أهمها ما سنذكره لك فيما يلي:
١- أن يكون القصد إلى فرد غير معين، إما لأن المتكلم لم يعلم جهة من جهات التعريف: من علمية، أو صلة، أو غير ذلك، أو لأن غرضه لم يتعلق بتعيينه، وإن كان معينًا، مثال الأول قولك لآخر: "حضر رجل هنا يسأل عنك" تقول ذلك إذ لم تعرف اسمه، ولا شيئًا يتعلق به، ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ فقد ذكر المفسرون أن ذلك الرجل هو "حبيب النجار" غير أن الغرض لم يتعلق به معينًا.
٢- أن يكون القصد نوعًا خاصًّا من أنواع الجنس كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة﴾ نكر المسند إليه وهو "غشاوة"؛ لأن المقصود نوع خاص من أنواع الأغشية غير ما يتعارفه الناس، ذلك هو غطاء التعامي عن الحق، أي الإعراض عن آيات الله١.
٢- أن يكون الغرض تعظيم المسند إليه، أو تحقيره، وأنه بلغ في رفعة الشأن حدًّا فوق متناول المدارك، أو انحط إلى درجة لا يعتد بها.
_________________
(١) ١ يرى السكاكي أن التنكير في هذا لتعظيم أي غشاوة عظيمة تحجب أبصارهم دفعة واحدة وتحول بينهم وبين الإدراك، لكن هذا لا يتنافى مع قصد النوعية: لأن الغشاوة العظيمة التي هي غطاء التعامي عن الحق نوع خاص من أنواع الأغشية.
[ ٢ / ٤١ ]
ولا يلتفت إليها، وقد اجتمعا في قول مروان ابن أبي حفصة:
له حاجب في كل أمر يشينه وليس له عن طالب العرف حاجب
يقول: أن بينه وبين ما يشينه حجابًا كثيفًا، وهو إلى جانب هذا في متناول أيدي العفاة، لا يحول دون قاصديه حائل، والشاهد في لفظي "حاجب" في شطري البيت، حيث أتى بهما منكرين، أما في الشطر الأول فلقصد تعظيم الحائل دون ما يشينه، وأنه في حصن حصين من كل ما يزري به، وأما في الشطر الثاني فلقصد تحقير ما يحول بينه وبين قاصديه، كناية عن أن بابه مفتوح على مصراعيه لمن يريد الولوج، فليس هناك أدنى مانع يحجبهم عن فضله ومعروفه. ومثله قول الشاعر:
ولله مني جانب لا أضيعه وللهو مني والخلاعة جانب
فالتنكير في الأول للتعظيم، وفي الثاني للتحقير، يدل على مقام التمدح برجحان جانب الخير فيه على جانب الشر.
٤- أفاده التكثير أو التقليل، مثاله في التكثير: "إن له لإبلا، وإن له لغنمًا"، أتى بالمسند إليه في الجملتين نكرة لقصد إفادة أن لديه عددًا كبيرًا من الإبل والغنم، وأنها من الكثرة، بحيث لا يمكن الإحاطة بها، والوقوف على مقدارها. ومثاله في التقليل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فقد نكر المسند إليه، وهو "شيء" لقصد أفاده أنه شيء قليل.
ولا يخطر بالبال: "أن التعظيم والتكثير شيء واحد، وأن التحقير والتقليل كذلك فإن بين هذه المعاني من الفروق ما لا يخفى، ذلك أن التعظيم يراعى فيه الحال والشأن كعلو المرتبة، وبعد المنزلة، أما التكثير فالمراعى فيه الكميات والمقادير، كالمعدودات والموزونات، وكذلك يقال في الفارق بين التحقير والتقليل، وقد اجتمع التعظيم والتكثير في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ذكر المسند إليه وهو "رسل" لقصد إفادة التعظيم أو التكثير باعتبارين؛ فعلى اعتبار أنهم ذوو شأن عظيم كان التنكير للتعظيم، وعلى اعتبار أن عددهم كبير كان التنكير للتكثير واجتمع التحقير والتقليل كذلك في قولهم: "أصابني منه شيء" أي حقير قليل، فالتنكير هذا للتحقير إن روعي من حيث الشأن، وهو للتقليل إن روعي من حيث العدد.
٥- أن يمنع من التعريف مانع كقول الشاعر:
إذا سئمت مهنده يمين لطول العهد بدله شمالًا
لم يقل "يمينه" تحاشيًا من أن ينسب السآمة بصريح اللفظ إلى يمين الممدوح، وهو اعتبار لطيف.
٦- أن يراد إخفاؤه عن المخاطب كما تقول لآخر: "قال لي رجل: إنك تنكبت جادة الطريق" فتخفي اسمه لئلا يلحقه أذى من المخاطب إذ نسب إليه ما لا يحب إلى غير ذلك من دواعي التنكير.
[ ٢ / ٤٢ ]