مبحث الأداة:
الأداة: لفظ يدل على معنى التشبيه كالكاف، تقول: محمد كالبدر فالكاف في قولك: "كالبدر" أداة تشبيه لأنها دالة عليه. ومثل الكاف كل ما يفيد معنى المشابهة والمماثلة كلفظ "مثل وشبه"، وكأسماء الفاعل المشتقة مما يفيد معنى التشبيه كمماثل، ومشابه، ومحاك، ومضاهٍ، تقول: هند مثل الغزال، ومحمد شبه الغمام. وتقول: هي مماثلة الغزال، وهو مشابه الغمام، ومحاكي الغيث، ومضاهي النجم، بالإضافة في جميعها.
والأصل في "الكاف" وما شاكلها من الأسماء المضافة لما بعدها "كما رأيت" أن يليها المشبه به لفظا "كما مثلنا" أو تقديرًا كقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ الآية. فالمشبه به في الآية قد ولي الكاف تقديرًا والأصل: أو كمثل ذوي صيب، أما تقدير "ذوي" فلأن الضمائر الثلاثة في ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ للمنافقين وهم ليسوا مذكورين في الآية، فبقيت الضمائر بلا مرجع، ولا بد لها منه كما هو الشأن فيها. وأما تقدير "مثل" فلأجل أن يشاكل المعطوف عليه وهو قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ . وقد يليها غير المشبه به إذا كان المشبه به مركبًا أي: هيئة منتزعة من أمور لم يعبر عنها بمفرد دال عليها١، لكن بشرط أن يذكر بعد الكاف ونحوها بعض هذه الأمور التي انتزعت منها تلك الهيئة، كما في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ فليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء حتى يكون هذا المثال مما ولي فيه المشبه به كاف التشبيه، بل المراد تشبيه حال الدنيا في إقبالها على الإنسان واغتراره بابتسامتها الخادعة، وطلائها الكاذب، وما يعقب ذلك من زوال نعيمها، وامّحاء بهجتها ونضارتها بحال النبات، يغذيه الماء فتنضر خضرته، وتبتسم زهرته ثم لا يلبث أن تنطفئ هذه النضرة، وتذبل هذه الزهرة، ويتحول النبات النضر البهيج إلى هشيم تذروه
_________________
(١) ١ احترز به عما عبر فيه عن الهيئة بمفرد كما في آية اليهود، فقد عبر فيها عن المشبه به المركب بلفظ "مثل" قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ ﴾ إلخ.
[ ١ / ٧٥ ]
عواصف الرياح كأن لم يكن، ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من حسن وبهجة وهناء، يعقبه تلف وشقاء وفناء، فأنت ترى أن المشبه به لم يَلِ الكاف؛ لأنه "الهيئة الحاصلة" لكن وليها شيء يتعلق به وهو "الماء" إذ هو أحد أجزاء الهيئة المذكورة.
والأصل في "كأن" الدالة على التشبيه أن يليها المشبه "عكس الكاف وأخواتها" تقول: "كأن عنترة أسد" فعنترة هو المشبه. وقد ولي "كأن" ويقول الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ فضمير النسوة هو المشبه، وما بعده هو المشبه به.
ومثل "كأن" في هذا لحكم كل ما له معمولان من الأفعال، أو الأصناف المفيدة لمعنى التشبيه تقول: ماثل أو يماثل خالد أسدا، وشابه أو يشابه علي حاتمًا، وحاكى أو يحاكي شوقي أبا الطيب، فالذي ولي الأفعال في هذه المثل هو "المشبه". وتقول: خالد ماثل أو يماثل الأسد، وعلي شابه أو يشابه حاتمًا، وشوقي حاكى أو يحاكي أبا الطيب. وتقول: خالد مماثل أسدًا، وعلي مشابه أو مشبه حاتمًا، وشوقي محاك أو مضاهٍ أبا الطيب، فالضمائر المستكنة في هذه الأفعال أو الأوصاف هي "المشبهات" وقد وليتها؛ لأنها فواعل والفاعل مرتبته بعد الفعل، كما عرفته في محله.
[ ١ / ٧٦ ]