أعجب عبد القاهر الجرجاني - كما أسلفنا لك - بالحذف إعجابًا كبيرًا حتى قال: رب حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التجويد!
ثم قال: وأما المفعول به، فإن اللطائف فيه أكثر، وما يظهر بسببه من الحسن والرونق أعجب وأظهر، ذلك لأن أغراض الناس تختلف - في ذكر الأفعال المتعدية -، فهم يذكرونها تارة، ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي اشتفت منها للفاعلين، من غير أن يتعرضوا الذكر المفعولين، وحينئذ يكون الفعل المتعدي كغير المتعدي، ومثاله: قولهم: فلان يحل ويعقد، ويأمر، وينهي ويضر وينفع، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؟ أي: هل يستوي من له علم ومن لا علم له؟ وقوله: "وأنه هو أضحك وأبكى"، وأنه هو أمات وأحيا"، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أي: هو الذي منه الأحياء والإماتة، والإغناء والاقناء وتارة أخرى يكون للفعل مفعول مقصود، غير أنه يحذف لفظا لدليل يدل عليه (١).
_________________
(١) دلائل الإعجاز ص ١٠١، ١٠٢.
[ ٤١١ ]
وجاء المتأخرون فوضحوا كلام عبد القاهر على النحو التالي:
قال الخطيب - في مقدمة حديثه عن حذف المفعول -: حال الفعل مع المفعول، كحالة مع الفاعل؛ فكما أنك إذا أسندت الفعل إلى الفاعل كان غرضك أن تفيد وقوعه منه لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، كذلك إذا عديته إلى المفعول، كان غرضك أن تفيد وقوعه عليه، لا أن تفيد وجوده في نفسه، فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان ليعلم التباسه بهما، فعمل الرفع في الفاعل ليعلم التباسه به من جهة وقوعه منه، والنصب في المفعول ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه.
أما إذا أريد الإخبار بوقوعه في نفسه من غير إرادة أن يعلم ممن وقع في نفسه، أو على من وقع فالعبارة عنه أن يقال: كان ضرب، أو: وقع ضرب أو: وجد، أو: نحو ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرد (١).